في سردٍ روائي يستمدُّ من التاريخ سيرةً يتداخل فيها الخيالي مع الواقعي، ومن عكَّا التي دخلت تحت سيطرة العثمانيين عام 1517، وتحوَّلت إلى ميناء بحري عالمي، يضعُنا الكاتب والمحامي المختص بقوانين الجرائم والعلاقات الدولية والمؤرِّخ اللبناني يوسف معوض في كتابه "حاييم صرَّاف عكَّا: يهودي في ذمَّة الإسلام" (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2026، ترجمة جان هاشم) في تراجيديا معاصرة غير تلك التراجيديات اليونانية والشكسبيرية؛ وذلك لما لَقِيَ حاييم فارحي الصراف (1760 ــ 1820) من مصير مأساوي على يد والي عكَّا، جدع الأنف، ومن ثمَّ الموت شنقًا، إذ إنَّ الأحداث تتناسل من بعضها، وكل أطراف الصراع لهم مواقف عدائية منه بصفته (يهوديًا) أي ذِميًَّا. ويُقصد بالذمِّي عند فقهاء الإسلام كلًّا من النصارى واليهود أهل الكتاب، وأصحاب الديانات الأخرى الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي. ولحاجة الدولة العثمانية المُسلِمة المُؤمِنة لأعماله وعلمه وذكائه وفطنته وحذاقته برسم السياسات الضرائبية، بقي يعملُ مع ثلاثة ولاة عثمانيين تعاقبوا على حكم ولاية عكَّا من عام 1790 إلى عام 1820، أشهرهم أحمد باشا الملقب بالجزَّار، الذي أمرَ بجدع أنف حاييم، وقطع أذنه، وفقء عينه، وسليمان باشا الملقَّب بالعادل، وعبد الله باشا، الذي لعب حاييم دورًا رئيسًا في توليته على عكَّا، وهو من قتلَ حاييم فارحي خنقًا في منزله.
يسرد الكاتب يوسف معوض في روايته سيرة الصراف حاييم فارحي، وبالوثائق والمصادر والمراجع، بأنَّه جمع في عمله مع ولاة عكَّا بين الدورين المالي والسياسي، فكان الشخصية الثالثة في الولاية، يأمر فيُطاع. وحاييم هو سليل أسرة يهودية تخصّصت، دراسةً وعملًا، في ميادين الأعمال المالية، فصار أعضاؤها أصحاب ثروات تفوق ما يملكه نظراؤهم أهل الذمة من المسيحيين. وكان الوالي أحمد باشا الجزَّار هو من استدعاه من دمشق لتولي شؤون المحاسبة والرسائل والصرّافين، وتنظيم ميزانية الولاية، والمشاركة في توجيه سياسة الدولة، وتقديم الأفكار الإصلاحية والمشاريع الهامة في ولاية عكَّا التي كانت تضمُّ اللاذقية شمالًا، حتى غزَّة جنوبًا، وشمال جبليْ لبنان وعامل. يقول حاييم في مذكراته عن موافقته ورضاه بالعمل مع أحمد الجزار: "تمَّ الأمر، أنا الآن في عكا، دخلتُ في خدمة أحمد باشا الجزار الرهيب، بقرار طوعي مني، إنما مدفوعًا بشكل ما ببعض أهلي، فتربيتي وإعدادي في كنف والدي وجدي، والجو الطاغي في عائلتي، كل ذلك هيأني للتطلع إلى أعلى المراكز". ثمَّ يروي الباحث والروائي يوسف معوض في كتابه أنَّ اليهود في دمشق كانوا يقيمون في منطقة واحدة عُرفت باسمهم، "محلة اليهود"، إلى جانب المسلمين والمسيحيين، منهم صرَّافون وأطبَّاء ودبَّاغون وجزَّارون وندَّافون. آل فارحي هم من اليهود السفارديم، وكان أسلافهم قد تعرَّضوا للتطهير العرقي على أيدي المسيحيين الكاثوليك ومحاكم التفتيش الإسبانية في القرون الوسطى، وطُردوا من إسبانيا في عام 1492. وتعود أصول حاييم كما يروي في مذكراته قائلًا: "أنا حاييم فارحي المعروف بالصراف، كان جدي الأكبر ’ناتان’ قد وَفَدَ من سالونيك ليستقرَّ في دمشق بعد إقامة وجيزة في عاصمة السلطنة، وجدي لأبي هو حاييم، حاخام دمشق، والدي شاؤول ومعروف أكثر باسم شحادة".
تعود أصول والي عكَّا أحمد الجزار، كما يروي الكاتب يوسف معوَّض في القسم الأوَّل من السيرة الروائية "المتعطش للدماء، حاييم والجزار باشا (1790 ــ 1804)"، إلى أنَّه وُلِدَ في "البوسنة" التابعة للسلطنة العثمانية، عام 1734، لأسرة مسيحية، ومن ثمَّ انتقل إلى إسطنبول في بداية شبابه واعتنق الإسلام، ثمَّ انتقل إلى القاهرة مع قافلة عائدة من الحج وعرض نفسه للبيع في سوق النخاسة، حيث اشتراه أحد اليهود ثم باعه إلى أحد أعيان المماليك، لينضم الجزَّار لخدمته في القاهرة، وكانت أولى خدماته لسيِّده أن قدَّم له رؤوس أربعة أشخاص من أعدائه، فاستخدمه للتخلص من معارضيه ومنحه لقب "بك"، ثمَّ قام بشن عدَّة غارات على البدو وذبح منهم بفأسه أكثر من 70 رجلًا كان من بينهم عدد من الشيوخ والقادة الأشداء، ثمَّ هرب الجزار إلى جبل لبنان، وفي عام 1775 أعطى السلطان العثماني أحمد الجزار لقب "باشا" وفوضه على إيالة صيدا، ثم سيطر على عكَّا ومحيطها. وقد ساعدَ حاييمُ الجزَّارَ في صراعاته الداخلية، تجاه بعض الضباط المناوئين لسياساته، وفي صراعه مع البدو، وتولى إدارة الاتصالات مع الإنكليز والباب العالي، بحكم تمكنه من التحدث بالفرنسية والتركية والعبرية، ومَسكَ السجلات المالية للولاية وتأمين المراسلات مع ديوان السلطان في إسطنبول. وبمشورة ودهاء حاييم، تمكَّن الجزار من صدِّ هجمات الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرت وحصاره عكا عام 1799، وكان الديوان السلطاني قد منحه في عام 1775 لقب بيرليرباي (بك البكوات).
في القسم الثاني من هذه الرواية، والذي حمل عنوان "حاييم وسليمان باشا (1804 ــ 1819)" يروي الكاتب كيف تمتَّع حاييم فارحي بصلاحيات واسعة في ولاية عكَّا، إذ جاء تصنيفه بالرجل الثالث في الولاية، بعد الوزير والكتخدا. كما يتحدث الباحث عن علاقة الأمير بشير شهاب الثاني بالوالي العثماني، وأحوال جبل لبنان وشيعة جبل عامل، وانتشار مرض الطاعون، وظهور الحركة الوهابية في الحجاز وأثرها على الولاية، ووصول الطبيب الإيطالي المثليّ فرنشيسكو ومداواته لسليمان باشا حتى وفاته عام 1819.
في القسم الثالث والأخير من الرواية "كتاب ناكر الجميل، حاييم وعبد الله باشا (1819 ــ 1820)"، يسرد الكاتب يوسف معوض كيف سعى حاييم إلى جعل عبد الله باشا واليًا لم يحفظ الود للمعلم حاييم، وقد استولى عليه الطيش وعكف على الملاهي والملذات وبدأ بمتابعة حلقات الذكر بحسب الطريقة النقشبندية الصوفية التي أغضبت علماء الشريعة وفقهائها وقضاتها، ثم قام بالتخلص منه عندما رفض الانصياع لأوامره خوفًا على اليهود الآخرين في الولاية.
وعن موقف السلطنة العثمانية المُسلمة من اليهود يكشف المؤلِّف عن أنَّ هنالك حاخامات حلوا منذ عام 1481 على ضفاف البوسفور، وأنَّ العثمانيين كانوا يرون أن "اليهود موالون لهم، فيما ظلوا يشتبهون في أنَّ المسيحيين ميالون إلى القوى العظمى الأوروبية التي كان لها حدود متنازع عليها مع السلطنة". ويضيف الباحث أنَّ هنالك حقيقة تاريخية مفادها أن الإسلام، في ممارسته الحضارية ببلاد الشام، لم يتعامل مع اليهود كـ "آخر" مرفوض، بل كشريكٍ في البناء والإنتاج، طارحًا تساؤلات حول هوية حاييم اليهودي الشرقي الذي ظلَّت عواطفه عالقة بين انتمائه التاريخي لبيئته، وبين الضغوط القومية التي مورست عليه لتجريده من هذا الانتماء، ويؤكِّد المؤلِّف أنَّ اليهود كانوا "رعايا السلطنة المُخلصين والمنصاعين" إلى درجة أن السلطان أسقط عنهم "القوانين الصارمة المطبقة على غير المسلمين"... فيما كان رأي والدة الوالي عبد الله الذي أراد أن يتخلَّص من حاييم فارحي أنَّ "اليهود، وبعكس النصارى، حقودون ولا يمكن الوثوق بهم". فأخذ عبد الله باشا برأي والدته، وكلف على الفور أحد جنده، نسيبه إبراهيم بيك، إعدام صرَّاف ولايته، مشددًا عليه بعدم إراقة دم اليهودي. فليقتله خنقًا ويتخلَّص من الجثَّة لتبقى بلا جنازة، "أنصت حاييم بكل هدوء إلى إبراهيم بيك يتلو عليه قرار حكم الإعدام. انكسر الطوق الذي وضعه الحراس حول عنقه، وسرت أقاويل إن الأمر احتاج إلى ما يقل عن ثلاثة حبال لإنجاز خنق الصراف العجوز". نُفذت العملية، ثمَّ وُضِعت "الجثَّة في كيس خيش ورميت في البحر". وقد روي أن "الأمواج قذفت إلى الشاطئ، بعد أيام من إغراقها، جثَّة المعلِّم حاييم المسكين، وقد استرحم أبناء طائفته أن يسمح لهم بإقامة جنازة له، لكن عبد الله لم يستجب لتوسلاتهم، لا بل أمر بأن توضع الجثة في كيس يملأ نصفه بالحجارة، وأن تحمل إلى عمق البحر ليبتلعها من جديد". وكان هذا ثمن وفائه وإخلاصه لأسياده، وبالأحرى لمدى انقياده وتذلّلـه وانسحاقه أمامهم، مختارًا أو مضطرًا، وهذا المصير الذي آل إليه حاييم الصراف، كما يرى الباحث يوسف معوض: إنَّه مصير الذين يتقرّبون من السلطة، إذ إنَّه في التراجيديا يجب معاقبة مقترف الشر.