يُعد كتاب "سفينة العمراني: معارف ولطائف" (الصادر حديثًا) من المؤلفات الموسوعية التي تجمع بين ثراء المعرفة وجمال الأدب، وهو من إعداد وتأليف نجله السفير عبد الرزاق العمراني، يدوّن فيه ما تلقاه وسمعه من والده، القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، وهو أحد أبرز علماء اليمن في العصر الحديث. ويقع الكتاب في 900 صفحة من القطع المتوسط، وهو ما يعكس غزارة مادته العلمية وتنوّع موضوعاته.
يقدم الكتاب ترجمة وافية للقاضي العمراني (مفتي اليمن السابق)؛ سيرته العلمية، ومكانته الفقهية، وخصاله، ومنهجه الرصين والمحايد في الفتوى، وأسلوبه الفريد في التدريس الذي امتاز بإضفاء روح الدعابة، وربطه المسائل الفقهية بالقصص والشواهد، وإبراز ما قدمه في خدمة الفكر الإسلامي. وتُعد هذه الترجمة مصدرًا مهمًا للتعريف بشخصيته وإرثه العلمي. كما يتصدر الكتاب تقديم كَتَبه القاضي العمراني نفسه، قبيل وفاته، يوضح فيه أن هذه السفينة عبارة عن كتاب ينتفع به مختلف القراء؛ من عامة الناس وطلاب العلم والمتخصصين، إذ يقتطف كل قارئ، من العلوم والمعارف.
وننوه إلى أن هذه السفينة كانت صدرت في طبعة أولى عام 2014، وطبعة ثانية عام 2022، والأخيرة، تميزت – إضافة إلى تنقيح النص وتصحيح الأخطاء الفنية واللغوية والمطبعية – بملحق يتضمَّن توثيقًا مصورًا لأبرز المحطات في حياة صاحب السفينة، ونماذج مختارة من مخطوطات كتبها بخط يده قبل أكثر من ثمانين عامًا.
ويعتمد المؤلف بناءً مبتكرًا في تنظيم محتوى الكتاب، حيث ينقسم إلى قسمين: "بحر المعارف" و"بحر اللطائف"، في توظيف بديع للاستعارة البحرية، يمنح القارئ إحساسًا بأنه في رحلة علمية وثقافية ممتدة، ينتقل خلالها بين الشواطئ والمرافئ، ويقف عند محطات متنوعة تزخر بالعلم والفائدة. وقد أضفى هذا البناء على الكتاب قدرًا كبيرًا من التشويق والتناغم، وجعل الانتقال بين موضوعاته أكثر سلاسة وترابطًا.
يبدأ القارئ رحلته في بحر المعارف، الذي يتناول طيفًا واسعًا من العلوم الإسلامية والإنسانية، موزعة على عدد من الشواطئ. ففي شاطئ الفقه جمع المؤلف عددًا كبيرًا من المسائل الفقهية، توزعت على مراسٍ متعددة شملت الأحكام الشرعية والقضايا الفقهية المختلفة، إلى جانب مرسى خاص بالتعريف بالفقهاء والمذاهب الإسلامية، بما يثري معرفة القارئ بأعلام الفقه وتطور مدارسه.
ثم تنتقل السفينة إلى شاطئ التاريخ، الذي يضم مراسي مخصصة للأحداث التاريخية والمحطات الحضارية المهمة في التاريخ الإسلامي والعربي واليمني، قبل أن تبحر إلى شاطئ الحديث النبوي والسيرة النبوية، حيث أفرد المؤلف مراسي للأحاديث النبوية، وعلوم الحديث ورجاله، وسيرة النبي محمد ﷺ، وسير الصحابة الكرام رضي الله عنهم، بما يعكس عنايته بالتراث النبوي وعلومه.
وتواصل السفينة رحلتها إلى شاطئ التراجم، وهو من أبرز أقسام الكتاب، إذ يضم عشرة مراسٍ خُصص كل منها للتعريف بإحدى الشخصيات العلمية اليمنية البارزة، ومنهم: الإمام عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف، ونشوان بن سعيد الحميري، والعلامة الجلال، والعلامة ابن الوزير، والعلامة ابن الأمير الصنعاني، وشيخ الإسلام الشوكاني، وجدُّ صاحب السفينة العلامة محمد بن علي العمراني، وغيرهم، مع إبراز جهودهم العلمية وإسهاماتهم الفكرية، مما يجعل هذا القسم سجلًا توثيقيًا مهمًا للحركة العلمية في اليمن.
وتختتم رحلة بحر المعارف عند شاطئ العقيدة والتفسير، حيث يعرض المؤلف عددًا من المسائل العقدية والتفسيرية بأسلوب يجمع بين الاختصار والوضوح، مع المحافظة على أصالة الطرح والاعتماد على المصادر المعتبرة.
أما بحر اللطائف، فيمثل الجانب الأدبي والثقافي من الكتاب، إذ ينتقل بالقارئ بين مجموعة من الشواطئ التي تضم مختارات متنوعة من النوادر والطرائف والقصص والحكايات. ويبدأ هذا البحر بـشاطئ التاريخ اليمني، الذي يتناول جوانب من التاريخ المحلي وما يرتبط به من أخبار وحوادث مهمة حدثت في اليمن، يليه شاطئ القصص والحكايات، حيث جمع المؤلف قصصًا هادفة وحكايات تجمع بين العبرة والمتعة.
ثم يصل القارئ إلى الأحاجي والألغاز وما يتصل بها من طرائف وألوان أدبية، تعكس ملمحًا من التراث الثقافي العربي والإسلامي، ثم الطرائف واللطائف اليمنية (النوادر، ولا سيما الصنعانية منها)، ثم حكايات من التراث العربي، ومختارات من القصائد، الحكم، الأمثال، في سياق مترابط يأخذ القارئ من مرفأ إلى آخر، يكتسب في كل محطة معارف جديدة. والكتاب، بذلك، يحقق توازنًا بين العلميّ والأدبيّ.
وتتجلى قيمة هذا الكتاب في منهجه التربوي والثقافي، إذ يحفز القارئ على مواصلة القراءة والتنقل بين موضوعاته المختلفة من دون إحساس بالرتابة. ولذلك يمكن عدُّه من المؤلفات الموسوعية التي تخاطب مختلف القراء، وتوفر المعلومة للباحث والمتخصص والقارئ العام على حد سواء، حيث تبحر السفينة، بقارئها، كاشفة ملامح من شخصية العمراني الأب، وسعة علمه، وعمق معارفه، ولا تخلو من متفرقات ساخرة.
وإلى ذلك، صدرت للسفير عبد الرزاق العمراني، عدة كتب: "اليمنيون في الأردن: التاريخ والملامح"؛ "العمل القنصلي في القانون والممارسة"؛ "بلغاريا من الزاوية الشرقية"؛ "تأملات في المشترك العربي التركي"؛ "ذوقيات صنعانية".
وتعكس هذه المؤلفات تنوّع الاهتمامات الفكرية والعلمية للباحث العمراني، في التاريخ والقانون والدراسات الثقافية، إضافة لاهتمامه بتوثيق التراث العلمي لوالده والمحافظة على إرثه العلمي.