وقفتُ متأمّلًا وأنا أتصفح في كتاب "الثقافة وهوية النص في عُمان" للباحثة عائشة الدرمكية قولًا نُسب للرسول محمد عليه السلام: "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك"، ثم في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأهل عُمان:
"يا معشر أهل عُمان، إنكم أسلمتم لله طوعًا، ولم يطأ رسول الله ساحتكم بخفٍّ ولا حافر، ولا جشّمتموه كما جشّمه غيركم من العرب، ولم تُرمَوا بفرقة ولا تشتّت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث فيكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح، فأيّدتموه إذ دعاكم على بُعد داركم، وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعدّتكم، فأي فضلٍ أبرّ من فضلكم، وأي فعلٍ أشرف من فعلكم، كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفًا إلى يوم الميعاد، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرّمًا، ورحل عنكم إذ رحل مسلمًا، وقد منّ الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابني الجلندى، وكنتم على خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهرتم ما يضاعف فضلكم، وقمتم مقامًا حمدناكم فيه، ومحضتم بالنصيحة، وشاركتم بالنفس والمال، فيثبّت الله ألسنتكم ويهدي به قلوبكم، وللناس جولة فكونوا عند حسن ظني فيكم، ولست أخاف عليكم أن تُغلبوا على بلادكم ولا أن ترجعوا عن دينكم، جزاكم الله خيرًا".
إن هذين القولين وغيرهما، لا يؤسّسان لفترة زمنية معيّنة ينتفي فيها التأصيل الذاتي للكينونة لأهل عُمان، وإنما هو تجذّر واضح في أهل عُمان.
يقول د. خالد العبري في مقالة "الهوية المجتمعية في الرواية الشفهية العُمانية": "من هذا النسق التاريخي تتجلّى لنا الصورة المثلى التي بُنيت عليها هوية المجتمع العُماني إلى يومنا هذا".
إن إحدى السمات المجتمعية هي الرزانة، تلك التي تتسم بالمحافظة على العادات والتقاليد، ومواكبة العالم في تقدّمه المادي بما لا يتعارض مع الأصالة، وهذا يأخذنا إلى منحى آخر، وهو الحفاظ على التواصل الصوتي بين اللغة المتحكمة في البنية الفكرية الداخلية وبين طريقة أدائها. ولعلنا نلاحظ طريقة الأداء التي تعبّر عن التكوين الجمعي لكل شعب، وهذا يدخلنا إلى منعطف هام، وهو تعريف الهوية.
تجدر الإشارة إلى قول د. إبراهيم القادري عن الهويات: "تغيّر الهويات ينبغي أن يخضع لقانون يبيّن الثوابت المميزة للصفة والعناصر القابلة للتحوّل، وإلا لكانت الهوية عرضة للخطر والتدمير..."، وهذا يحدث قبل المواءمة بين الأصالة والتحديث.
يقول د. خالد العبري في مقالة له: "إن الثقافة المجتمعية ظاهرة نشأت مع الإنسان منذ ولادة الخليقة، فلا يمكن أن يكون هناك شعب أو أمة بلا ثقافة"، وهنا يتجه الفكر إلى الكيان المسمى "إسرائيل"؛ هل يمتلك ثقافة وفق هذا المنظور؟
ويردف قائلًا: "إن لكل جماعة أو أمة مجموعة من الخصائص والمميزات الاجتماعية والنفسية والتاريخية المتماثلة التي تعبّر عن كيان ينصهر فيه قوم منسجمون ومتشابهون، وبتأثير هذه الخصائص والمميزات التي تجمعهم".
إن هذا المفهوم ينمّي الفكرة الكبرى (الفكرة الوطنية)، فأن تكون لك هوية يعني بالدرجة الأولى وجود اللغة وتأصّلها وفق محددات وأنماط حياة، بمدارك متفتحة. ومن خلال هذا المقتطف يمكن الاقتراب من المادة التراثية والثقافية لسلطنة عُمان بالمعنى التداولي في الحياة، والنمط التراثي ضمن المد الجذري للهوية العُمانية، ولأن مثار البحث هو الرواية، فإن الطريق الأول لمحدد الهوية هو الأدب الشعبي العُماني.
إن أردنا تفحُّص لهجات أهل عُمان، فإننا سنجد أن النطق يختلف بشكلٍ يختلف عمّا هو مكتوب، لكنه في الوقت نفسه معروف لدى الكثير من البلدان العربية، كنطق القاف كافًا، والكاف جيمًا مزدوجة (چ)، واستبدال حرف الضاد بحرف الظاء، وهذا يتقارب مع اللهجة العراقية أيضًا.
وهنا نتساءل: هل على الإنسان أن يحمي لهجته من الاندثار، ومقاومة ما يسمى "اللهجة البيضاء" التي يحاول الكثير من الناس اتخاذها لهجة يُحاوِر بها ويُحاوَر بها؟ أم أن رياح التغيّر المواكبة للعصر تهب كي نبقي لنا اللغة العربية ملاذًا من تشعّب وتشقق اللهجات واندثارها؟
وفي عُمان؛ تتجلّى الهوية في مكوّنات تراثية عديدة، ومنها:
- اللباس العُماني المميز.
- العادات والتقاليد ذات الطابع الديني.
- التاريخ غير المستحدث عبر السنين، فعُمان تمتلك تاريخًا جعل أبناءها يشعرون بالفخر لماضيهم وحاضرهم.
- النمط الاجتماعي المرتكز على العادات والتقاليد.
- الانتماء.
هذه المكونات وغيرها جعلت من جغرافية المركز فرصةً لتقارب اللهجات، فكلما اقتربنا من مركز المدينة تآلفت اللهجات كصيغة مخاطبة جامعة، خلافًا لحالة الابتعاد عن المركز، وهنا نصل إلى المعنى الحقيقي لاختلاف اللهجات والعادات، وهو جعل التفاوت أداة للتفكير الطوعي والتمايز، ومن ثمّ التميّز.
في منحى آخر يقترب العبري من الهوية إذ يقول: "فأما السرد القصصي: رواية يتداولها الناس ويتحدثون عنها بلهجات مختلفة قد يختلف طابعها، أما الشعر الشعبي فقد يتطابق لأنه متناقل من الأفواه، ولكن من يسرد الشعر يسرده نقلًا عمن قاله بحسب ما وصله، وهنا الاختلاف قد يكون لفظيًا".
ويقول في موضع آخر: "إن العلاقة بين اللغة وأصحابها علاقة تفاعلية، يصعب معها الفصل بين الطرفين، فهي هم، وهم هي، وبعبارة أخرى هي (اللغة) (الهوية)، وهي (الهوية) (اللغة)".
ومن هذا تتبين الازدواجية الحميدة في التعامل الحياتي، فهو تأقلم مع الحياة، حيث التعامل الرسمي داخل السلطنة وخارجها تكون اللغة العربية الفصحى هي اللغة الحاكمة، أما في التعامل الشعبي، فهنا تأخذ اللهجات زمام الأمر في المحافظة على التراث وإكسابها خصوصية في التخاطب السري بينهم دون غيرهم، وهذا معمول به في معظم الدول، وعلى وجه الخصوص في المغرب العربي.
الشعر وجه آخر للهوية العُمانية
يقول د. محمد بن سالم العشني: "لئن كانت الهوية هي كل ما يُعرف به الفرد أو الجماعة أو الوطن أو الأمة، فإن الشعر هو مرآة الأمة التي تعكس مفاهيمها وقيمها وعاداتها، وما تُعرف به من محددات، وما يميز أفرادها من سمات شخصية".
ويقول الشاعر العُماني عبدالله البلوشي:
"عيون المتعبين الحزانى، تلك التي على مدى أربعين عامًا
تلمست في بريقها الوضّاء خيط عشقي الخالص لأديم أرض الليل
ووداعة أمي... تلك المختبئ وجهها فيما وراء الغيم".
هو مقطع من نص "عيون المتعبين" الذي ينصب معين كلماته حصرًا لأديم الليل والأم، في زاوية شعورية لملمت شعثه، وباح بتلك الكلمات التي تعبّر عن حالة خاصة، لكنها في الوقت نفسه تجربة إنسانية مرهفة تصلح لكل من لفح الشعور ذاته.
وفي نص "أول الفجر":
فجرًا... وحدك أمي
كنتِ الصاعدة إلى ذروة الشوق ليهجع إلى جوارك الهجير
بينما الشجرة العذبة
كانت تعانق عروق الشمس
أنتِ ورقة الحب التي ظللت شمسها شجرة طفولتي المورقة
وعندما أجدبت مقلتي في الصحراء
فرحتُ لأبحث عن ظل شجرة دائمة
لأدفن تحت أديمها الساطع زهرة بقائنا المنسي.
هنا يبرز الاهتمام المختلط من الشاعر للزمن والإنسان، الزمن الذي جعل من الفجر اختصارًا، ومن الأم ارتقاءً، ولعل الشاعر أراد التمثيل الكلوروفيلي بالمعنى المجازي بوصفه "الشجرة العذبة"، وإعطاء دفق الرسالة للأم، فتصاعد الحدث ليصل إلى نهاية المطاف.
وفي نص "لن أرحل" للشاعر هلال الحجري في ديوانه "هذا الليل لي":
اشتعلي جحيمًا أيتها الأرض، لن أزداد إلا عناقًا للتاريخ ولثمًا لسرايا الفتح الأول
ويا جبال عُمان حتى متى تصلبين هذه السمرة على جبيني
ويا صحراءها حتى متى تملئين جيوبي بالرمل وتذرين في عيني العذاب
هل ستجبريني على الرحيل؟
لا، لن أرحل
مزيدًا من الحزن أيتها الأم
لن أرحل حتى تسيل عظامي على جبالك
واحدًا تلو الآخر!
هذا التصور الموشوم بالتاريخ يتميز بالالتصاق التاريخي في صور جمالية، وفي ذات الصور يعود إلى الذات والأنا، ويُرى من هذا النص رغم فورانه.
صوت آخر يمثله الشاعر عبد الله حبيب في نسج الحنين بكلماته:
حجرتي الراسية في القيامة
إذا ترقرقت الوسادة بالحنين
وترنحت نجمة في البلاد البعيدة
مشابك شعرك السوداء
التي كنتِ تُخصّلين بها السماوات
أعثر عليها
تائهة مختبئة
في سنتيمترات الحنين
في جرارات المطبخ والحمام وخزانة الثبات...
قدمك التي وطأت عنقود العنب
عند قائمة الحنين.
هذا التشكل في نبرة الوعي هو نحت لهوية ثقافية ولدت مع التاريخ، لكنها تحتاج إلى صقل كما الأحجار الكريمة إلى مستوى آخر من الإثراء الأكثر قوة للحنين.
يقول الشاعر سيف الرحبي:
عشيرة الذئاب المرتحلة في ضوء الفجر
بين الكثبان والأزمنة
وبذلك الحنين الذي يسرج الصحراء بدماء شعوبها البائدة.
هذه التجاذبات تعبّر عن فوضى خلاقة في انهمار الكلمات بتعابير الحال، ليس توثيقًا للحال بل مشاركة للحرف والصورة والشعور لإتمام قصيدة تُكتب ولا تُكتب!
الرؤية المشهدية للأدب العُماني والثقافي تتصاعد مرتكزة على الوعي أولًا والإنجاز الكمي النوعي، وبدعم رسمي ونخبوي، لا ليقال إن هناك حراكًا ما، وإنما لقرار جمعي يعرف ما يصبو إليه وهدفه وهو الإنسان. وإني لأشبّه عجلة الانتماء الحقيقي للهوية بقول المفكر علي عزت بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" عن الثقافة: "إن معناها الفن الذي يكون الإنسان به إنسانًا".