في إحدى استفزازاته الفلسفية العديدة، كتب أديب التنوير فولتير (1694-1778): "كانديد، يرتجف مثل فيلسوف، اختبأ قدر استطاعته خلال هذه المذبحة البطولية". لا يمكن لهذه الجملة إلا أن تثير فضول الفلاسفة. لماذا كتب فولتير أن كانديد "يرتجف مثل فيلسوف"؟ هل يعني هذا أن الفيلسوف جبان بطبيعته؟ أم ربما هناك أسباب تدعو إلى منح الفيلسوف مكانة سياسية منفصلة؟ أم ينبغي لنا أن نستنتج أن مهمة الفيلسوف، في كل موقف، هي البقاء على قيد الحياة مهما كلّف الأمر؟
لمواجهة هذا الموقف، وجد الفيلسوف الأوكراني أوليكسيي بانيش (1960-...) أنه يمكن أن نستشهد بسقراط كمثال مضاد. ففي محاكمته، قال لقضاته: "يا جماعة، عندما كنت في المعركة، قاتلت كأي شخص آخر؛ والآن لا يمكنني التراجع لأنها معركتي أنا أيضًا، ولكنها معركة فلسفية هذه المرة". ويضيف أ. بانيش: "لو كان سقراط يعرف الألمانية، لربما أضاف، كما فعل لوثر في مجمع فورمس في ربيع عام 1521: ’ها أنا ذا، ولا أملك خيارًا آخر. فليُعنّي الله. آمين’. ووفقًا لمأدبة أفلاطون، تصرف سقراط بشجاعة في المعركة؛ بل أنقذ حياة صديقه".
لكن، لنطرح سؤالًا أكثر صعوبة. إذا كان كانديد "يرتجف كالفيلسوف"، فهل يمكننا القول إن سقراط قاتل بشجاعة كفيلسوف؟ كلا. الجواب عند سقراط نفسه: "إن أولئك الذين يتفلسفون لا يفعلون شيئًا سوى الموت والبقاء أمواتًا".
حين كُلّف الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي ريمي براغ (1947-...) بمهمةٍ بالغة التحديد، لم تكن تهدف إلى استعراض النظريات الفلسفية للحرب بشكلٍ سطحي، بل إلى دراسة آثار تجربة الحرب على الفلاسفة، وما إذا كانت هذه التجربة قد أثّرت في طريقة تفكيرهم، وجد نفسه أمام مهمة صعبة وتحدٍّ لا بدّ من مواجهته. وقد نشر دراسته القيمة في كتاب جماعي حمل عنوان "الحرب والتاريخ" تحت إشراف عالم الاجتماع الفرنسي جان باشلر (1937-2022).
نقتبس هنا المقطع المتاح من دراسة ر. براغ: "لا يتعلق الأمر هنا بإعادة صياغة ما فكّر فيه الفلاسفة حول الحرب، فقد تناول معظمهم هذا الموضوع، سواءً بتفصيلٍ أو بإيجاز. إن تقديم نظرة شاملة سيكون طويلًا ومملًا، وسيبدأ من البداية. هناك مقطعٌ شهيرٌ لهيراقليطس يجعل الحرب مبدأً عالميًا: "الحرب هي أم الكل (pantōn)، ملكة الكل". ولكن ماذا كان يقصد بذلك؟ بالتأكيد ليس أنها أمّ كل شيء، لأن الأمثلة التي ذكرها هي الكائنات الحية: الآلهة والبشر، والطبقات الاجتماعية، والعبودية والحرية".
عبّر أفلاطون عن شخصية الجنرال لاخيس في الحوار الذي يحمل اسمه (كان الجنرال لاخيس، المتوفى عام 418 قبل الميلاد، استراتيجيًا وسياسيًا أثينيًا بارزًا في العصور القديمة، اشتهر بمشاركته في المرحلة الأولى من الحرب البيلوبونيسية (431–404 قبل الميلاد)، وهي صراع مدمر بين الإمبراطورية الأثينية ورابطة البيلوبونيز بقيادة إسبرطة)، وانتقد أفلاطون الأنظمة السياسية – وكان يفكر بالدرجة الأولى في إسبرطة – التي تتخذ من إدارة الحرب غايةً قصوى للتحالف السياسي. ويُعد مكيافيلي الوحيد الذي خصص رسالة مطولة ومفصلة للحرب، قدّمها كعمل فني بعنوان "فن الحرب" (Arte della guerra). أما كارل فون كلاوزفيتز (1780–1831)، الضابط والمنظّر العسكري البروسي الذي صاغ إحدى أشهر النظريات الحديثة في العلاقة بين الحرب والسياسة، فقد رأى نفسه في المقام الأول رجلًا عسكريًا، ولا شك في أنه كان سيشعر بالاستياء لو وُضع اسمه بين الفلاسفة.
قدّم جان باشلر الكتاب واعتبر الحرب بُعدًا من أبعاد السياسة. تُشكّل السياسة جوهر الوجود الإنساني، والحرب بُعدٌ أساسي من أبعادها، إذ كانت عاملًا حاسمًا في العديد من الأحداث الهامة منذ فجر العصر الحجري الحديث. ولذا، تُعدّ الحرب القوة الدافعة الرئيسية وراء صياغة السياسات، ولا سيما الإمبراطوريات، في جميع أنحاء العالم. فهي "تُسهم بشكلٍ كبير في تمايز الأنظمة السياسية ونزعاتها الاستبدادية، وتُحفّز فرض الضرائب، وتُعزّز بيروقراطية الإدارة العامة. وفي الماضي، ساهمت في صعود الطبقة الأرستقراطية في أوروبا واليابان، وهي السبب الرئيسي للازدواج الجنسي في الجنس البشري. كما يُمكن ملاحظة تأثيرها في ظهور العلوم في أوروبا وفي ظواهر التحديث. وقد ألهمت الملاحم والفنون القتالية والرياضة. ولا يُمكن لأي تاريخ أن يدّعي خلوّه منها تمامًا". ولذلك، تُشكّل الحرب ظاهرةً عالميةً تُؤثّر في التاريخ الفردي والجماعي على حدّ سواء، من وجهة نظر ج. باشلر.
نظر ريمي براغ إلى مكانة الصراع في الفكر الغربي، وكيف نظّر المفكرون للعنف. ويمكن تلخيص بحثه في النقاط البارزة الآتية:
الحرب أصل كل شيء: يُذكّرنا براغ بأن هيراقليطس رأى الحرب أمًّا وملكةً لكل شيء (مبدأ التغيير)، مع أن هذه الصيغة غالبًا ما تُفهم بشكل خاطئ.
الحرب كاستمرار: يُسلّط الضوء على تأملات أفلاطون وأرسطو (خاصةً في كتاب "السياسة")، اللذين حلّلا الحرب لا كحالة دائمة ومثالية، بل كوسيلة لتحقيق السلام.
المنظور الحديث: يتناول الكاتب تعريف الحرب كقضية كبرى بين الدول، وهو التعريف الذي صاغه لاحقًا فلاسفة مثل جان جاك روسو.
التجاوز والدين: يُقارن ريمي براغ، المتخصص في فلسفة الأديان (والذي درّس في جامعة ميونيخ)، بين الفلسفة العقلانية والنصوص الدينية، كما فعل في أعماله حول المسيحية والإسلام.
وحسب الفيلسوفة، والعميدة السابقة لكلية الفلسفة بجامعة ستراسبورغ، آن ماركر، في دراستها "الحرب، أعظم أنواع الصراع: تأملات في الحرب عند أفلاطون ونيتشه" (مجلة "كريتيك"، عدد 6، 2023): "الحرب هي أعظم صراع"، كما قال أفلاطون، وحماة المدينة هم "رياضيوها". فالمدينة المثالية تمارس الحرب، والدليل – إن كان ثمة حاجة إلى دليل – هو أن هذه المدينة ليست مثالية على الإطلاق إن لم تخض الحروب، بل إن أفلاطون لم يصفها بهذا المصطلح. في نظره، كانت ببساطة أفضل ما يمكن تحقيقه ضمن الجنس البشري. لولا الحرب، لما اتخذت مدينة "الجمهورية" الشكل الذي نعرفه. فهي تولد من نواة تتمحور حول إشباع الحاجات، ثم تنمو تحت ضغط الترف المفرط الذي يتجاوز حدود الضرورة، وتصل في النهاية إلى نضجها مع ظهور ضرورة الحرب. إن احتمال الحرب هو السبب المباشر لبنية المدينة المتعددة، التي لا تضم طبقة من المنتجين فحسب، بل تضم أيضًا طبقة من المحاربين، وبالتالي طبقة من القادة. هذه المدينة يحكمها حماة هم محاربون بقدر ما هم فلاسفة، ملوك محاربون بقدر ما هم ملوك فلاسفة.
وفي دراسة بعنوان "الحرب والفلسفة"، تؤكد أستاذة الفلسفة بجامعة روان، لورا مواتي، أن الشرف فضيلة عريقة ترتبط غالبًا بروح المحارب. والبطولة ليست أمرًا يُقرّر، بل تعتمد على ظروف عديدة وعلى المنصب. ومن هنا ينبع التقدير من الآخرين، والذي يجب أن يكون نبيلًا لا يُسعى إليه، وإلا فإنه لا يعدو كونه مجدًا زائفًا.
تتساءل أستاذة الفلسفة بالكوليج دي فرانس، كلودين تيورسيلين، في دراسة لها بعنوان "الفلاسفة الفرنسيون في مواجهة الحرب: السياسة، الأخلاق، الفلسفة" (ضمن الكتاب الجماعي "حوالي عام 1914-1918: شخصيات فكرية جديدة"، 2015): هل ثمة سمة مميزة في موقف الفلاسفة من الحرب العالمية الأولى، مقارنةً بموقف الكتّاب أو السياسيين، كما يتضح من كتاباتهم وأفعالهم، أو حتى من غيابها؟ وهل من السهل إذًا تحديد ما يمكننا تسميته "فيلسوفًا" فرنسيًا؟ علاوة على ذلك، هل ثمة ما يميزهم، بدون مبالغة، عن غيرهم؟ وما الذي يمكننا إظهاره، بطريقة ما، لتوفير إطار لقراءة وتفسير كتاباتهم و/أو أفعالهم؟ أخيرًا، هل يمكننا، بل هل ينبغي لنا، الربط بين هذه الكتابات والأفعال؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف؟ هذه بعض الأسئلة التي أودّ تناولها.
دعت ك. تيورسيلين إلى ضرورة فحص المواد والوثائق المتاحة أولًا وقبل كل شيء، وهو ما قد يتطلب، بحسب النصوص وطبيعتها وسياقها، "تخفيف الأثر "الكاشف" الذي قد تُحدثه"، حسب قولها. وتشمل هذه المواد الكتب التي تتناول الحرب، والحرب أثناء حدوثها، وفترة ما بعد الحرب؛ إضافة إلى النصوص العرضية. فعلى سبيل المثال، في فرنسا، لا تتشابه خطابات رئيس أكاديمية العلوم عن الحرب مع خطابات رئيس أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية؛ كما لا ينبغي نسيان وثائق أخرى مثل البيانات والمفاهيم والعرائض، التي غالبًا ما تكون مستوحاة من أحداث الحرب نفسها أو ردًا على بيانات من الجانب المعارض (تعطي في هذا السياق، على سبيل المثال، بيان عام 1993 في ألمانيا والقضايا التي أثارها في فرنسا وغيرها).
| |
| يُعد مكيافيلي الوحيد الذي خصص رسالة مطولة ومفصلة للحرب، قدّمها كعمل فني بعنوان "فن الحرب" (Arte della guerra) |
تُعتبر الأوقات التي تشتعل فيها الحروب محورية دومًا، والفلاسفة يأخذون على عاتقهم مهمة التساؤل: ما هي تلك الحلقة المحورية في تلك الفترة المحورية التي يمكننا من خلالها أن نبدأ في فهم حجم محنة الحرب هذه؟
يضع الفيلسوف الفرنسي فريدريك وورمس (1964-...) تلك الحلقة المحورية بين تاريخين وكتابين، بين عامي 1929 و1932. في عام 1932، عندما نشر الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941) آخر أعماله الرئيسية "مصدرَا الأخلاق والدين"، يمكن القول إنه قد فات الأوان، أو (دون إصدار أحكام قيمية) أن الضرر قد وقع، أو بتعبير أدق أن نقطة التحول، نقطة تحول القرن، قد حدثت، وأنها تمحورت تحديدًا حول الحرب، حول علاقة الفلسفة – والفلاسفة – بالحرب. قد يبدو هذا مفاجئًا، فعكس عنوان الكتاب، تُشكّل الحرب جوهره وموضوعه الرئيسي، لكنه قد سُمّي سريعًا وبشكل مألوف "مصدرَا الأخلاق والدين". تُشكّل الحرب محور هذا الكتاب، ليس فقط كتهديد، ولا حتى كحضور، بل قبل كل شيء كمعيار فلسفي وأخلاقي، وحتى ديني. فالحرب هي ما يكشف فجأةً، وبوحشية، الحقيقة الخفية للأخلاق التي تدّعي أنها صالحة عالميًا، ولكنها في الواقع – كما تُظهر الحرب نفسها كاشفةً زيفها – لا تسري إلا على فئة ضد أخرى، هذه الأخلاق التي هي، بالتالي، في حقيقتها كذلك.
ماذا عن الفلاسفة العرب؟
بعد هذه الجولة في أفق الفلاسفة الغربيين، من الطبيعي طرح سؤال: وماذا عن الفلاسفة العرب؟
لم يكن هؤلاء الفلاسفة في منأى عن هذا التفكير. لقد نظروا إلى الحرب نظرة تحليلية ربطوها بفلسفة الحكم، وعلم الاجتماع، والأخلاق. لم تكن الحرب لديهم مجرد دمار، بل ظاهرة اجتماعية تحكمها قوانين سياسية وأخلاقية، برزت بشكل جلي في كتابات أبي نصر الفارابي (874م-950م) وابن خلدون (1332م-1406م). ويُعد الفارابي أول من أسّس لمفهوم فلسفي دقيق شبيه بما يُعرف اليوم بـ"نظرية الحرب العادلة". وتتضح رؤيته في مشروعه السياسي "آراء أهل المدينة الفاضلة"، حيث حصر شرعية الحرب في الحالات التالية: دفع العدوان (الحرب مشروعة إذا كانت لرد الظلم وحماية المدينة من المعتدين)، وإقامة الخير والعدل (شنّ الحرب لإرغام الفئات المستبدة أو الطاغية على الانقياد لما فيه صلاحهم العام). ومن منظور الضوابط الأخلاقية، ربط الفارابي الحرب بوجوب تجنب استهداف المدنيين (غير المقاتلين) واستنفاد كافة الحلول السلمية قبل اللجوء إلى القوة العسكرية.
واعتبر ابن خلدون أن الحرب حتمية تاريخية وطبيعية. لذلك اعتبره الدارسون لفكره من أعمق من فكّر في طبيعة الحروب في كتابه "المقدمة"، حيث يرى أن الحرب "أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل". وحصر دوافع الحرب في أربعة أسباب رئيسية: الغيرة، المنافسة، العدوان، والغضب لله أو للمُلك. أما أنواع الحروب فقسّمها إلى: "حروب طبيعية" تحدث بين القبائل والأمم بسبب البغي والعدوان، و"حروب شرعية" (الدفاع أو الجهاد)، و"حروب سياسية" تكون دفاعًا عن الدولة أو إخمادًا للفتن.