فقد الوسط الأدبي العراقي يوم 23 نيسان/ أبريل الماضي القاص والباحث العراقي فرج ياسين عن عمر 80 عامًا، تاركًا سبع مجموعات قصصية، إضافةً إلى كتاب يضم أعماله القصصية الكاملة، وأربعة كتب نقدية، ومسرحية بعنوان "المسد" كتبها بالاشتراك مع صديقه غالب المطلّبي، ونشرتها مجلة "الأديب المعاصر" عام 1974، ومن بوابتها دخل حقل السرد.
وُلد ياسين في مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، وبدأ مثل العديد من أقرانه بكتابة الشعر وهو طالب في الثانوية، ثم تخلى عنه واتجه إلى القصة القصيرة والنقد. أكمل دراسته في قسم اللغة العربية بكلية الآداب- جامعة بغداد، وحصل على الماجستير في القصة القصيرة، والدكتوراه في الأدب الحديث والنقد.
اتصل منذ أواسط الستينيات ثم السبعينيات برؤى وفلسفات العصر وقضاياه ومناهجه (الماركسية، والوجودية، وأدب المقاومة، وبزوغ صفحة ما بعد الحداثة)، راصدًا التطورات في فنون الشعر والرواية والقصة والفن التشكيلي والمسرح والسينما، وكان أحد الشعراء الذين قدمتهم مجلة "الكلمة" في عددين من أعدادها بوصفهم شعراء ما بعد الستينيات والسبعينيات. وحين انتهى فصل وجوده القصير في بغداد وانتقاله للعمل في سلك التعليم الثانوي في إحدى قرى تكريت منذ عام 1975 بدأت علاقته مع القصة.
يعزو تحوله من كتابة الشعر صوب كتابة القصة القصيرة الى أن في البطانة النفسية والذوقية والثقافية لكل أديب ثمة شاعر كامنٌ متوثب، يمتلك الحق والشرعية في أن ينطلق ويتريث أو يتراجع أو يتحول، لكنه وهو يتحول لم يفقد هذه البطانة (الخلفية)، والدليل أن الشعر موجود في قصصه، وبمستويات كثيرة موضوعية وفنية تناصّية وبلاغية وأسلوبية، وأن بنيات النصوص الأدبية أخذت تتساقى مكوناتها، فلم يعد للنوع المنفرد خصوصية مطلقة في إطار الجنس الذي ينتمي إليه، أو إطار الجنس الجامع، أي الفن.
شكّلت الدراسة الأكاديمية مرحلةً مهمةً في مسيرته الأدبية، فقد وجد نفسه بإزاء بحبوحة من المصادر الأدبية وغير الأدبية مثل علم النفس والاجتماع على نحو خاص، وأتاحت له التعرف على فضاء الأدب القصصي في العراق. وكان لاطلاعه على كم هائل من القصص اثر كبير فيه، إذ بدأ يتعرف على أساليب القصاصين العراقيين والعرب وتقاناتهم وهمومهم، كما اكتسب مشروعه القصصي طاقةً حيويةً جديدةً، وقد انعكس ذلك في كتابات النقاد الذين تناولوا بالدراسة هذا المشروع، وفي دراسات الأكاديميين الذين أنجزوا بحوثًا ورسائل وأطروحات أكاديمية عن أدبه القصصي.
حملت مجموعاته القصصية العناوين الآتية: حوار آخر (1981)، دار الرشيد للطباعة والنشر، بغداد؛ عربة بطيئة (1986)؛ واجهات براقة (1995)؛ رماد الأقاويل (2006) عن دار الشؤون الثقافية، بغداد؛ ذهاب الجعل إلى بيته: ثلاث قصص طويلة (2010)، دار تموز، دمشق؛ بريد الأب (2013)، دار الروسم، بغداد؛ قصص الخميس (2016)، دار إمضاء، بغداد؛ والأعمال القصصية الكاملة (2022)، عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق.
أما كتبه النقدية فهي: تمثلات السرد: دراسة في بنية السرد العربي الحديث؛ المروي والمروي له: نقد سوسيولوجي ونفسي للنص القصصي العربي؛ القصّ والنصّ: قراءات في القصة؛ كتابة الآخر: بحث في صور الآخر في السرد العربي الحديث؛ توظيف الأسطورة في القصة العراقية الحديثة؛ وأنماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية. وله أيضًا كتاب في السيرة بعنوان "أيّامي: لوحة الذكريات".
يقول الدكتور أسامة محمد صادق عن فرج ياسين: يكتب نصه ويطلقه في الهواء، ويسعد حين يرى أن لنصه أجنحة طاولت المدى، غير أنه يبقى محافظًا على روح الطفل فيه التي لا تحتفي إلا بالتفاصيل الصغيرة البعيدة عن تضخم الأنا والمغالاة بتقدير الذات... لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن فرج ياسين الإنسان لأنه يعيش كما يكتب ويكتب كما يعيش، يربكه المديح والمحبة.
"قصص الخميس"
ثمة في مجموعته القصصية "قصص الخميس" نقد حاد للظواهر الاجتماعية والسياسية التي سادت العراق، خاصةً بعد الاحتلال الأميركي، وعلى نحو يتماشى مع حدة الأحداث التي مرت ومرارتها، وقد تراوحت طريقة تناولها بين أسلوبين، كما يحللها الناقد فيصل عبد الوهاب، الأسلوب المباشر الذي يشي ببعد رمزي أحيانًا، وفي أحيان أخرى يقترب من لغة الخبر العادي، والأسلوب الرمزي الذي يتبع تقنيات متعددة منها التناول الأسطوري الذي يُعرف به الكاتب، أو السرد على ألسنة الحيوانات أو ما يسمى بالقصة الخرافية، أو الأنسنة (التشخيص). وفي الجانب السياسي يتخذ الكاتب من الجمهورية المفترضة "كبريا" أنموذجًا للحكم الدكتاتوري المطلق مثلما توحي التسمية للكبرياء والعظمة المزيفة. ومثلما ينتقد الكاتب هذا النوع من الحكم فإنه ينتقد نقيضه أيضًا وهو الحكم الديمقراطي. وعندما يتخلى الكاتب عن أسلوبه المباشر تصبح لغته شفافة ًعذبةً موحيةً.
"رماد الأقاويل"
تجري أغلب أحداث قصص مجموعته "رماد الأقاويل" في إطار المجتمع القروي، والأمكنة الصحراوية، والفضاءات المفتوحة، ويحتل الأطفال والصبيان موقعًا خاصًا بين شخصياتها، لما تمثله براءة الطفولة من نزعة في الاندفاع والمغامرة، وكشف ما يتحفظ منه الكبار، ويستثمر ياسين فيها السرد الشفاهي، والموروثات الشعبية، وميثولوجيا القرية وحكاياتها، وكأنه يتحرك في أجواء بكر، حسب تعبير الناقد كاظم حسوني، من خلال تحولات أبنية السرد التي ترسم لوحات فنيةً أخّاذةً بوصفها لملامح الأبطال ورصد تحركاتهم، وفي نسج الأحداث والوقائع في البيوتات الطينية أو في الأرض القاحلة، وأجمات الشجر، أو فوق جروف الأنهر الصغيرة، تلك الأحداث والقصص المضمّخة بعطر الخرافة والأسطورة، والأشباح. إلى جانب العناية الفائقة للقاص بأسلوب سردي شاعري ذي إيحاءات ودلالات جمّة، كما مزج بين الواقعي والفانتازي، مثيرًا همومًا وتساؤلات تمس حياة الناس المعيشية، وتمكّن ببراعة من كسر السياقات الخطية في السرد، خروجًا عما هو مألوف في القصص التي تتخذ من القرية فضاءً لها، حيث تبرز قدرته في ابتكار صيغ وتقنيات ذات نزوع حداثي، وفي التدقيق المتأني بجملته السردية الطويلة المعبأة بطاقة رمزية كبيرة، الأمر الذي يؤكد على خبرته وتمرسه في صناعة خطابه القصصي.
"ذهاب الجعل إلى بيته"
عدّ أغلب دارسي نص "ذهاب الجعل إلى بيته" روايةً قصيرةً (نوفيلا)، على الرغم من أن ياسين جنّسه بأنه قصة طويلة. من هؤلاء الدارسين الشاعر والقاص مهند التكريتي الذي رأى أنها مهّدت لتأصيل رؤية مستقبلية قوامها إنهيار مفهوم "المدنية" في شخصية بطل الرواية خليل الطرفاوي؛ الباحث عن نسب عشائري ضائع يفشل في الحصول عليه في ظل واقع متأزم يعلن عن تشوّه تقدمية "القرية" وإنسحاب مفهوم "المدينة" أمامها .أما الناقدة الدكتورة سوسن البياتي فقد ذهبت إلى أن النص رواية قصيرة تنهض على إمكانيات الدمج بين قوانين القصة وقوانين الرواية، أي أن ننظر إليها على أنها صورة مصغرة من الرواية، وصورة مكبرة عن القصة القصيرة، تحمل مواصفات الرواية القصيرة وسماتها، إذ يجري التركيز فيها على شخصية واحدة محددة هي شخصية (الراوي/ الشخصية)، الذي يسرد قصته عبر مستويات دلالية وإشارية وسردية أقرب إلى المنظور الذاتي باستخدام ضمير المتكلم، الذي يشكّل انتقالةً نوعيةَ من الخارج إلى الداخل، فيصبح ضميرًا معبّرًا عن الذات المتكلمة/ الساردة ومشخّصًا لها.
*كاتب من العراق.