إنّ أيّ كتابة عن غزّة اليوم ستظلّ ناقصة! فاللغة لا تتّسع لوصف أهوال ما آلت إليه أحوال الغزّيين في القطاع بعد مرور أكثر من ألف يوم من حرب الإبادة الجماعية الهمجية المستمرّة بأوجه مختلفة، والتي خلّفت كوارث إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث لِعظم الخسائر البشرية والمادّية، حيث يُقدر عدد الشهداء الذين وصلوا إلى مستشفيات القطاع أكثر من 73000 شهيد منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023م، فيما لا يزال نحو 10000 شخص في عداد المفقودين، بينهم شهداء تحت الأنقاض، وآخرون مجهولو المصير. بينما تجاوزت نسبة الدمار الشامل 90% تقريبًا من القطاع، وسيطر جيش الاحتلال على أكثر من 80% من مساحته عبر الاجتياح والعمليات العسكرية، في ظلّ استمرار إبادة شعب وثقافة وعمران؛ بالقصف الوحشي، والتطهير العرقي، والتهجير القسري، والحصار الجائر والتجويع.
ورغم إدراكنا أنّ معركة الأدب والفنّ ستظلّ مع مجاراة هذا الواقع خاسرة، إلّا أنّ ذلك لا يعني عدم طرق جدران الخزان، وهو ما دعانا للوقوف على واقع وآفاق المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم، فكان أن توجّهنا إلى عدد من المبدعات والمبدعين من الكتّاب، وصنّاع الأفلام، والفنّانين، في شتّى حقول الثقافة والأدب والفنون، طارحين عليهم/ نّ الأسئلة التالية: كيف يبدو لكم المشهد الثقافي والفنّي في غزّة تحت وطأة الحرب؟ وهل بقي للعمل الثقافي والفنّي مساحة تتحرّك فيها من بين ركام الحرب؛ في ظلّ غياب شبه كامل للمؤسّسات الثقافية والفنّية الرسمية والأهلية؟ وهل ترون أنّ الثقافة قادرة على الصمود والاشتباك مع الواقع في مثل هذه اللحظة المفصلية، بعد أن بات البقاء على قيد الحياة في حدِّ ذاته فعل مقاومة وقد دُمّرت البيوت بالكامل، أو تعرّضت لأضرار جسيمة، ومُسحت المكتبات عن الوجود، وأُحرقت الكُتب، وطاول المحو معظم مقرّات المؤسّسات الثقافية والفنّية؟ ومن بعد، إلى أيّ حدٍّ استطاعت مظاهر الحرب رسم ملامح أفق ثقافي وفنّي جديد قادر على التأثير والتغيير في الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي؟ وكيف هو السبيل إلى عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى القطاع كما كانت عليه قبل الحرب؟
هنا الجزء الثاني والأخير:
المخرج السينمائي أسامة مبارك الخالدي (عضو الهيئة الإدارية لمهرجان العودة السينمائي الدولي):
أدب الشاهد وفنّ الاشتباك المباشر
يبدو المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم وكأنّه يكتبُ فصله الأكثر قسوة، والأكثر إلهامًا في آنٍ واحد؛ تحت وطأة الحرب الشاملة والمحو الممنهج. اليوم لم يعد المشهد يُقاس بمؤشرات العمل المؤسّسي، أو معارض الفنّ وقاعات العرض التي سويت بالأرض، بل تحوّل إلى "ثقافة الوجود الحافي"، ثقافة تتخلّق في الخيام، وعلى جدران المنازل المهدّمة، وتحوّل الفعل الإبداعي من نتاج جمالي إلى شهادة وجودية، وضرورة حيوية للبقاء على قيد الإنسانية.
إنّ غياب المؤسّسات الرسمية والأهلية، ومحو المكتبات، لم يلغِِ المساحة الثقافية، بل أعاد جذرها الشعبي والشفاهي. لقد أثبتت هذه اللحظة المفصلية أنّ الثقافة حين تُحرم من مؤسّساتها لا تموت، بل تعود إلى منبعها الأوّل: الإنسان، فتصبح الحكاية التي تُروى للأطفال في خيمة النزوح، أو الرسمة على قطعة قماش ممزّقة، أو الصورة التي تُلتقط بذاكرة مجهدة هي ذاتها البنية التحتية الجدّية للثقافة. البقاء هنا ليس مجرّد نجاة جسدية، بل هو رفض واعٍ لمنطق المحو الحضاري والتاريخي.
لقد رسمت أهوال الحرب ملامح أفق ثقافي وفنّي جديد يتميّز بالشراسة والوضوح؛ أفق يُسقط السرديات المجمّلة واللغة المحايدة، ويفرض جماليات جديدة قائمة على "أدب الشاهد وفنّ الاشتباك المباشر". لم تعد الثقافة في غزّة تُخاطب الداخل النخبوي، بل غدت معيارًا أخلاقيًا يُعرّي هشاشة المنظومة القيمية العالمية، وتُعيد صياغة الوعي العربي والإنساني عبر وضع الجرح الفلسطيني في قلب الضمير العالمي كاختبار حقيقي لقيم العدالة.
أمّا عن سبيل استعادة الحياة الثقافية، فهو مسار يتجاوز حدود "الإعمار الهندسي". إنّ ترميم الجدران والمحترفات لن يجدي نفعًا من دون ترميم الإنسان الفاعل في الثقافة. السبيل يتطلّب رؤية تأسيسية جديدة تقوم على: الاعتراف بالثقافة التلقائية التي ولدت من رحم الحرب، ودعمها من دون وصاية مؤسّسية. إعادة تجميع وأرشفة الذاكرة الشفهية والبصرية المنبثقة من الشهادات اليومية لحمايتها من الاندثار. خلق شبكات إسناد عربية ودولية عابرة للمؤسّسات الرسمية تحمي المبدعين وتوفّر لهم أدوات الاستمرار.
إنّ الثقافة في غزّة لن تعود "كما كانت"، بل ستعود أشدّ عمقًا وأصلب عودًا، فقد اكتسبت شرعيتها الجمالية والإنسانية من قدرتها على الازهار فوق الركام، معلنةً أن الذاكرة أطول عمرًا من أداة التدمير.
الكاتب والشاعر مصطفى لقان (رئيس المركز الفلسطيني للثقافة والإبداع):
المساحة التي نتحرّك فيها محفوفة بالخطر
يبدو المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم كأنّه يقف على حافة الموت، لكنّه في الوقت نفسه يرفض أن يموت. لقد أصابت الحرب كلّ شيء؛ الإنسان، المكان، الذاكرة، المؤسّسات، المكتبات، المسارح، المراكز الثقافية، والفضاءات التي كانت تحتضن الكتاب والفنّ والموسيقى... لكنّ المفارقة الكبرى أنّ الثقافة لم تختفِ؛ بل تغيّرت أشكال حضورها؛ أصبح الشاعر يكتب من داخل الخيمة، والفنّان يرسم على ما تبقّى من جدران، والكاتب يوثّق حكايته بهاتفه، والموسيقي يستعيد لحنًا وسط أصوات القصف، وتحوّلت الحكاية الشفوية والصورة والمنشور الإلكتروني إلى فضاءات بديلة للثقافة، التي انتقلت في غزّة من المؤسّسة إلى الإنسان، ومن المكان إلى الذاكرة. ولذلك فإنّ المشهد الثقافي، رغم كارثيته، ما زال حيًا؛ وربّما أصبح أكثر التصاقًا بالحياة والموت والهوية والذاكرة من أيّ وقت مضى.
أمّا المساحة التي يتحرّك فيها مبدعو غزّة بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة، فإنّها ليست نفسها التي عرفناها قبل الحرب. إنّها مساحة ضيقة جدًا، محفوفة بالخطر، وتتحرّك غالبًا خارج المؤسّسات. ولقد وجدت الثقافة لنفسها منافذ صغيرة: في الخيام، وفي تجمّعات النازحين، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المبادرات الفردية، وفي الكتابة والرسم والتصوير والموسيقى والحكاية. وأصبح الهاتف المحمول ــ أحيانًا ــ بمثابة مسرح ومكتبة وصالة عرض ومطبعة. وأعتقد أنّ أهمّ ما حدث هو أنّ المبدع الغزّي لم ينتظر عودة المؤسّسات كي يواصل دوره، بل حملها معه أينما ذهب، وهذا لا يعني أنّ غياب المؤسّسات أمر يمكن التعايش معه؛ فالثقافة تحتاج إلى بنية تحتية، وإلى مسارح ومكتبات ومراكز ومعارض ومؤسّسات تحفظ الإنتاج وتدعمه. لكن ما أثبتته غزّة أنّ الثقافة لا تبدأ بالمبنى، بل بالإنسان.
الثقافة والفنون في هذه اللحظة تحديدًا أصبحت أكثر ضرورة من أيّ وقت مضى. حين يُدمّر البيت، يمكن إعادة بنائه، وحين تُهدّم مؤسّسة ثقافية يمكن إعادة تأسيسها، لكن حين تُمحى الذاكرة يصبح استعادة ما فُقد أكثر صعوبة. لذلك أصبح الكتاب والقصيدة والفنون والتوثيق أدوات لمواجهة المحو. فالفنّان لا يستطيع إيقاف آلة القتل الإسرائيلية، والكاتب لا يستطيع منع القصف، لكنّهما يستطيعان أن يقولا للعالم: هذا الإنسان كان هنا، وهذا البيت كان هنا، وهذه الحكاية كانت هنا؛ لقد أصبح البقاء نفسه فعل مقاومة، وأصبح التوثيق فعل مقاومة، والكتابة فعل مقاومة.
وأرى أنّ مهمّة الثقافة اليوم ليست فقط أن تصف المأساة، بل أن تحمي الإنسان من أن يصبح المأساة نفسها؛ أن تحفظ له اسمه وذاكرته وأحلامه وحقّه في الجمال.
الحرب ستترك بالتأكيد أثرًا عميقًا في الثقافة الفلسطينية والعربية والعالمية، وربّما نحن أمام ولادة مرحلة ثقافية جديدة لم تتضّح ملامحها كاملة بعد.
أعتقد أنّه لا ينبغي أن نتحدّث عن عودة الثقافة كما كانت فقط، بل عن إعادة بناء ثقافة أكثر قوّة واتّساعًا ممّا كانت عليه، وهذا يبدأ أوّلًا بإعادة بناء الإنسان، ثمّ إعادة بناء المكان والمؤسّسة. نحن في حاجة إلى خطّة ثقافية وطنية شاملة تبدأ بإعادة إعمار المراكز الثقافية والمؤسّسات الفنّية والمسارح والمكتبات ودور النشر، وإعادة أرشفة ما فُقد من كتب ومخطوطات ووثائق وأعمال فنّية.
الفنّانة التشكيلية دينا مطر:
لا يستطيع أحد إسكات صوت يواجه الحقيقة
من وجهة نظري، فإنّ المشهد الفنّي الفلسطيني في قطاع غزّة الآن يمرّ بأصعب الظروف، وأصعب المراحل في تاريخه تحت وطأة حرب الإبادة. فهذه الحرب طاولت الذاكرة قبل المكان، وطاولت كلّ المساحات الفنّية والأماكن التي كان يستفيد منها الفنّانون والفنّانات، سواء كانت عبارة عن مراسم، أو مؤسّسات فنّية. ولكن رغم كلّ هذا الدمار الذي طاول مناحي الحياة كافة، إلّا أنّنا أصبحنا أكثر حاجة إلى التعبير عن مشاريعنا عبر الفنّ. فإن سكتت ألسنتنا نطقنا من خلال الريشة واللوحة؛ فتوثيق الذاكرة من خلال أعمالي الفنّية، والتعبير عن غزّة الجميلة التي نحبّها ونعرفها شيء مهمّ في الأعمال الفنّية، فلا يجب أن يكون الفنّ مرآة للدمار والموت.
ورغم كلّ هذا الموت والخراب، وركام الحرب، ما زالت هنالك مساحة للتحرّك الفنّي. ولا يستطيع أحد إسكات صوت يواجه الحقيقة، على الرغم من ضعف الإمكانيات وعدم وجود ملاذ آمن للفنّ، أو مؤسّسات ترعى الفنّ، إلّا أنّ فنّانات وفنّاني غزّة يحاولنّ/ ون خلق هذه المساحة من بين الركام. تأكيدًا منهنّ/ م على الإصرار على البقاء، ونوع من أنواع المقاومة السلمية أيضًا. فالفنّ لم يعد وسيلة للترف والترفيه، بل هو وسيلة لحفظ الذاكرة والبقاء.
إيماني شديد بأنّ الثقافة والفنون قادرة على الصمود والاشتباك مع الواقع في مثل هذه اللحظات المفصلية، وفي ظلّ هذه الظروف الكارثية، وبعد أن دُمّرت الأماكن وفقدنا مراسمنا وجزءًا كبيرًا من لوحاتنا وأعمالنا الفنّية. لكنّ الحكاية هنا لم تنتهِ من وجهة نظري، فهي بالفعل بدأت لنعبّر عن مشاعرنا الحقيقية تجاه الوطن كفنّانين تشكيليين، فربّما لا يستطيع الفنّ أن يوقّف حرب الإبادة الهمجية المستمرّة؛ لكنّه يقاوم، ويحفظ وجود الإنسان.
إنّ ما حدث في غزّة لم يكن شيئًا عابرًا يمكن أن يتخطّاه الإنسان. فكيف بالفنّانين الذين هم جزءٌ لا يتجزأ من هذا الواقع المرير، وهم شهود على هذه الحرب، التي غيّرت مسار الفنّ الفلسطيني وأعادته إلى منطقة الصحوة والتفكير الفعلي في معنى الذاكرة والمنزل والمكان والشارع والمخيّمات والخيام ووسائل النقل... كلّ هذا وغيره نحن الفنّانين الناجين شهودٌ عليه، ونُعبّر عنه في أعمالنا الفنّية التي واكبت هذه الحرب.
نحن الآن أمام خسارة كبيرة طاولت جميع مناحي الحياة بشكلٍ عامّ، لذلك يجب العمل على إعادة تأهيل مستمرّة لمناحي حياتنا كافة، بالإضافة إلى تأهيل المشهد الثقافي وبناء الحياة الثقافية خطوة خطوة بعد إعادة بناء ما تهدّم. وعلى الرغم من أنّ أرشيفات وملخصات وأبحاثًا وأعمالًا فنّية كثيرة فُقدت وخسرناها، إلّا أنّه يجب تشكيل فرق عمل من أجل إعادة البحث عن هذه المفقودات، وحصرها، وإعادة أرشفتها مرّة أخرى.
الشاعر جبر جميل شعث:
الحرب أعادت صياغة الرواية الفلسطينية
لقد تراجع المشهد الثقافي، وكاد أن ينسحب إلى منطقة اللا فعل؛ جرّاء حرب الإبادة التي ما زالت مستمرّة بصورٍ شتّى. وأصبح المشهد خاويًا من الكتّاب والمهتمّين بالثقافة عامّة، فقد تعرّض جميع كتّاب غزّة للتشريد والنزوح بعد أن دُمّرت بيوتهم وأُحرقت مكتباتهم، واتّجهت وتحوّلت اهتماماتهم من الثقافي إلى اليومي الذي يؤمن لهم حدًّا أدنى من احتياجات العيش في ظلّ النزوح المُهين المقيت. ولكنّ ذلك التراجع لم يدم طويلًا، ولم يكن محطّة إحباط ثابتة لكتّاب غزّة. إذ لطالما آمن كتّاب فلسطين عامّة، وغزّة خاصّة، بأنّ الكلمة شكل سامٍ وراقٍ من أشكال النضال والمقاومة، ودافع قوي للبقاء، لذلك راحوا يبحثون بدأب عن مساحة، وإن كانت ضيقة، لممارسة فعلهم الثقافي رغم الكارثة وما خلّفته من ظروف غير إنسانية.
وفي ظلّ غياب شبه كامل للمؤسّسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية والأهلية، عمل الكاتب الفلسطيني في غزّة منفردًا على تسجيل إنجازه الإبداعي شعرًا وسردًا ومسرحًا في حدود الهامش الضيق المتاح له. إنّ الحرب وويلاتها وما خلفته من مآسٍ إنسانية غيّرت أو أعادت تشكيل وصياغة الرواية الفلسطينية نحو مركزية الرواية وترسيخها أكثر، وقد تجلّى هذا في لغة الخطاب ومضامينه وصوره الفنّية. ورغم ما طاول مقرّات المؤسّسات والمراكز الثقافية في غزّة من تدمير وحرق إلّا أنّ الكتّاب الغزّيين استطاعوا أن يجدوا مساحة يمارسون فيها فعلهم الثقافي الخلاق، فأقاموا ندواتهم وأمسياتهم وجلساتهم التفاكرية فوق الركام، وفي الخيام، وفي الهواء الطلق على شاطئ البحر، في تحدٍّ قوي يعبّر عن إرادة صلبة بأنّ ما سعى إليه الاحتلال من محاولة طمس الهوية، وكي وعي الفلسطيني المتشبّث بأرضه، قد فشلت. إنّ الحرب وويلاتها لم تحرف الكاتب والمثقّف في غزّة عن رسالته الوطنية والإنسانية، بل أعلت ورسخت تلك الرسالة السامية النبيلة، فلم يكف الكتّاب في غزّة عن الكتابة والتأليف والنشر، وقد صدرت أعمال قيمة لعدد من الكتّاب خلال حرب الإبادة، في الشعر والرواية والنقد، ونشرت في بعض البلدان العربية والأوروبية، فضلًا عن الترجمات التي صدرت بأكثر من لغة لكتّاب وشعراء من غزّة.
وبعد، فالمشهد الثقافي في غزّة يحتاج لكي يتعافى ويستعيد صورته الناصعة الأولى إلى دعم معنوي ومادّي من المؤسّسات الثقافية الرسمية والأهلية في فلسطين، وإلى دعم من المؤسّسات الثقافية ودور النشر في الوطن العربي وفي العالم الحرّ المؤمن بعدالة القضية وسمو رؤيتها الثقافية والإنسانية.
الكاتب والشاعر جواد العقاد:
الحرب فجّرت اللغة والإنسان المبدع
أرى أنّ المشهد الثقافي والإبداعي في غزّة ليس بمعزل عن الخراب الكبير الذي أصاب القطاع، وعن الحرب المسعورة التي أحرقت كلّ شيء. هي حرب على الوجود. والثقافة والإبداع أيضًا يواجهان خطر الفناء، لأنّ ما يجري لم يستهدف البيوت والشوارع والمؤسّسات فقط، وإنّما طاول الإنسان وذاكرته ومكانه وكلّ ما راكمه من معنى الثقافة. بالنسبة لي حالة إبداع جماعي ترسّخ هوية الشعوب وتحافظ على وجودها وذاكرتها. لهذا أجد أنّ المبدع الفلسطيني يواصل رغم كلّ شيء، حتّى يحافظ على وجوده ووجود شعبه. هذه ثقافة بقاء. أن تكتب وأنت في قلب الحرب، وأن تحاول إنتاج نصّ، أو لوحة، أو أغنية، أو فكرة، وسط هذا الخراب، يعني أنّ هنالك شيئًا في الإنسان ما زال يقاوم الفناء، حتّى لو كان هذا الفعل صغيرًا أمام حجم المأساة. هنالك مساحة للعمل الثقافي والفنّي، وهنالك طاقات كامنة تفجّرت في الحرب، لكنّني أتحفّظ على الادّعاء في الإبداع. أنا لا أتّفق كثيرًا مع مقولة "إنّ المعاناة تولّد الإبداع"، وأعدل عليها بالقول: "إنّ المعاناة قد تكتشف الإبداع وتدفع المبدع إليه، ليعوّض شيئًا خسره أو يخاف خسارته". نحن أمام مساحة مختلفة عن الطبيعي، مساحة يتحرّك فيها المبدع داخل معركة البقاء، ولهذا فإنّ الكتابة والفنّ في هذه اللحظة لا يأتيان من الظروف نفسها التي كانا يأتيان منها قبل الحرب. وأعتقد أنّ الثقافة والفنون في الحالة الفلسطينية يجب أن تفعل ذلك، يجب أن يكون لها فعلها في هذه اللحظة. قد لا تكون بحجم المأساة والمعاناة، وقد لا تستطيع أن تقول كلّ شيء، لكن في جانب ما لا بدّ من فعل ثقافي وإبداعي للتاريخ، وللإنسان، وللذاكرة، ولكي يرضى الإنسان عن نفسه. الثقافة عندي ليست شيئًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، لأنّها جزء من الإنسان نفسه، وهي التي تحدّد جوهر الوجود الإنساني الفلسطيني. الحرب، إلى جانب كلّ ما أحدثته من خراب، بدأت ترسم ملامح جديدة في الإبداع الفلسطيني. شخصيًا، لاحظت ذلك بشكلٍ واضح في النصّ الشعري وكتبت عنه. الحرب فجّرت اللغة والإنسان المبدع، وغيّرت مزاجه وحساسيته ورؤيته وواقعه، وهذا فتح آفاقًا جديدة على مستوى المضمون والشكل الإبداعي. الشاعر الذي يكتب الآن ليس هو الشاعر نفسه قبل الحرب، واللغة التي خرجت من هذه التجربة لن تكون كما كانت قبلها. لهذا أعتقد أنّ مظاهر الحرب ستترك أثرًا عميقًا في الثقافة والإبداع الفلسطيني والعربي. نحن أمام تجربة كبيرة ستعيد تشكيل كثير من الأسئلة، وستترك أثرًا في طريقة الكتابة والنظر إلى الإنسان والمكان والموت والحياة والذاكرة. الإبداع لا يستطيع أن يخرج من تجربة بهذا الحجم كما دخل إليها. أمّا عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى غزّة كما كانت قبل هذه الحرب، فأكاد أرى أنّ ذلك مستحيل. هذه الحرب محور تحوّل جذري في الإنسانية والإبداع، وما جرى لم يدمّر الأبنية والمؤسّسات والمكتبات فقط، وإنّما غيّر الإنسان نفسه، وغيّر علاقته بالمكان وبالحياة وبالمستقبل. لكن يمكن أن نرمّم شيئًا، إذا أعدنا بناء الإنسان أوّلًا، وأعدنا التفكير في كلّ شيء. إعادة بناء الحياة الثقافية لا تعني أن نعيد المؤسّسات كما كانت، وإنّما أن نفكر في شكلٍ جديد للمؤسّسة الثقافية وعلاقتها بالمبدع والمجتمع. نحتاج إلى مؤسّسات الثقافة والإبداع الرسمية أن تكون أكثر حرّية وانفتاحًا على المبدعين، وأن تدعمهم بشكلٍ مباشر، من دون شروط، أو اعتبارات، لأنّ المبدع في النهاية يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يكون نفسه، وأن يقول ما يراه، ويشعر به. لا أعتقد أنّنا سنعود إلى ما كان قبل الحرب، وربّما لا ينبغي أن يكون هدفنا أن نعود كما كنّا. ما حدث أكبر من ذلك. نحن أمام مرحلة جديدة، والثقافة ستكون جزءًا من هذه المرحلة، والمبدع سيكون أمام مسؤولية كبيرة تجاه ما عاشه الإنسان الفلسطيني. ما نحتاجه هو أن نحافظ على ما بقي، وأن نبني ما تهدّم، وأن نترك للإبداع مساحته حتّى يقول هذه التجربة بطريقته، لأنّ ما يحدث الآن ليس نهاية الثقافة، وإنّما لحظة قاسية يعاد فيها تشكيلها من بين الركام.
الكاتب والروائي سعيد أبو غزة:
فقدت الثقافة منصّاتها لكنّها لم تفقد روحها
في غزّة اليوم، لم تعد الثقافة تملك رفاهية أن تكون ترفًا، ولا الفنّ قادرًا على الوقوف بعيدًا عن الجرح وتأمّله من مسافة آمنة. لقد دخلت الحرب إلى تفاصيل الحياة كلّها، وطاولت الإنسان والمكان والذاكرة في آنٍ واحد، دُمّرت البيوت، وتحوّلت الشوارع إلى خرائط للخراب، وسقطت مؤسّسات ثقافية وفنّية، ومُسحت مكتبات كانت تختزن ذاكرة أجيال، وأُحرقت كتب لم تكن أوراقًا وحبرًا فقط، بل كانت جزءًا من ذاكرة المكان وروحه. وقد وثّقت منظمة اليونسكو، حتّى مارس/ آذار 2026م، أضرارًا لحقت بـ 164 موقعًا ثقافيًا وتراثيًا في غزّة. ومع ذلك، لم تمت الثقافة. ربّما فقدت منصّاتها، لكنّها لم تفقد روحها. فالثقافة في غزّة اليوم تشبه نبتة صغيرة تشقّ طريقها من بين الحجارة، كاتب يكتب في خيمة، شاعر يحفظ قصيدته في ذاكرته، فنّان يرسم بما تيسر له من ألوان، وموسيقي يستعيد لحنًا وسط الضجيج ويعلّم الأطفال الغناء. كلّ هؤلاء لا يمارسون الفنّ بوصفه ترفًا، بل بوصفه محاولة لاستعادة شيء من الحياة، ورفضًا لأن يتحوّل الإنسان إلى مجرّد رقم في نشرات الموت. وقد واصل كُتّاب وفنّانو غزّة إنتاج أعمالهم بوسائل شديدة البساطة، محوّلين الفنّ إلى شهادة حية على الحرب.
الكتابة في غزّة اليوم ليست فعلًا أدبيًا فقط، إنّها فعل نجاة ومقاومة وعناد في وجه الموت. حين أكتب، لا أبحث عن جملة جميلة بقدر ما أحاول أن أنقذ لحظة من النسيان. ما نكتبه وسط الإبادة هو توثيق لها، شهادة يكتبها من عاشها، لا من قرأ عنها بعد انتهائها. نحن نحاول أن نقول للمستقبل: كنّا هنا، أحببنا، حلمنا، قرأنا، كتبنا، وغنّينا، رغم كلّ محالات إسكاتنا.
لقد رسمت الحرب ملامح أفق ثقافي جديد، أكثر التصاقًا بالإنسان والذاكرة والشهادة، وربّما أكثر قدرة على مساءلة العالم. لكنّ عودة الحياة الثقافية بالتدريج عبر فعاليات صغيرة لا ينبغي أن تعني استعادة ما كان فقط، بل بناء فضاء ثقافي جديد أكثر عمقًا، وأكثر قدرة على التعبير عن التجربة الفلسطينية وسط الإبادة، وأكثر حضورًا في المشهد العربي والعالمي.
سيبدأ التعافي الحقيقي حين نعيد بناء الكاتب قبل المكتبة، والفنّان قبل المرسم، والذاكرة قبل الجدران. فإعادة بناء غزّة لا تكتمل بإعمار الحجر وحده، لأنّ المكان بلا ذاكرة مجرّد جغرافيا، والمدينة بلا ثقافة جسد بلا روح. وفي غزّة، ربّما تكون أعظم مقاومة ثقافية الآن هي أن نستمرّ في إنتاج المعنى، بينما يحاول الموت أن يجعل كلّ شيء بلا معنى. أن نكتب يعني أن نقول للموت: "لن تكون أنت الرواية الأخيرة".
الشاعر والروائي ناصر رباح:
بالكتابة نقاوم ونصرخ في وجه العدم
من العادي والطبيعي هنا في غزّة أن تتمّ الدعوة لحضور أمسية شعرية، أو افتتاح مكتبة، أو تكريم أديب بإرسال الدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعند وصولك إلى المكان فمن الطبيعي أيضًا أن يجد الحضور أنفسهم داخل خيمة واسعة، أو تحت ظلال شجرات زيتون، أو بجوار تجمّع للنازحين والمشردين، وربّما لا يجد الحضور كراسٍ كافية، أو ضيافة، أو ميكروفون، أو منصّة أصلًا. الأمر يتمّ بتوافق وتفهم من الجميع. إنّ هكذا أمسية أو اجتماع سيتمّ وسيقام وينتهي هكذا بأقلّ الإمكانيات وبما تيسر، يتحمّل الأدباء عناء المسافة، وكدر المواصلات، وصعوبة الطرق، واحتمالات الخطر، من أجل أمسية فقيرة معدمة، ليدفعوا عن أنفسهم فكرة العدم والتلاشي، وجودهم وكينونتهم في الحضور والتواصل والكتابة والاستمرار. إنّهم بذلك يقاومون ويصرخون في وجه العدم، ويحاولون ما استطاعوا إبقاء شريان الحياة فيهم نابضًا، بالطبع يعلم الجميع هنا أنّ استمرار الحياة ولو بحدِّها البائس هو مقاومة لمشروع الاحتلال، وهو نوع من الحرب الثقافية وكتابة التاريخ.
على عكس المشاعر السابقة قبل الحرب، فإنّنا نستقبل أشعار وكتابات ورسومات وغناء الزملاء بعيون دامعة وأسى عميق، نصفق بحزن، ونبتسم لبعضنا بمرارة، فالحال واحدة بيننا والإبداع الذي يتمّ تقديمه ينزّ دمًا.
ولكن ما هو التغيير الذي سبّبته الحرب على النصّ والكتابة نفسها؟ تخلّص النصّ من كثافته الفكرية والفلسفية، واتّجه نحو تصوير الوقائع وتوثيقها مع كثير من التأمّل في الذات والوجود والحياة والموت. اختفت الأيديولوجيا والشعارات والمقولات الصارخة إلى ما هو أعمق من الحزن والنحيب، وصولًا للذاتية والفردانية وبعيدًا تمامًا عن ثوابت الأمّة والوطن والخطاب الجمعي، مع ذلك فقد لامست آفاقًا عالية من الجمال والسمو والروحانية والصدق.
كما ظهرت أفلامٌ قصيرة وأعمال نحت وفنون تشكيلية بمستويات جمالية مدهشة، ولكنّ السقوط كان في الرواية؛ حيث سارع الروائيون إلى توثيق ما حدث تمامًا كما هو، وكما رأوه من دون الاهتمام بمتطلّبات العمل الروائي الأساسية. وكذلك فقط سارع كثيرون ممّن هم خارج الدائرة الأدبية إلى الفعل نفسه، وهكذا فاضت الروايات كما فاضت الجثث!
إنّ عودة الحياة الثقافية واتّزانها وتطوّرها يستلزم الوصول إلى استقرار سياسي وحياتي واجتماعي، المكوّنات الخام من مواهب وطاقات متوافرة وبكثرة، ولكن من المعيب أن ننتظر العسل الجيد من سرب مطارد من النحل.
الكاتب والشاعر شجاع الصفدي:
من بين الركام دائمًا تزهر وردة
الغزّي ليس مخلوقًا أسطوريًا، لكنّه اعتاد أمام عبثية الموت أن يكابر بقوّة في شتّى نواحي الحياة. لذلك تجد كلّ شخص في مجاله يبتدع شيئًا، يخلق حدثًا، يصنع جدوى. ورغم مطحنة الحياة العملاقة تجد دعوات لحضور أمسية شعرية، توقيع كتاب، مناقشة رواية، حضور مسرحية! تحاول الصالونات الثقافية والمؤسّسات استرداد الروح للمشهد الثقافي الذي كان مشعلًا منيرًا قبل الكارثة. كلّ دعوة أتلقّاها لحضور أمسية أو ندوة ثقافية، أراها شريانًا جديدًا يزرع الأمل، يخلق مساحة للعمل الثقافي من قلب المستحيل، من بين الركام دائمًا تزهر وردة مهما انقطع الرجاء. الثقافة والفنون ليس مطلوبًا منها أن تفرض ثوب الصمود في غياب الواقعية، وليس دور المثقّف خداع الجمهور بالصياغات الشعبوية، وحتّى الاشتباك بالمعنى الحرفي ليس هدفًا. وإنّما إصرار المثقّف على التواجد في المشهد، خلق فعاليات تبقيه حيًا. الاحتفاء بكلّ قصيدة، بكلّ ولادة لكاتب، أو شاعر، بمثابة غرس حياة لهذا الشعب على أرضه. مظاهر الحرب للأسف لم تخلق أفقًا ثقافيًا وفنّيًا جديدًا قادرًا على التأثير، لأنّ الهدف أن يحمل الفنّ والثقافة القضية، بينما ما يحدث هو العكس تمامًا، حيث بات كثيرون يمتطون القضية من خلال الثقافة والفنون، ممّا يجعل الهدف المنشود بعيد التحقيق في هذه المرحلة العصيبة.
عودة الحياة الثقافية والفنّية كما كانت قبل المقتلة الدموية مرتبطة بالوضع الشامل في قطاع غزّة، حيث يُصرُّ الاحتلال على منع أيّ عودة للحياة الطبيعية، أو السماح بدخول أيّ مواد تصلح لترميم أيّ مبانٍ متبقية. لذلك يواجه قطاع الثقافة والفنون عثرات كبيرة جدًا، يحاول الحريصون تحدّيها بتنظيم ندوات وأمسيات في خيام أو مقاهٍ بسيطة، نوع من الصراع على البقاء والتنفّس للرمق الأخير. تلك وسائل النجاة المتاحة.
الصحافية والباحثة الثقافية فاطمة الزهراء سحويل:
تجد الثقافة هنا روحًا متجدّدة تنبت كزهرة الحنون
ما بين شمس الغروب والشروق خيط رفيع من النور يجمع المشهد الثقافي والفنّي في غزّة تحت وطأة الإبادة الجماعية؛ تلك التي أرادت محو الهوية والذاكرة وقتل بذرة الأمل في مهدها.
لقد جاءت الحرب لتفرض غروب شمس الثقافة، وتتوقّف عجلة نمو المؤسّسات الثقافية عن الدوران. ثمّ دُمّرت معظم مقرّاتها بعد استهدافها من قِبل جيش الاحتلال لتجفيف منابع العمل الثقافي والإبداعي في غزّة؛ في سياسة اعتبرت استهدافًا ممنهجًا لكلّ ما يمكن أن يشكّل حماية لتماسك الذاكرة الثقافية للمجتمع الغزّي، ومحاولة لتفكيك مكوّناته.
مع ذلك، فإنّ نور الغروب يبشّر دومًا بأشعة الشروق من جديد، لينطلق الفنّ بأشكاله معبّرًا عن الحياة وقدرته على البقاء، وليفتح نافذة يطلّ من خلالها الفنّانون على العالم. يسمحون عبرها بتدفّق النور ليصل شعاعه لكلّ بقاع الأرض؛ فتخرج أعمال ميسرة بارود، ومروان نصار، ومحمد الحاج، ورائد عيسى، وخالد حسين، وتهاني سكيك، وعبير جبريل، ورفيدة سحويل، وغيرهم/ نّ، لتعلن البقاء على قيد الحياة.
هنا، من بين ركام الحرب، تنتقل أوتار الفنّان أحمد أبو عمشة، وإسماعيل داوود، بين الخيام، فيُسمع صوتها، وتفتح بوابة من الأمل المتدفّق والتساؤل المطروح عن قدرة الأطفال على الغناء والابتسام، رغم صعوبة الفقد والدمار وتتابع الصدمات.
كما أخذت أقلام الكتّاب توثّق وتصوّر مشاهد الإبادة، وما بين "مسرح الشارع" وتقديم عدّة عروض مسرحية تحاكي آلام ومعاناة الناس في قطاع غزّة. وبعد أكثر من 1000 يوم من الإبادة تجد الثقافة هنا روحًا متجدّدة، تنبت كزهرة الحنون؛ تروي الحكايات في كلّ مكان تنبت فيه.
لهذا كلّه؛ لا يمكن للاحتلال أن يوقف أو يمنع موج البحر من التجدّد في كلّ لحظة غفت بجانبه غزّة، فتتدفّق الثقافة من بين الشقوق وتُزهر، ويستمرّ الإنتاج الثقافي بتنوّعه رغم بساطة الإمكانيات والأماكن واختلاف ذاكرة المكان.