Print
بوعلام رمضاني

محمد بدر الإسلام بلأمين: الترجمة أحسن مهنة للانفتاح

12 مايو 2026
حوارات


يخوض الأستاذ محمد بدر الإسلام بلأمين تجربة مهنية استثنائية تستجيب لضرورة علمية قديمة تتمثّل في حاجة الإنسان للترويح عن النفس، لكن ببيداغوجيا تعليمية حديثة تهدف إلى تعليم الدين الإسلامي واللغات، وعلى رأسها اللغة العربية، بأسلوب يتماشى مع مقتضيات العصر، كما سنرى في هذا الحوار الذي جمعنا به مؤخرًا في باريس. ردوده على أسئلتنا حفلت بيقظة، على حدّ تعبيره ـ حتى لا نقول بحذر محسوب ـ في ديار فرضت على مهاجرين أو فرنسيين مسلمين وغير مسلمين عدم الجهر بحرية عن اعتزازهم بتاريخهم الثقافي والديني، الذي لا يمت بصلة لإرهاب أصبح مرادفًا للإسلام دون غيره من الأديان في الإعلام الفرنسي العنصري، الذي أصبح ينتهج التضليل الممنهج عبر عدد غير قليل من القنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف والمجلات.

هنا حوار مع مترجم وكاتب وأستاذ يخدم الإسلام واللغة العربية بصيغة نموذجية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، تجسيدًا لمقاربة تخاطب العقل والقلب بعيدًا عن التنفير والعسر.

(*) من هو محمد بدر الإسلام بلأمين شخصيًا وعلميًا ومهنيًا؟

أنا من مواليد 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1959 بمدينة "حسين داي" (الجزائر العاصمة). تخرجت من جامعة الجزائر بشهادة الليسانس في الترجمة الفورية عام 1984 (عربي-فرنسي-إنكليزي)، وبشهادة الماجستير في الترجمة المكتوبة عام 1988 (فرنسي-عربي)، قبل أن أحصل بفرنسا عام 2001 من جامعة "كريتاي" (تقع جنوب شرق العاصمة باريس) على شهادة الكفاءة المهنية في تعليم اللغة العربية بالمرحلة الثانوية (كابيس)، وشهادة التبريز في اللغة العربية من جامعة السوربون ـ باريس 4 ـ عام 2011. انطلقت تجربتي المهنية بصفة متعاون، وأنا طالب جامعي، في الترجمة المكتوبة والفورية بوكالة الأنباء ومحكمة الحسابات وقناة "سي إن إن" وسفارتي الدانمارك والولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن أصبح أستاذًا مساعدًا في الترجمة بالجامعة التي تخرجت منها، ومترجمًا فوريًا في المؤتمرات، ثم أستاذًا مساعدًا بمرتبة بروفيسور في كلية الآداب التابعة لجامعة الجزائر. تنقلي إلى باريس وعملي مترجمًا فوريًا في مسجد باريس الكبير (1988 ـ 1992) كان تحولًا مصيريًا على الصعيدين المهني والشخصي الإنساني، بحكم عملي في مؤسسة تجاوزت طابعها الديني ورمزيتها الحضارية، واحتكاكي بالمهاجرين المسلمين وغير المسلمين بها، فضلًا عن عمقها الاجتماعي الضارب بجذوره في صفوف الجاليات المتعددة الأعراق والأديان والتوجهات. في مسجد باريس، عملت مترجمًا باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، بالشكل الذي سمح لي بالاحتكاك مع الجاليات المهاجرة المختلفة والشخصيات الدينية والعلمية والفكرية الهامة التي كانت تتعامل مع مسجد باريس. تعمق مسار تجربتي المهنية منذ مطلع التسعينيات باستمراري في ممارسة التدريس والترجمة باللغات الثلاث بنسب متفاوتة في مؤسسة بنكية ومؤسسات تعليمية، وفي فندق ميركور بباريس (1992 ـ 1995)، قبل أن أشرع في تأليف وترجمة كتب (1995 ـ 2000)، وعودتي للتدريس في مطلع عام 2000 موزعًا بين ثانويات ومعاهد كثيرة تقع في باريس وفي ضواحيها. أنا حاليًا أستاذ برتبة بروفيسور في جامعة "كريتاي" بشكل مستقل، وأنكب على الترجمة والتأليف أكثر من أي وقت مضى بعد تقاعدي المبكر.


(*)
لماذا تفضل وصفك مهنيًا بالمترجم قبل كل شيء، رغم أنك كاتب وأستاذ كما قلت لي، وهل لذلك علاقة بمقاربتك أهمية الترجمة اجتماعيًا وثقافيًا؟

دون تردد أقول إنني مترجم قبل كل شيء، ولا يمكنك تصور مدى اعتزازي بذلك. الترجمة أحسن مهنة للانفتاح على الآخرين اجتماعيًا وثقافيًا، إنها المهنة التي نادرًا ما يشكو صاحبها من البطالة، وخاصة إذا تعلق الأمر بالترجمان (المترجم الفوري) الذي يمارس الترجمتين الفورية وغير الفورية، ويستطيع في الوقت نفسه تدريس اللغات الثلاث التي يضمنها اختصاصي.

(*) لكنك أصبحت كاتبًا، ليس فقط كمترجم، ولكن كمدافع عن الحضارة العربية والإسلامية من منطلق انفتاح ذهني وثقافي يبرز معارضتك للتعليم التقليدي بوجه عام، والإسلامي الضيق المفهوم بوجه خاص، والمنغلق والقاصر والمحدود من حيث التأثير الفعلي إذا استندنا إلى وسائل تواصل الخطاب العصري؟

بالفعل، هذا ما أؤمن به وما يتماشى مع مزاجي. تأليفي للكتب اعتمادًا على تخصصي لم يكن تحديًا مباشرًا لواقع معين، بل ترجمة لاهتماماتي وإيماني بالقيم الإسلامية السمحة التي أساهم في نشرها عبر الترجمة والتدريس والتأليف.

(*) لماذا لم يستمر عملك في مسجد باريس؟

تركت مسجد باريس بعد تعيين الراحل تيجاني هدام، الذي لم يعد في حاجة إلى مترجم بحكم تحدثه اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية. بالفعل، أؤكد أن مسجد باريس الكبير اتسم بقدر كبير من الإشعاع الديني في أوساط الجالية المسلمة حينما كان على رأسه الراحل عباس الحسين بن الشيخ، رحمه الله. لقد أثّر إيجابيًا على معظم المساجد الأخرى في التراب الفرنسي بحكم تزعمه المشهد الديني الإسلامي، غير أنني كنت مقتنعًا أنه كان بإمكانه أن يقوم بدور توعوي وديني وثقافي أكبر بكثير. يجدر الذكر أن تمتعي بثقافة إسلامية نالت إعجاب عميد مسجد باريس الراحل عباس، وهي الثقافة التي سمحت لي بالعمل مترجمًا فوريًا من اللغتين الفرنسية والإنكليزية إلى اللغة العربية في مسجد باريس الكبير، الذي كان يستقبل الكثير من المسؤولين والصحافيين الأجانب.


(*)
هل كان عملك في فندق باريسي ليلًا أمرًا شخصيًا اضطراريًا سدًا للحاجة، أم خططت له بحكم جديتك لتكوين نفسك أكاديميًا في مجال اختصاصك؟

اضطررت للعمل كموظف ليلي في فندق باريسي بسبب رغبتي في تدريس لغة الترجمة الفورية في المدرسة العليا للمترجمين في معهد دوفين (إزيت)، وكان الشرط لتحقيق ذلك تحضير دكتوراه في الترجمة، الأمر الذي سمح لي بتسجيل نفسي في جامعة السوربون. تخليت لاحقًا عن مشروع التحضير لنيل الدكتوراه، بعد أن علمت أنها غير كافية وحدها لدخول المعهد المذكور، وأن شرط الحصول على دعم قوي ضروري هو الآخر، وحيال هذه المعطيات غيّرت وجهة الاهتمام، بشروعي في تأليف الكتب لتجاوز الشرط الذي لم يكن مضمونًا يومها.

(*) لماذا نشرت كتبك الأخيرة بالجزائر وليس بفرنسا، خلافًا لما قمت به من قبل، والتي تملك فيها علاقات كبيرة على الصعيدين المهني والشخصي في أوساط المهاجرين المسلمين وغير المسلمين؟

قررت إصدار كتبي الأخيرة في الجزائر، لأن المناخ السياسي الفرنسي الحالي غير ملائم للتعريف بالإسلام، ناهيك عن انجذابي نفسيًا نحو وطني الأصلي، وعزمي على الإسهام في نشر القيم الإسلامية السمحة في مجتمعنا. الأقدار الإلهية شاءت أن ألتقي بالسيدة نجاة صدّيقي، مسؤولة دار نشر "البيازين"، التي آمنت إيمانًا راسخًا بنجاح كتابي "النبراس" و"أتعلم باللعب"، رغم أن توجهها التحريري ينص على نشر كل ما يتعلق بالجزائر تاريخيًا وثقافيًا وفنيًا واجتماعيًا. الكتابان صدرا في شكل لعبة تتضمن فوازير (سؤال تتبعه أربعة اقتراحات تسمح بإجابة صحيحة واحدة)، ويضمنان المتعة البصرية والنفسية في الوقت نفسه بحكم الإخراج الفني المنتهج. يتضمن كتاب "النبراس" الصادر باللغة العربية 130 سؤالًا حول القرآن الكريم، في حين يتضمن الكتاب الثاني "أتعلم باللعب"، الذي صدر باللغة الفرنسية، 120 سؤالًا.

(*) ألا تعتقد أنك تأخرت في تأليف كتب في المجال الديني الإسلامي بسبب شغفك بالترجمة، سيما وأن التأليف يتطلب تفرغًا يصعب التوفيق بينه وبين نشاطات أخرى تدور حول تخصصك في الترجمة؟

لا، وعملي كمترجم وملحق ثقافي في مسجد باريس هو الذي سمح لي بالالتقاء ببعض الناشرين المشارقة الذين كانوا يزورون عميد مسجد باريس من حين لآخر. إذ عندما اكتشفوا، بعد وفاة الشيخ عباس رحمه الله، أنني غادرت مسجد باريس، بحثوا عني وعرضوا علي تأليف أو ترجمة كتب دينية إلى الفرنسية بصفتي مترجمًا ومُلِمًّا بالثقافة الدينية، فوافقت على العرض.

(*) كيف تبرر انتهاجك البيداغوجي الترفيه لتعليم الثقافة الإسلامية في شكل فوازير، وعدم الاقتصار على الكتب الصادرة بشكلها التقليدي؟

أعتمد هذا النهج منذ زمن طويل، وأؤكد اليوم أكثر من أي وقت مضى على أهميته البيداغوجية حتى ينتشر بقوة أكبر في صفوف فئات عمرية متنوعة من جمهور القراء. هذا النهج مفيد لإثارته شغف الإقبال على العلوم والمعارف في زمن انتشرت فيه الهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعي على حساب الكتاب.

(*) أعود لاختيارك الجزائر بهدف أعمالك لأسألك: لماذا لم تحاول في مرحلة أولى أن تقوم بتسويق كتبك في فرنسا قبل اللجوء إلى الجزائر، ما دمت تعيش فيها وسط جالية مسلمة كبيرة في حاجة ماسة لطريقة تعليمك الثقافة الإسلامية بأسلوب عصري مشوّق وجذاب؟

استجابة لإلحاحكم على توضيح أكبر لهذا الجانب، أضيف قائلًا: إن الجو المشحون الذي يسود في فرنسا حاليًا يحول دون انتشار كتبي، وأن تأخذ طريقها نحو القراء بطمأنينة، رغم خلوها كليًا من إشارات سياسية. لم أتصل بجهات إعلامية أو تربوية للتعريف بكتبي، واكتفيت بوسطي العائلي والأحباب وبعض الجمعيات لاكتشاف كتبي واقتنائها. أنوي الاتصال بالمراكز الثقافية في باريس، ومن بينها المركز الثقافي الجزائري، ومجموعة من المؤسسات التربوية والمساجد الكبيرة، وخاصة تلك التي تضمن دروسًا في اللغة العربية وفي المعرفة الإسلامية بوجه عام.

(*) رغم عدم اتسام كتبك بطابع سياسي مباشر، تُعد موقفًا فكريًا ودينيًا واضحًا، ولو بمضامينها المعتدلة وأشكالها العصرية، ودعمًا لجالية مهاجرة مسلمة متهمة بالتطرف الديني، رغم أن جمهور كتبك غير ذلك بالضرورة، كما هو واضح من كلامك؟

سؤالك يعطيني الفرصة للتأكيد أن أبناء الجالية العربية بوجه عام، والجزائرية بوجه خاص، يتصالحون مع القيم الإسلامية، ويرجعون إليها معتبرين إياها درعًا يحميهم من الأفكار المنحرفة والشاذة التي تحملها حاليًا الحضارة المسيطرة على العالم. هذا الوضع يشجعني على إبراز محاسن قيمنا الإسلامية السمحة، وإظهار عظمة اللغة العربية وخصائصها الفريدة وعجائب نظام الاشتقاق الذي تحكمه.

(*) إلى أي حد يمكنني القول إن خطابك يكشف عن يقظة مدروسة (حتى لا أقول عن حذر)، وينطق بوعي يتجاوز صاحبه كل ما يمكن أن يثبط عزيمته لتحقيق اختراق أشرت إليه على طريقتك في إجابات سابقة؟

اليقظة حيال ما أشرتم إليه عند الكتابة عن الإسلام أمر ضروري، وهي جزء من الوعي المبدئي العام بسياقي الزمان والمكان. يجب اختيار الكلمات التي لا يُنظر إليها على أنها مستفزة أو أنها تخل بقواعد العلمانية. كيفية تدريس اللغة العربية وعيٌ آخر لا ينفصل بدوره عن الوعي العام المشار إليه سلفًا، وطريقة تدريسها لصيقة بتعليم الثقافة الإسلامية، ويكمن التحدي في تعليمها وإبراز جمالها وقوتها التعبيرية بتحريرها من طابعها اللغوي الصعب والمعقّد المزعوم، أو بفكرة ارتباطها بالمهاجرين المسلمين.

(*) أفهم أن كلامك ينسحب على الواقع الثقافي العربي والإسلامي السائد اليوم بوجه عام، ولو مع اختلاف سياقي المكان والزمان، استنادًا لما قلته عن الظرف الفرنسي؟

أرى أن الواقع الثقافي العربي والإسلامي السائد حاليًا لا يناسب نهائيًا مكانة الحضارة العربية الإسلامية والهيبة التي ينبغي أن تتسم بها. على المؤسسات والجمعيات الثقافية العربية والإسلامية أن تضاعف جهودها لإبراز ثراء حضارتنا ودورها السيادي الذي خُلِقت له.

(*) حتى نربط منهجيًا بين ما قلته سلفًا وبين اليقظة المطلوبة (وربما للترويح عن النفس، وتجاوز الجدية الصارمة بدعوى الأصالة كما تفعل عند تدريسك الإسلام واللغة العربية)، إلى أي حد يمكن اقتصار هويتك في السيرة المهنية على اسمي بدر بلأمين، علمًا أن اسمك الكامل "محمد بدر الإسلام"؟

كتابة اسمي تارة "بدر"، وتارة "محمد بدر الإسلام"، ليس وليد اليوم، بل هو موجود منذ وقت طويل بسبب تقليد إطلاق اسم محمد على ثلاثة إخوان يتنادون عائليًا بالاسم الثاني. أما عن استعمال اسم "بدر" عوضًا عن "بدر الإسلام" في أغلب الأحيان في فرنسا، فهو الاسم المتداول في الوسط العائلي مع من ذكرت، ومع أصدقائي وزملائي والناس الذين تربطني بهم علاقات بشكل أو بآخر. مع ذلك أفضل أحيانًا الظهور باسمي الكامل في الجزائر، لأنني متأكد أن الناس يقدرون عادة قيمة هذا النوع من الأسماء.

(*) أخيرًا، ما هي مشاريعك؟

مشاريعي كثيرة جدًا، وأوجزها في مشاريع بصدد الإنجاز، منها ترجمة كتاب "النبراس" إلى اللغة الفرنسية، وكتاب "حياة النبي صلى الله عليه وسلم" إلى اللغة العربية. أذكر من المشاريع المتوسطة أم بعيدة المدى ترجمة كتاب "الأذكار القرآنية" إلى اللغة العربية، مرفقة بالكتابة الصوتية وبسياقها التاريخي من سورة "الفاتحة" إلى سورة "الناس". وثانيهما تقديم اللغة العربية تقديمًا علميًا على شكل فوازير.