Print
صدام الزيدي

صالح البيضاني: الحرب في اليمن همّشت الثقافة

31 مايو 2026
حوارات

صالح البيضاني قاص وصحافي وباحث وناشر. وهو من كتاب القصة المنتمين إلى جيل التسعينيات في اليمن. حائز على جائزة رئيس الجمهورية في القصة القصيرة 2003. أحد مؤسسي نادي القصة اليمني، ورئيس تحرير موقع "إلمقه" الإلكتروني، الذي تأسس في عام 2005 كأحد مواقع السرد العربي على شبكة الإنترنت. تم انتخابه عضوًا في الهيئة الإدارية لاتحاد كتاب الإنترنت العرب. انتخب في عام 2010 عضوًا في المجلس التنفيذي والأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. مثّل الأدباء والكتاب اليمنيين في مؤتمر الحوار الوطني الشامل في عام 2013. عمل مراسلًا لعدد من الصحف العربية في اليمن.
أسس قبل سنوات "دار عناوين للنشر" (عناوين بوكس) في القاهرة، التي أصبحت حاضرة في المشهد اليمني والعربي. صدرت له مجموعات قصصية عدة، وكتب ثقافية. هنا، حوار معه:


 

(*) لنبدأ من "دليل الأدباء والكتّاب اليمنيين"، الذي أطلقته "عناوين بوكس" على نافذة إلكترونية تمهيدًا لتضمينه في كتاب. لماذا هذا الدليل؟ وإلى ما يهدف؟ وقد سبقه دليل كتّاب القصة. وهل يمكن أن تتطور المبادرة إلى ببليوغرافيا منهجية؟
جاءت فكرة دليل الأدباء والكتّاب اليمنيين المعاصرين من إحساس عميق بوجود فراغ توثيقي كبير في المشهد الثقافي اليمني. لدينا أسماء كثيرة كتبت وأبدعت وأسهمت في الشعر والرواية والقصة والنقد والترجمة والصحافة الثقافية، لكن كثيرًا من هذه الأسماء ظل مبعثرًا في الصحف القديمة، أو في الذاكرة الشفوية، أو في صفحات شخصية غير منظمة.
ومع الحرب، وتشتت المؤسسات الثقافية، أصبح خطر النسيان أكبر. لذلك أردنا أن يكون الدليل محاولة لإنشاء ذاكرة ثقافية منظمة، لا مجرد قائمة أسماء. نريد أن نضع الكاتب اليمني في مكان يمكن الوصول إليه: سيرته، أعماله، مجاله الإبداعي، صورته، روابط كتبه، أو نصوصه، ومكانه داخل الخريطة الأدبية اليمنية.
بدأنا بالنافذة الإلكترونية، لأنها أكثر مرونة، وقابلة للتحديث المستمر، ثم نطمح إلى تحويل هذه المادة لاحقًا إلى كتاب، أو سلسلة كتب توثيقية. وقد سبق ذلك اهتمام بدليل خاص بكتّاب القصة اليمنية، لأن القصة، رغم أهميتها، لم تأخذ حقها الكافي من التوثيق والدراسة. لكننا وجدنا أن الحاجة أوسع من جنس أدبي واحد، وأن المشهد يحتاج إلى مشروع أشمل يضم الشعراء والروائيين والنقاد والمترجمين والباحثين والكتّاب والصحافيين الثقافيين.
أما عن إمكانية تطور المبادرة إلى ببليوغرافيا منهجية، فهذا في الحقيقة من أهدافنا البعيدة. نحن لا نريد أن نتوقف عند التعريف بالأسماء فقط، بل نطمح إلى بناء قاعدة بيانات تخدم الباحثين والدارسين والقراء والناشرين، وتتضمن الأعمال المنشورة، الطبعات، دور النشر، تواريخ الإصدار، الحقول الأدبية، وربما لاحقًا الإحالات النقدية والدراسات المرتبطة بكل كاتب. هذا مشروع طويل، لكنه ضروري؛ لأن الثقافة اليمنية لا ينقصها الإبداع، وإنما ينقصها التنظيم والتوثيق والاستمرارية المؤسسية.

(*) هنالك أكثر من عقد من الحرب الدائرة في اليمن. ما الذي جنته الحرب على أهل الثقافة والإبداع؟
الحرب كانت قاسية على الجميع، لكنها بالنسبة لأهل الثقافة والإبداع لم تكن مجرد ظرف سياسي، أو أمني، بل كانت انهيارًا شبه كامل للبيئة التي يحتاجها الكاتب والفنان والمثقف كي يعمل وينتج ويعيش بكرامة.
أهل الثقافة في اليمن خسروا المؤسسات، والمنابر، والمكتبات، والصحف، والمسارح، ودور النشر، والفضاءات العامة. كثيرون فقدوا مصادر دخلهم، وكثيرون اضطروا إلى النزوح، أو الهجرة، أو الصمت. وبعضهم رحلوا في ظروف موجعة، وبصمت لا يليق بما قدموه من إسهام.
لكن الضرر الأعمق في رأيي هو أن الحرب همّشت الثقافة، وجعلتها تبدو كأنها ترف، بينما هي في الحقيقة أحد أهم شروط الخروج من الحرب. المجتمعات لا تُرمم بالسلاح وحده، ولا بالسياسة وحدها، بل بالمعرفة، وبالفن، وبالذاكرة، وبإعادة بناء المعنى المشترك.
الحرب أضعفت الكتاب اليمني، وأضعفت الصحافة الثقافية، وقطعت صلة أجيال جديدة بمشهد ثقافي كان غنيًا ومتنوعًا. ومع ذلك، ورغم كل هذه الخسارات، ظهرت أصوات جديدة، وكتب يمنيون من المنافي، ومن الداخل، ومن تحت الضغط. وهذا يؤكد أن الثقافة اليمنية مقاومة بطبيعتها، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تحميها، لا إلى مجرد احتفاء عابر بها.

(*) ولا بد من سؤال عن حالة الغياب والانكماش الواضحة لاتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين، بوصفك عضو مجلسه التنفيذي...
اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين كان، تاريخيًا، واحدًا من أهم المؤسسات الثقافية والنقابية في اليمن. لم يكن مجرد كيان مهني، بل كان مساحة وطنية جامعة، وقد حمل في مراحل سابقة معنى يتجاوز الثقافة إلى فكرة اليمن نفسه، بوصفه فضاءً مدنيًا تعدديًا.
لكن لا يمكن إنكار أن الاتحاد يعيش حالة غياب وانكماش مؤلمة. جزء من هذا الغياب يرتبط بالظرف العام: الحرب، الانقسام، توقف الموارد، تشتت الأعضاء، تعطل النشاط الثقافي، وانهيار البنية المؤسسية في البلد عمومًا. لكن هذا لا يعفي الاتحاد، ولا يعفينا نحن المنتمين إليه من مسؤولية المراجعة.




المطلوب اليوم ليس فقط استعادة نشاط الاتحاد بالشكل التقليدي، بل إعادة التفكير في دوره. هل يظل اتحادًا ينتظر الظروف حتى تتحسن، أم يتحول إلى منصة ثقافية مرنة قادرة على العمل من الداخل والخارج؟ هل نستعيد فكرة الفروع والفعاليات فقط، أم نذهب إلى أرشيف رقمي، وبرامج نشر، وحماية حقوق الكتّاب، ورعاية الأصوات الجديدة، وبناء صلة مع الجاليات اليمنية في الخارج؟
أعتقد أن الاتحاد لا يزال يمتلك رمزية كبيرة، لكن الرمزية وحدها لا تكفي. لا بد من إصلاح مؤسسي، وتجديد للخطاب، وانفتاح على الأجيال الجديدة، وعلى أدوات العصر. الاتحاد ينبغي أن يعود كبيت للكتّاب اليمنيين جميعًا، لا كذكرى جميلة من زمن مضى.

(*) سنوات قليلة منذ انطلاقة "عناوين بوكس" كدار نشر يمنية، لكنها أصبحت حاضرة وتُدعى إلى معارض كتاب عربية. حدثنا أولًا عن الفكرة: كيف ومتى تشكلت؟ وعن البدايات؟ وما الذي أنجزته الدار منذ التأسيس وحتى الآن، على صعيد نشر الكتاب اليمني؟
فكرة "عناوين للكتب" ولدت من شعور بأن الكتاب اليمني يستحق حضورًا أفضل مما هو عليه. لسنوات طويلة ظل الكاتب اليمني يواجه صعوبات كبيرة في النشر والتوزيع والوصول إلى القارئ العربي. كثير من الكتب اليمنية المهمة كانت تصدر في طبعات محدودة، أو تبقى داخل اليمن، أو تضيع في ظروف الطباعة والتوزيع الضعيفة.
من هنا جاءت الفكرة: دار نشر يمنية مستقلة تحاول أن تقدم الكتاب اليمني بصورة مهنية، من حيث التحرير، والتصميم، والطباعة، والتوزيع، والحضور في المنصات الإلكترونية، ومعارض الكتب العربية. لم تكن البداية سهلة؛ لأننا بدأنا في زمن حرب، وفي ظل انقسام جغرافي ومؤسسي واقتصادي. لكن ربما هذا ما جعل المشروع أكثر إلحاحًا.
منذ التأسيس، في عام 2020، حاولت "عناوين بوكس" أن تعمل في أكثر من مسار: نشر الأدب اليمني، وإعادة إصدار أعمال مهمة، والاهتمام بالترجمة والكتب ذات الصلة باليمن، وفتح قنوات توزيع عربية، والحضور في معارض الكتب، وإتاحة الكتب عبر منصات إلكترونية. لم نرد أن تكون الدار مجرد مطبعة، أو واجهة تجارية، بل مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب اليمني.
أنجزت الدار خلال سنوات قليلة عددًا من الإصدارات في الرواية، والشعر، والقصة، والدراسات، والترجمات، والكتب التاريخية والفكرية تجاوزت 400 عنوان. كما حاولنا بناء علاقة مع القارئ خارج اليمن، لأن الكتاب اليمني لا ينبغي أن يبقى محاصرًا بحدود الحرب والجغرافيا. حضورنا في معارض الكتاب العربية هو جزء من هذا المسعى: أن يكون للكتاب اليمني مكان على الطاولة العربية، لا أن يبقى في الهامش.

(*) في حال توقفت الحرب، هل ستزاول الدار نشاطها من اليمن، أم أنه في زماننا اليوم لم يعد المكان ضروريًا؟
اليمن بالنسبة لنا ليس مجرد مكان إداري، بل هو الأصل والمعنى والسبب. "عناوين بوكس" دار يمنية، ومشروعها الأساسي مرتبط بالكتاب اليمني، وبالثقافة اليمنية. لذلك، حين تتوقف الحرب وتتوفر بيئة آمنة ومناسبة، سيكون من الطبيعي أن يكون للدار نشاط فاعل من داخل اليمن.
لكن في الوقت نفسه، لم يعد النشر اليوم مرتبطًا بمكان واحد. يمكن أن تكون الدار في اليمن، وأن تطبع في أكثر من بلد، وتوزع في أكثر من سوق، وتبيع عبر المنصات الرقمية، وتتواصل مع القراء في العالم كله. المكان لا يزال مهمًا رمزيًا وثقافيًا، لكنه لم يعد قيدًا تقنيًا كما كان في السابق.
ما أتمناه هو نموذج يجمع بين الجذر اليمني والامتداد العربي والدولي، وأن تكون "عناوين بوكس" موجودة في اليمن، لكنها غير محاصرة به. فدار النشر الحديثة يجب أن تفكر كمنصة عابرة للحدود، خصوصًا حين يتعلق الأمر ببلد مثل اليمن، يعيش أبناؤه وكتّابه وقراؤه في الداخل والمهجر.

(*) هنالك مبادرات لـ"دار عناوين"، من بينها جائزة أدبية للشعر والرواية والقصة القصيرة اليمنية. حدثنا عن هذه التفاعلات، وهل في الإمكان توسيع مجالات الجائزة، في الشعر مثلًا، بحيث تضاف قصيدة النثر كشكل شعري مستقل؟
نحن في عناوين نؤمن أن النشر وحده لا يكفي. دار النشر ينبغي أن تكون جزءًا من تحريك الحياة الأدبية، لا مجرد جهة تنتظر المخطوطات. لذلك جاءت فكرة الجوائز والمبادرات الأدبية بوصفها وسيلة لاكتشاف الأصوات الجديدة، وتحفيز الكتّاب، وخلق تفاعل حول الأدب اليمني.
الجائزة بالنسبة لنا ليست احتفالًا عابرًا، بل محاولة لبناء مسار. حين تمنح جائزة في الرواية، أو القصة، أو الشعر، فأنت تقول للكاتب الشاب إن هنالك من يقرأه، ومن يأخذه بجدية، ومن يمنحه فرصة للظهور والنشر والوصول إلى القارئ.
أما بخصوص قصيدة النثر، فأنا أعتقد أن المشهد الشعري اليمني، مثل المشهد العربي عمومًا، أصبح متنوعًا، ولا يمكن اختزاله في شكل واحد. لدينا القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، ولكل منها حساسيتها وجمهورها وشروطها الفنية. لذلك من حيث المبدأ، نعم، يمكن التفكير في توسيع مجالات الجائزة، أو تخصيص مسارات أكثر وضوحًا داخل حقل الشعر، بحيث لا تتنافس الأشكال الشعرية المختلفة وفق معيار واحد قد لا ينصف الجميع.
لكن أي توسعة تحتاج إلى إعداد جيد: لجان متخصصة، ومعايير واضحة، وتمويل مستقر. لا نريد أن نعلن مجالات كثيرة ثم نعجز عن إدارتها بالشكل اللائق. المهم أن تكون الجائزة مهنية وذات مصداقية، وأن تضيف إلى المشهد لا أن تستهلكه.


(*)
أنت واحد ممن اشتغلوا، وما زالوا، في الصحافة الثقافية اليمنية والعربية. كيف تقيم أحوال الصحافة الثقافية المحلية اليوم، في هذه الظروف التي تكاد تكون الثقافة آخر ما يتم التفكير به في أروقة صنّاع القرار؟
الصحافة الثقافية اليمنية اليوم تعيش واحدة من أصعب مراحلها. قبل الحرب كانت هنالك مشكلات كثيرة، لكن الثقافة كانت موجودة على الأقل: صفحات ثقافية، وملاحق، ومجلات، وصحف يومية وأسبوعية، ونقاشات حول الكتب والفنون والكتّاب. اليوم تراجع كل ذلك إلى حد كبير، بسبب انهيار المؤسسات الإعلامية، وتسييس الفضاء العام، وانشغال الناس بالأزمات اليومية.




المشكلة أن الثقافة في أوقات الأزمات تُعامل كأنها شيء ثانوي، بينما هي في الحقيقة من أكثر المجالات أهمية. لأن الحرب ليست فقط صراعًا على الأرض والسلطة، بل صراع على الوعي، والهوية، واللغة، والذاكرة، والصورة التي يرى بها المجتمع نفسه. الصحافة الثقافية تحتاج اليوم إلى إعادة اختراع نفسها. لم تعد الصفحة الثقافية التقليدية كافية. نحن في حاجة إلى منصات رقمية، بودكاست، نشرات كتب، مراجعات، قواعد بيانات، محتوى بصري، ومبادرات تربط الثقافة بالجمهور الجديد. الصحافي الثقافي لم يعد مجرد محرر صفحة، بل صار وسيطًا معرفيًا بين الكتاب والقارئ، وبين الذاكرة والحاضر.
ورغم الصورة القاتمة، هنالك محاولات فردية تستحق الاحترام: صحافيون يكتبون من المنافي، ومواقع تنشر مواد ثقافية، وكتّاب يحاولون إبقاء النقاش حيًا. لكنها تبقى جهودًا مشتتة ما لم تتحول إلى مشاريع مؤسسية مستمرة.

الكتاب اليمني يعيش مفارقة غريبة

(*) نتذكر أنك حررت صفحة "كتب" في صحيفة "الثورة" اليمنية قبل اندلاع الحرب، وقبل ذلك تنوعت اهتماماتك ككاتب أولًا، ثم كناشط وصحافي ثقافي. نسأل هنا عن أحوال الكتاب اليمني عمومًا؟

الكتاب اليمني يعيش مفارقة غريبة. من جهة، هنالك إنتاج أدبي وفكري مهم، وهنالك كتّاب يمنيون يكتبون بجدية، ويقدمون نصوصًا تستحق القراءة عربيًا. ومن جهة أخرى، هنالك ضعف كبير في النشر والتوزيع والتسويق والوصول إلى القارئ.
قبل الحرب، كانت المشكلة الأساسية هي محدودية السوق، وضعف مؤسسات النشر، وقلة المكتبات. بعد الحرب، تضاعفت المشكلة: تراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الشحن، وغياب المعارض المحلية، وتشتت المؤلفين، وانقطاع كثير من قنوات التوزيع. ومع ذلك، لم يتوقف اليمنيون عن الكتابة. ربما زاد الشعور بالحاجة إلى الكتابة، لأن الحرب جعلت الذاكرة مثقلة، والأسئلة أكثر قسوة.
حين كنت أحرر صفحة "أسماء وعناوين"، كنت أشعر أن الكتاب اليمني يحتاج إلى وسيط يقدمه للقارئ. الكتاب لا يكفي أن يصدر؛ يجب أن يُقرأ، ويُناقش، ويُراجع، ويُعرض في سياق. وهذه ما تزال مشكلة قائمة. لدينا كتب جيدة لا يعرف بها أحد، ولدينا مؤلفون مهمون خارج الضوء، ولدينا ذاكرة نشرية غير مفهرسة.
ما يحتاجه الكتاب اليمني اليوم هو منظومة متكاملة: ناشر مهني، ومُحرّر جيد، ومصمم محترف، وموزع قادر، ومنصات رقمية، ونقد جاد، وصحافة ثقافية تتابع. الكتاب ليس منتجًا فرديًا فقط، بل نتيجة نظام ثقافي كامل. وحين يضعف النظام، يظلم الكاتب والكتاب معًا.

(*) هل ممكن أن نسأل عن العمل الدبلوماسي، بوصفك ملحقًا إعلاميًا في سفارة اليمن بالرياض: ما أهم ما تنجزه الملحقية؟
العمل الإعلامي في المجال الدبلوماسي مختلف عن العمل الصحافي التقليدي، لكنه قريب منه في الجوهر؛ لأنه يقوم على صياغة الصورة، وبناء الرسالة، والتواصل مع الجمهور والمؤسسات، ومتابعة ما يقال ويكتب وينشر.
الملحقية الإعلامية في الرياض تعمل ضمن إطار السفارة اليمنية، ودورها الأساسي هو دعم الحضور الإعلامي للدبلوماسية اليمنية، ومواكبة أنشطة السفارة، والتواصل مع وسائل الإعلام، وإعداد المواد الخبرية والإعلامية، وتوثيق الفعاليات، والمساهمة في تقديم صورة مهنية عن نشاط البعثة.
وفي بلد مهم مثل المملكة العربية السعودية، حيث توجد جالية يمنية كبيرة، وحضور سياسي ودبلوماسي وإعلامي واسع، تصبح المهمة أكثر حساسية. نحن لا نتعامل فقط مع خبر أو بيان، بل مع صورة بلد، ومع علاقة أخوية واستراتيجية بين اليمن والمملكة، ومع جمهور واسع يحتاج إلى خطاب واضح ومتزن.
أعتقد أن أهم ما يمكن أن تنجزه أي ملحقية إعلامية هو الانتقال من التغطية التقليدية إلى بناء ذاكرة إعلامية مؤسسية: أرشفة، توثيق، محتوى متعدد الوسائط، حضور رقمي، تواصل مع الإعلاميين، وإنتاج خطاب يعكس الدولة ومؤسساتها بقدر من المهنية والهدوء والمسؤولية.

(*) لطالما كنت قريبًا من الدكتور عبد العزيز المقالح على مدى سنوات، وأثمر ذلك حزمة حوارات صحافية أنجزتها معه رأت النور في كتاب. ما الطريقة التي غلبت على كل الحوارات، أو معظمها: الحوار المباشر تسجيلًا أم كتابةً؟ وهل كان الدكتور يهتم بمناقشة الأسئلة مسبقًا؟ وما أبرز سمات شخصية المقالح من وجهة نظرك؟
الحديث عن الدكتور عبد العزيز المقالح بالنسبة لي ليس حديثًا عن شاعر كبير فقط، بل عن تجربة إنسانية وثقافية عميقة. المقالح كان واحدًا من آخر الكبار الذين جمعوا بين الشاعر، والمثقف، والأستاذ، والراعي الرمزي لأجيال متعددة من الكتّاب اليمنيين.
حواراتي معه تنوعت في طريقتها. بعضها كان مباشرًا، عبر لقاءات وحوارات شفوية، وبعضها كان يقوم على أسئلة مكتوبة، خصوصًا حين تكون الأسئلة بحاجة إلى تأمل، أو تتصل بقضايا فكرية وثقافية أوسع، ولكن اللافت أن الدكتور كان لا يحب أبدًا الحوارات المسجلة. كان الدكتور المقالح يأخذ الحوار بجدية، لا يتعامل معه كتصريح عابر. كان يقرأ الأسئلة، ويتأملها، وأحيانًا يناقش زاويتها قبل الإجابة، لا من باب التحفظ، بل من باب احترامه للكلمة وللقارئ.
أكثر ما كان يميزه، في نظري، تواضعه العميق. كان كبيرًا بلا ضجيج. لديه قدرة نادرة على الإصغاء، وعلى احتواء المختلفين، وعلى تشجيع الشباب. لم يكن يتعامل مع الأجيال الجديدة بتعالٍ، بل كان يمنحهم الثقة. كثيرون كتبوا لأن المقالح قال لهم كلمة تشجيع، أو نشر لهم نصًا، أو استقبلهم في مكتبه.
وكانت لديه أيضًا حساسية وطنية عالية. اليمن بالنسبة له لم تكن موضوعًا سياسيًا فحسب، بل كانت معنى شعريًا وثقافيًا وروحيًا. لذلك ظل حضوره أكبر من موقعه الأكاديمي، أو الرسمي. كان مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين، وغيابه ترك فراغًا لا يُملأ بسهولة.

(*) في الولايات المتحدة، نظمتم، قبل أشهر، معرضًا للكتاب اليمني، وكان التدشين بحضور الرئيس رشاد العليمي. حدثنا عن هذه الفعالية الاستثنائية.
المعرض اليمني الأول للكتاب في نيويورك، والمعارض الفنية المصاحبة له، كانت بالنسبة لنا حدثًا ثقافيًا ورمزيًا في آن واحد. الفكرة لم تكن فقط عرض كتب يمنية في الخارج، بل القول إن اليمن، رغم الحرب والخراب، والصورة النمطية التي تُختزل غالبًا في السياسة والأزمة، يمتلك ثقافة وكتبًا ومؤلفين وذاكرة تستحق أن تُرى.
حضور الرئيس الدكتور رشاد العليمي للتدشين منح الفعالية بعدًا معنويًا ورسميًا مهمًا، لأنه أكد أن الكتاب والثقافة يمكن أن يكونا جزءًا من صورة اليمن في الخارج، لا شيئًا هامشيًا. بالنسبة لنا، كان ذلك تقديرًا للكتاب اليمني، وللجهد الذي بذلناه في نقل جزء من المكتبة اليمنية إلى جمهور جديد.
ما جعل الفعالية استثنائية أيضًا أنها خاطبت الجالية اليمنية والعربية في الولايات المتحدة، وفتحت نافذة للأجيال الجديدة التي ربما تعرف اليمن من خلال الأسرة أو الأخبار، لكنها لا تعرفه من خلال الرواية، والشعر، والتاريخ، والذاكرة المكتوبة. الكتاب هنا يصبح جسرًا بين اليمنيين وبلدهم، وبين اليمن والعالم.
مثل هذه الفعاليات ينبغي ألا تبقى حدثًا منفردًا. نحتاج إلى معارض يمنية متنقلة، وإلى مكتبات يمنية في المهاجر، وإلى برامج قراءة وترجمة، لأن الثقافة من أهم أدوات الدبلوماسية الناعمة، وربما من أنبلها.

(*) ماذا عن طقوس واهتمامات السرد القصصي في خضم مشاغل الناشر والدبلوماسي صالح البيضاني؟
الكتابة بالنسبة لي لم تكن يومًا نشاطًا منفصلًا عن الحياة. ربما تغيرت الطقوس، وربما قلّ الوقت، لكن السرد يظل حاضرًا في الخلفية. أحيانًا أشعر أن الناشر يأخذ وقت الكاتب، وأن العمل اليومي والإداري والدبلوماسي يزاحم المساحة الخاصة التي تحتاجها القصة. لكن في المقابل، هذه المشاغل نفسها تمنح الكاتب مادة واسعة للتأمل: الناس، المدن، المنفى، الذاكرة، الحرب، التفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها الخبر الصحافي.
أنا أنتمي إلى الكتابة أولًا، حتى وإن أخذتني الصحافة، أو النشر، أو العمل الرسمي، إلى مسارات أخرى. السرد يحتاج إلى عزلة وهدوء، وهذا أصعب ما يمكن الحصول عليه في حياتنا اليوم. لكن القصة لا تغادر صاحبها. قد تتأجل، لكنها تظل تعمل في الداخل.
ما يشغلني في السرد هو الإنسان اليمني في لحظته القلقة: الإنسان الذي فقد مكانه، أو يحاول أن يتصالح مع ذاكرته، أو يعيش بين بلدين، أو يحمل حربًا داخله حتى وهو بعيد عنها. أعتقد أن الكتابة السردية القادمة من اليمن ستكون مختلفة؛ لأن التجربة التي مر بها اليمنيون قاسية، لكنها ثرية إنسانيًا، وستحتاج إلى وقت حتى تتحول إلى أدب ناضج لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يذهب إلى فهمه.

على المثقف اليمني ألا يكتفي بدور الشاهد الحزين

(*)
في رأيك، كيف يمكن لليمن الخروج من هذه اللحظة العاصفة، وهل تبقى للمثقف كلمة يقولها وتكون مسموعة؟
الخروج من هذه اللحظة العاصفة يحتاج إلى ما هو أكثر من وقف إطلاق النار، على أهمية ذلك. إن اليمن في حاجة إلى مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار للدولة، وللمواطنة، وللمؤسسات، وللعيش المشترك. لا يمكن لبلد أنهكته الحرب أن ينهض إذا ظل أسير الثارات والهويات الضيقة والمشاريع الصغيرة.
نحتاج إلى مصالحة حقيقية، وعدالة، وتعليم، واقتصاد، وإعادة بناء للمؤسسات، لكننا نحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الخيال الوطني. ما اليمن الذي نريده؟ ما معنى أن نكون يمنيين بعد كل هذا الخراب؟ كيف نستعيد الثقة بين الناس، وبين المواطن والدولة، وبين الداخل والخارج؟ هذه أسئلة ليست سياسية فقط، بل ثقافية أيضًا.
أما المثقف، فنعم، ما تزال له كلمة، حتى لو بدا أن صوته ضعيف. المثقف لا يملك دبابة، ولا ميزانية، ولا سلطة مباشرة، لكنه يملك ما هو أبقى: المعنى، والسؤال، والذاكرة، والقدرة على فضح الزيف. المشكلة ليست في غياب كلمة المثقف، بل في غياب المنصات التي تجعل هذه الكلمة مسموعة ومؤثرة.
على المثقف اليمني ألا يكتفي بدور الشاهد الحزين، ولا بدور المعلّق من بعيد. عليه أن يشارك في إعادة بناء الوعي العام، وفي الدفاع عن الدولة المدنية، وعن التعليم، وعن الثقافة، وعن حق اليمنيين في مستقبل أقل قسوة. ربما لا تُسمع الكلمة فورًا وسط الضجيج، لكنها تبقى. وفي النهاية، كل الحروب تنتهي، وما يبقى هو ما كُتب، وما قيل بصدق، وما ساعد الناس على فهم ما حدث لهم.