Print
محمود عبد الغني

مخلص الصغير: علينا تقليد القصيدة التي لم نكتبها بعد

3 يوليه 2026
حوارات

مخلص الصغير شاعر وكاتب وإعلامي مغربي من مواليد مدينة تطوان، وهو مدير دار الشعر، ورئيس سابق لجمعية أصدقاء لوركا، ورئيس تحرير مجلة "مغرب اليوم". من إصداراته: حكاية فنان تشكيلي، شاعر الظلال، المثل الجائر، النشيد الدامي، الأرض الموبوءة، الأرض الحمراء، إلى جانب عدد من الكتب الجماعية والدراسات والمقالات التي نشرت في مجلات وطنية وعربية وأجنبية.
وهو حاصل على جائزة الديوان الأول للشعراء الشباب سنة 1996، وجائزة ملتقى الطلبة الشعراء سنة 1998، وجائزة القراء الشباب بالمغرب، وجائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان القصيدة العربية المصورة. شارك في ملتقيات ومهرجانات وطنية وعربية وأجنبية، في المغرب وتونس ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة.
هنا حوار معه بمناسبة فوزه بجائزة المغرب في صنف الشعر.

(*) تم الإعلان عن فوزك بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر. كيف تلقيت هذا الخبر؟
ذات مرة علق جورج برنارد شو ساخرًا: "إن الله قد يغفر لنوبل اختراع الديناميت، ولكنه لن يغفر له اختراع الجائزة". بالنسبة إلي، لا أرى الأمر هكذا، لأن الديناميت يقتل الناس، والجوائز تحيي الناس والثقافة والإبداع، بل وتبث الحياة حتى في كائنات متخيلة، وإن لم يكن لها وجود في الواقع، كما يحدث مع رواية تنفض الجائزة عنها وعن شخصياتها الغبار، وتقيها برودة النسيان، حتى لقد باتت الجوائز اليوم من الآليات الأساسية في النهوض بالصناعات الثقافية والإبداعية، والترويج للأعمال الأدبية، ما يعني أنها تساهم في تسويق الكتاب والترويج له، وضمان طبعات جديدة، مع توزيع الكتاب على نطاق واسع...
بعد ثلاثين عامًا على فوزي بالجائزة الوطنية للشعراء الشباب (كان عمري حينها 17 سنة)، يأتي التتويج بجائزة المغرب للكتاب، بوصفها أرقى جائزة أدبية في المغرب. أتلقى هذا الخبر بوصفه اعترافًا بتجربتي الشعرية التي ظلت وستظل تجربة غير مكتملة، تجربة يحكمها النقص، بل هي تزداد نقصًا مع كل مرحلة. وهذا النقص هو الذي يولد الحاجة إلى الخلق والرغبة في الإبداع. وربما كان "النقص سرّ اكتمالي" كما أقول في قصيدة عن "إفريقيا"، وهي تتحدث عن نفسها. وديوان "الأرض الموبوءة"، الفائز بالجائزة، ينتمي إلى هذا النقص "المكتمل"، غير المكتفي بذاته. ولهذا صدر بعده ديوان "الأرض الحمراء"، قبل أيام، وهكذا. ثم إنها أهم جائزة في نظري، لأنها تحمل اسم بلدي. والديوان يبدأ بقصيدة "المغربي"، ولكن هذا المغربي لا يجد اكتماله إلا في الآخر، ولا يستكمل هويته إلا في مرايا الغيرية. "أنا المغربي المتوسطيُّ/ وأنا لست أنا/ أنا غيري، ولست سوى شعري/ وشعري نثري/ أنا الكاتب والمكتوب والكتابيُّ/ الشمالي الجنوبيُّ أنا/ الشرقي والغربيُّ/ لي مفتاح بيت في الأندلسْ/ وقفل في طوق الموشحاتْ/ أنا الأندلسيُّ...".

(*) هل تعتقد أن حصول عمل شعري على جائزة ما يمكن أن يمنحه رواجًا أكثر، في ظل تراجع الاهتمام بالشعر؟
تراجع الاهتمام بالشعر مردّه إلى تراجع الاهتمام بكل ما هو شعري في هذه الحياة. والمآلات التي انحدرنا إليها اليوم إنما هي بسبب الابتعاد عن الشعر، والتنكر لشعرية الحياة. سواء تعلق الأمر بالحروب والنزاعات، أو بمستويات السطحية والابتذال التي نعيشها في هذا العالم الاستهلاكي، أو تعلق الأمر بعلاقتنا مع البيئة، والتي تتهدد مستقبلنا ومستقبل الأرض نفسها، بل نحن الذين نهدد هذه الأرض على الأصح.
للجوائز أن تساهم في الالتفات إلى الشعر والتنبيه إلى أهميته وراهنيته، وللجوائز أن تساهم في التعريف بالشاعر وشعره، إلى جانب مبادرات أخرى، وفي مقدمتها مبادرة الناقد، بوصفها أكثر المبادرات وعيًا بالشعر...
قبل أن يفوز ديوان "الأرض الموبوءة" بجائزة المغرب للكتاب، اقتربت نسخه من النفاد، وطلب مني الناشر، مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، أن نصدر الطبعة الثانية، والتي ستظهر قريبًا. صدور طبعة ثانية من الديوان في هذا الزمن، وفي ظرف عامين، ربما هو أمر يثير نوعًا من الاطمئنان إلى مستقبل الشعر، وربما يثير الحيرة من قدرة هذا الشعر على الانبعاث دائمًا، والتشبث بالحياة على هذه الأرض الموبوءة.

(*) من "الأرض الموبوءة" إلى "الأرض الحمراء"، هل يتعلق الأمر بمشروع شعري؟
كلمة المشروع مهمة في هذا السياق، وهي تُعبّر عن جوهر الممارسة الكتابية في الشعر والأدب كله، كما في الفنون جميعها. ذلك أن المشروع إنما هو عمل غير مكتمل، عمل شرعتَ فيه ولا زلت تخوض غماره وتبدع أشعاره، ولستَ تدري إلى أين يقودك، وأيُّ دهشة سوف تصيبك في الطريق. وهذه الدهشة هي التي تتركك على قيد الإبداع، وتجعلك تواصل بغاية الاكتشاف، اكتشاف ذاتك من خلال الشعر. تغدو الكتابة بالنسبة إلى الشاعر محاولة خلق جديد، إنه يعيد خلق نفسه عبر الكتابة ومن خلالها. والشاعر الحق هو كاتب لا يني يتجدد ويتجاوز ذاته وقصيدته باستمرار.

(*) هل نتوقع صدور ديوان ثالث حول الأرض، لنكون أمام ثلاثية مثلًا؟
لقد راودني هذا السؤال مثلك، منذ فترة، ولكننا لا ندري إلى أين تقودنا الكتابة، فنحن نعول عليها ونستعين بها من أجل شيء ما. الآن، بدأت تتشكل ملامح تجربة جديدة مغايرة ربما تكون استئنافًا للمشروع نفسه، بشرط التجاوز والإضافة. عمل شعري جديد فوق هذه الأرض، ما لم نقل إنه يتخلق من رحمها، ومن المخاضات التي تكابدها. وبينما أترك للقصيدة حريتها في اتخاذ قراراتها ورسم اختياراتها، بل واختياراتنا الشعرية نفسها، فإن ما أقوم به هو وضع برنامج شعري، برنامج عمل شعري يستوعب التجربة ويحتضنها، وهو يقتضي تأنيًا وصبرًا كبيرين، وقطع منعطفات ومفازات شاقة. ربما علينا أن نمشي على هذه الأرض لمسافات طويلة من أجل الوصول إلى ذاتنا.


(*) إذا كان ديوان "الأرض الموبوءة" قد اشتغل على لحظة الوباء والجائحة التي عرفتها الإنسانية قبل ست سنوات، يبدو أن ديوان "الأرض الحمراء" قد انشغل بموضوعة الحرب. ما الذي يجمع بين الديوانين على هذا المستوى؟

في الديوانين معًا ثمة محاولة لتعقب المصير الإنساني على هذه الأرض، إلى أين نسير ونصير؟ وبأي طريقة، وبأي إيقاع، نُسْرِعُ نحو حتفنا؟ إنه عالم السرعة المجنونة التي تهرب بنا منا، وتُعجِّلُ بنهايتنا وتستعجلها. كلما أسرعنا ابتعدنا عنا، وافتقدنا هدأة الحياة، وأهدرنا القدرة على التأمل والتبين والتفكير والإبداع. هكذا، وما أن نَجَتِ البشرية من وباء كوفيد حتى دخلت في حروب لا تبقي ولا تذر، وصرنا على وشك حرب عالمية جديدة، وعلى وشك قيامة سابقة لأوانها. أنتمي إلى جيل محكوم بهذه الأسئلة، ومن الطبيعي أن تستحضر قصيدتي هذه الأسئلة، والمشكلة أنها لا تجيب عنها، بقدر ما تزيد من تعميق هذه الأسئلة الحارقة. نحن الذين بدأنا الكتابة في التسعينيات كنا محكومين بأفق الألفية الثالثة، وكنا نسمع بأن سنة 2000 ستكون نهاية العالم. وسياق العولمة وما بعدها أكد لنا نهاية عالم وبداية عالم آخر. كما أن ما نشهده حاليًا من كوارث طبيعية بيئية وبشرية ينذر بنهاية العالم، ويؤكد لنا أن هذه النهاية قد أَزِفَت، وأن الإنسان قد وصل إلى مرحلة اجتثاث الحياة من على الأرض.
هكذا، عشت على قلق، قلق العالم نفسه، وتوتره: "فالعالم الآن في رعب وفي قلق"، كما نقرأ في ديوان "الأرض الموبوءة". أما في ديوان "الأرض الحمراء" فإنني أمشي على قلق: "في شارع المتنبي/ سرت في قلقِ/ لا الريح تسبقني/ لا الليل يعرفني/ أمشي ومن عجبٍ/ أمشي بلا طرقِ". وسواء تعلق الأمر بقصائد الديوان التي كتبت في بغداد، أو على ضفاف بحيرة طبريا، في عمان، أو القاهرة، أو الإسكندرية، في تونس، أو في المغرب، أو في الأندلس، يَعْرُونِي هذا القلق بينما أعبر الأرض: "من أنا أيها الطين/ يا أبتِ/ من أنا؟/ غيرُ شكّي/ وأسئلتي. إنما الأرض قبر لنا/ وأنا/ ميت عابر/ فوق مقبرتي".

(*) تتابع أوضاع الشعر في العالم العربي، من خلال حضورك المستمر للقاءات والفعاليات الشعرية. كيف تنظر إلى راهن الشعر العربي، وكيف تتطلع إلى مستقبله؟
يعيش الشعر العربي هذا القلق الذي تحدثنا عنه. والشاعر في هذا العالم غريب الوجه واليد واللسان، كما قال المتنبي. والقصيدة العربية تعبر عن هذا القلق، الذي يتسرب إلى معجمها، وإلى إيقاعها. والشاعر اليوم متردد ما بين الاختيارات الفنية والجمالية، ما بين الإيقاع والرؤيا، ما بين بلاغة الأسلاف وبلاغته الخاصة. وحين يعبر الشاعر عن زمنه وقلقه الخاص فإنه يكتب قصيدته الخاصة.
في سؤالك ثمة عبارة دقيقة التوصيف، وهي عبارة "راهن الشعر"، وما أحاول كتابته من شعر، إلى جانب مجموعة من الشعراء في العالم العربي، وفي القارات والجغرافيات الشعرية الأخرى، هو "الشعر الراهن"، امتدادًا لتسمية "الشعر المعاصر"، التي كانت مسبوقة بالشعر الحديث، وهكذا. وهذا الشعر الراهن هو شعر ينصت لنبض اللحظة الراهنة. من هنا، وجب ترهين القصيدة على غرار تحديثها، بجعلها قصيدة راهنة باستمرار. ثم إنني أكتب "قصيدة الأحاسيس المشتركة"، أعني القصيدة التي تعانق المشترك الإنساني، وتقتفي أثر الإنسان وقلقه وسؤاله ومصيره على هذه الأرض الموبوءة الحمراء.
وهذا الشعر الراهن إنما يقف ضد الراهن نفسه ويواجهه، ويسائل راهن الشعر أيضًا، من خلال كتابة قصيدة ما تفتأ تتغير، قصيدة لا تعمل على تحديث نفسها، ولا على تجديد حالها، كما كانت عليه الحال مع خطابات الشعر الحديث والمعاصر، وإنما قصيدة تتجاوز نفسها، تلك القصيدة التي نطمح في كتابتها، ونسعى في إبداعها، إنها الكتابة في جريانها هي التي تتولد فيها وتنبثق منها القصيدة الراهنة. والقصيدة التي لم تكتب بعد، ولن تكتب، تلك التي لا توجد إلا في المستقبل، هي القصيدة التي وجب علينا أن نكتب مثلها، والحال أنها بلا مثال ولا غِرار، ولا قواعد لها ولا تقاليد في الكتابة، لأنها غير موجودة في الواقع، لأنها القصيدة الحلم وحلم القصيدة. لنقل إنه علينا أن نقلد القصيدة التي لم نكتبها بعد، أن نضاهيها على الأصح، وأن نحاولها باستمرار.