Print
لطيفة محمد حسيب القاضي

محمد سمير ندا: أسعى لأن تطرح كتابتي أسئلة

23 أغسطس 2026
حوارات

يبرز الروائي المصري محمد سمير ندا في المشهد الروائي العربي المعاصر بوصفه واحدًا من الأصوات السردية التي لا تكتفي برصد التحولات، بل يسعى إلى مساءلة الواقع، واستنطاق طبقاته الخفية، عبر لغة تجمع بين الحس الجمالي والوعي الإنساني العميق. نجد في أعماله السردية تقاطعـًا بين الذاكرة والتاريخ في جدلية حيوية؛ فيتحوَّل معه الإنسانُ العادي بكل بساطته وتعقيده إلى بطلٍ يحمل أسئلته وهواجسه وتناقضاته في مواجهة عالمٍ لم يعد يمنحنا كثيرًا من الإجابات اليقينية.
استطاع ندا من خلال أعماله أن يلفت انتباهَ القراء والنقاد على حد سواء، مقدمًـا مشروعًا روائيًا يتسم بالخصوصية، والقدرة على ملامسة القضايا الكبرى: قضايا الحرية والهوية، والزمن، من منظور لا يغرق في التجريد، بل يظل لصيقًا بملامح الشارع وحكاياتِ الناس المنسية.
يرى ندا أنه لا يعرف كيف يصنع الكاتب بصمته الخاصة، ويقول إن القارئ هو من يميّز ذلك. ربما تكون تلك البصمة مرتبطة باللغة، أو بالانحياز إلى الهامش.
هنا حوار معه:


(*) إلى أي مدى أسهمت نشأتك في بيت يجمع بين العمل الثقافي والإبداع الأدبي في تكوين رؤيتك الفكرية؟ وكيف أعادت تجربة العيش في أكثر من بلد تشكيل هذه الرؤية، أو فتحت لها آفاقًا جديدة؟
نشأتُ على فضولٍ يتنامى تدريجيًّا تجاه عدد من المفردات: الكتب والمكتبة، الرواية والقصة والقصيدة، التفعيلة والنثر. أعتقد أن هذا الفضول هو ما دفعني إلى الاستكشاف، والاستكشاف قادني إلى القراءة، ومن خلال القراءة انتقلتُ إلى عوالمَ أخرى أكثر ثراءً وإمتاعًا من الواقع. كانت الروايات بالنسبة لي بوابة سحرية انتقل من خلالها إلى كل مكان في العالم، وأعيش حيوات إضافية.
أسهم التنقل بين البلدان في إزالة الفوارق التي تصنعها الحدود، وأصبحتُ قادرًا على النظر إلى الأمة العربية كجسدٍ واحد. قد تتنوّع اللهجات، وتختلف العادات والتقاليد، وتتفاوت الرؤى تجاه القضايا. وبوصفي شخصًا معنيًـا بالمشكلة، من خلال الرصد والتحليل والعرض، رأيت أننا وطن واحد كما حلم آباؤنا وأجدادنا، ولكن بكل أسف، لا يوحّدنا سوى تشابه مواطن الوجع، فالألم واحد، والمشكلة واحدة، والمرض واحد، والسبب واحد. أتصوّر الآن، ربما، أن تنقّلي بين البلدان العربية طفلًا، ثم صبيًّا، ثم السفرات المتكررة إلى أغلب العواصم العربية بعد الجائزة، أمورٌ جعلتني أكثر انفتاحًا على الآخر، أقل شوفينية، وأقدر على تقييم نقاط التقاطع قبل نقاط الاختلاف.

(*) تكتب بمعدّل يبدو مدروسًا ومتباعدًا زمنيًا، إذا قارنّاه بوتيرة الإنتاج لدى كثير من الأسماء المعاصرة. هل هذا خيارٌ واعٍ ينبع من إيمانك بأن الجودة تتقدّم على الكمّ، أم أنك ترى أن الغزارة والإتقان ليسا متناقضين بالضرورة في تجربتك؟
الكتابة فعل متعة. لا أتصوّر أن يضع الكاتب لنفسه هدفًا محدّدًا من حيث فترات الكتابة اليوميّة. الكتابة التي لا تُحقق لكاتبها النشوة لا يُعوَّل عليها، وكذلك الكتابة التي يجبر الكاتب نفسه على كتابتها والانتهاء منها خلال مدة محددة مسبقًا للحاق بمعرض، أو جائزة. ومن هذا المنطلق، أمارس الكتابة كهواية تحقق لي متعة قصوى، أمزجها بالقراءة في الوقت نفسه، فأنا قررت منذ عشرين سنة، ألا يمر علي يومٌ من دون قراءة، أو كتابة، حتى ولو كتبت سطرًا واحدًا، أو قرأت صفحة واحدة. وربما لهذا السبب، ولهذا النهج في التفكير، تصدر نصوصي في فترات متباعدة زمنيًّا. أحرص على منح كل نص المدة الكافية حتى أكون راضيًا عنه ومستعدًّا لنشره، حتى عندما كنت كاتبًا مغمورًا لا يعرفه أحد. فأنا كاتب يتشبث بنصوصه ويقضي مع شخوصها أطول فترة ممكنة، إلى درجة دخولي في نوبة اكتئاب بعد تسليم كل نص كتبته إلى الناشر بعد إتمام اتفاق النشر، ولكن يجب ألا أنسى عنصرًا آخر ساهم في قلة أعمالي المنشورة، ألا وهو صعوبة العثور على ناشر، هذا الأمر عطل نشر روايتي "صلاة القلق" أربع سنوات، وعطل نشر "بوح الجدران" سنتين.




أحترم خيارات الكتاب جميعًا، وربما أندهش من قدرة بعضهم على كتابة نص جديد كل عام، فهذا أمر لا أفهمه، ولكن ربما تكون دهشتي حيال هذا الأمر نابعة من انعدام مقدرتي على القيام بذلك. لا أتصوّر أن يصدر لي نص جديد كل عام. أعتقد أنني لا أستطيع الإتيان بذلك، ليس لسبب مدروس، بل لأنني استغرق وقتًا طويلًا حتى أطمئن إلى النص. عمومًا، بعد الحصول على الجائزة، بطبيعة الحال، بدأت دور النشر تهتم بما أكتبه، ولأنني لم أتوقف عن الكتابة أبدًا، حتى في ذروة اليأس والإحباط، فإن لدي كثيرًا من النصوص غير المنشورة، وكثيرًا من القصص والنوفيلات، ورواية ضخمة، كلها أعمال لم تنشر، والآن أنا أشعر بحيرة وارتباك عظيمين حيال كيفية وتوقيت نشر هذه النصوص، لأنني فعلًا أود أن أقدمها للقراء، وفي الوقت نفسه أخشى من نشرها في فترات متقاربة فيسيء القارئ الظن بي، ويعتقد أنني بتُّ أكتب بدافع تجاري، وأحاول الاستثمار في الجائزة عبر الإكثار من النشر. في الواقع فإن 90% من النصوص المنتهية لدي كتبت قبل نشر "صلاة القلق"، وقبل الجائزة، لكنها لم تجد من ينشرها آنذاك.

(*) مشروعك الإبداعي يرتكز بشكل لافت على الهامش الإنساني: المنسيّون، الصامتون، المغتربون. لماذا تنحاز عدستك الروائية دائمًا إلى هذه الفئات بدلًا من الشخصيات القيادية، أو المركزية، في الأحداث؟ وهل هذا الانحياز موقف جمالي، أم هو في جوهره موقف أخلاقي من الكتابة نفسها؟
أنا قارئ تشغله الهوامش في ما يقرأه من كتب وروايات، وهو أمر لم أقرره إبان القراءة، لكنه انعكس عليّ في أثناء الكتابة. الشخصيات القيادية والمركزية تجذب الاهتمام، ويكتب عنها باستمرار، لكن الشخوص الذين لا يظهرون في كتب التاريخ، ولا في نشرات الأخبار، هم شغلي الشاغل، قد نقرأ كتابًا يشير فيه الكاتب إلى معركة نشبت قبل ثلاثة قرون، فيقول إن جيش فلان انتصر على جيش علان في معركة استمرت ثلاثة أيام، وكان نصر فلان ساحقًا، إذ لم يخسر سوى ألفي مقاتل من صفوف جيشه. الآن، طويت حكاية ألفي مقاتل، وألفي إنسان، وألفي عائلة، في جملة واحدة، لقد فاز جيش فلان، ولذلك أصبح فلان هو الشغل الشاغل للمؤرخين والروائيين، وللتدليل على براعته نشير إلى قلة خسائر جيوشه، فنعيد قتل ألفي شخص في جملة استطرادية لا تتوقف أمامها الغالبية، ولكني من خلال هذه السطور التي ضربت بها هذا المثل، أنشغل بالألفي مقاتل، وأحاول أن أمنحهم صوتًا، أن أتصور حكايتهم، أو أبحث عن حكاياتهم، سواء كان ذلك في قالب واقعي، أو خيالي فانتازي، هذا ما وجدت عليه نفسي. أحاول في بعض الأحيان تغيير هذه البوصلة، فأكتب بانشغالٍ مختلف عما سبق، لكنني سرعان ما أعود إلى النقطة ذاتها من جديد، وهكذا، الأمر ممتع، كما قلت لكِ. ويمكنني تلخيص ما قلته بالاعتراف بأنني إنسان مهموم بقضية النسيان، وبالعدالة، لذلك لم أر أنه من العدل أن نُغفل سير الشعوب لحساب الأبطال والزعماء وقادة الجيوش، وألا تنحرف البوصلةُ فتظل مطاردة الأكثر شهرةً على حساب أصحاب الحكاية الحقيقيين، المنسيين بفعل التأريخ الرسمي.

(*) حصلت على البوكر العربية عام 2025 عن "صلاة القلق"، التي استلهمت أجواءها من نكسة 1967، عبر فكرة المجتمع المعزول الذي يتعرض سكانه للقهر في إطار فانتازي؛ وهي فكرة سبق أن وُظِّفت كثيرًا في الرواية والسينما العالميتين. ما الجديد الذي أضفته إلى هذه الفكرة المتكررة، وكيف نجحت في أن تجعلها تحمل بصمتك الخاصة بعيدًا عن صدى من سبقوك إليها؟
حاولت أن ألعب لعبة الديستوبيا في زمن قديم، الديستوبيا مرتبطة بالمستقبل بطبيعة الحال، لكنني حاولت أن أنقلها إلى الماضي من خلال لعبة التاريخ البديل. أعلم تمامًا أن فكرة المجتمع المعزول قد تم تناولها في عشرات الأعمال المشهورة عالميًّا، ناهيكِ عن الأعمال التي لم يصبها التوفيق من حيث المقروئية. كما أعرف أن نكسة 1967 قد مرت تحت أكثر من عدسة روائيّة لكتاب كبار، لكنني لم أنشغل بذلك. لقد كان لدي هم وددتُ أن أعبر عنه، حاولت أن أمنح صوتًا لمن لم يسمع صوتهم أحد، الناس المنتظرون، المغيبون، المختطفة عقولهم، أردت أن ألعب في هذه المنطقة، وأستطيع الآن أن أقول إنني عشت في عالم نجع المناسي، خلال كتابته، لأكثر من خمس سنوات، رافقت هؤلاء الشخوص، وباتوا جزءًا من حياتي اليومية. كتبت أكثر من سبع أو ثماني مسودات، ولم أشأ للنص، كما هي حالي مع كل ما أكتبه، أن ينتهي. فكما قلت وكررت، أنا طفل يلعب! ولا يود لحالة اللعب أن تنتهي، ولكن بكل أسف كان علي في النهاية أن أحاول نشر النص بعد أن آمنت باكتماله واختماره، وأصبت في إثر انتهاء عمليات المراجعة والتحرير مع دار النشر بحالة اكتئاب قاسية، إذ كنت أسأل نفسي كل صباح: ماذا سأفعل اليوم وقد غابت الحكاية وغاب شخوصها؟ شعرت بفراغٍ وخواء كبيرين لم أخرج منهما إلا عندما شرعت ألعب لعبة جديدة، أي رواية جديدة. لم أكن أتوقع بأي حال من الأحوال أن تحقق "صلاة القلق" كل هذا النجاح، ولا أن تنال أهم جائزة أدبية. وما زلت متفاجئًا حتى هذه اللحظة!




لا أعرف كيف يصنع الكاتب بصمته الخاصة، القارئ هو من يميّز ذلك، ومن خلال ما سمعت، ربما تكون تلك البصمة خاصة باللغة، أو بالانحياز إلى الهامش كما ذكرتِ في سؤال سابق، لست متأكدًا، ولا أحاول التفكير في الأمر، فقط أكتب بالطريقة التي أحب أن أكتب بها، وكفى.


(*) يلاحظ القارئ في أعمالك، من "مملكة مليكة" إلى "بوح الجدران" وصولًا إلى "صلاة القلق"، حضورًا قويًا للغة الشعرية وللتجريب السردي عبر تعدّد الأصوات وتداخل الموسيقى والغناء في النسيج الروائي. هل تنظر إلى شعرية اللغة بوصفها جزءًا عضويًا من بنية الرواية، أم قيمة جمالية تُضاف إليها من الخارج؟ وكيف تتجنّب أن تتحول كثافة اللغة إلى عبء يُبطئ إيقاع السرد، أو يُزاحم الحكاية نفسها؟
أنا عاشق مُتيّم باللغة، منذ كنتُ طالبًا، وحتى اليوم عندما أراجع مع أبنائي دروس اللغة العربية، أحب الموسيقى التي تسكن اللغة العربية، وأبحث عنها، لأنني استمتع بذلك كثيرًا. وكقارئ، أنحاز إلى كل عمل كتب بلغة جميلة، والجمال هنا يشمل الموسيقى والمجاز والاستعارات، وكل تلك الأدوات التي تنفرد بها اللغة العربية عن سائر اللغات، يمكنكِ أن تجدي الموسيقى في كل اللغات، ولكنها بالنسبة لي أشبه باللوحة التي ترسم بلون واحد، بينما اللوحات التي تكتب بالعربية تمتلك عددًا لا نهائيًّا من الألوان. من هنا يمكنني أن أجيبك فأقول إنني بالفعل أرى في عنصر اللغة جزءًا أساسيًّا في الكتابة التي أحب أن أكتبها. لا أستطيع أن أكتب بلغة لا أستمتع بكتابتها، وبالاشتغال عليها، كأنني أرصف العبارات وأعيد رصفها أكثر من مرة حتى أصبح سعيدًا بقراءتي للعبارة، أحاول أن أتجنب التكلّف والكثافة المعطلة لانسيابية السرد قدر استطاعتي، ولكنني هنا يجب أن أذكر دور المحرر الأدبي، الذي يلفت نظري إلى هذه الأمور، فأقبل بنصائحه أحيانًا، وأهرب منها في بعض الأحيان، أحب كثيرًا أن أعمل مع محرر أدبي محترف، ولكنني أعتقد أن المحررين ينظرون إلي بوصفي طفلًا مشاغبـا أكثر من كوني كاتبًا رصينًا!

(*) يشير النقاد دائمًا إلى براعتك في "التشريح النفسي" لأبطالك، الذين يبدون مأزومين، وفي بحث دائم عن خلاصهم الفردي. كيف تبني هذه الذوات المركّبة من الداخل؟ وهل تتعاطف، في أثناء الكتابة، مع أبطالك المأزومين، أم تتركهم لمصائرهم بحياد الراصد الخارجي؟
أنا كاتب متعاطف مع شخوصه، حتى الخطاة والعصاة منهم، أحاول مع كل شخصية أن أمارس لعبة التقمص، فلا أرضى عنها حتى أصدقها، لكل شخصية في النص ماضٍ شكّل حاضرها في زمن الرواية، ولكل شخصية دوافع، وكل منها يتطوّر تدريجيًّا وفق خبراته المكتسبة، ولذلك لا بد أن أصدق أن هذه الشخصية حقيقية قبل أن أقدمها للقارئ. كثيرًا ما أستمد الخطوط العريضة للشخصية من الواقع، فأنا أدعي أنني مراقب جيد، وملتقط لا بأس به. أحدّد لكل شخصية مسارًا في مرحلة التخطيط لتحويل الفكرة إلى بنية سرديّة، ولكنني لا أجبر نفسي على الالتزام بالمسار، فقد تفرض علي الحكاية، أو الشخصية، أمرًا مختلفًا. على سبيل المثال، في مخططي لكتاب "صلاة القلق"، كان من المفترض أن يموت حكيم في نهاية النص، ولكنني عندما وصلت إلى هذه النقطة، لم أستطع أن أقتله، كان يستحق أن يعيش!

(*) يُقال إن الرواية المعاصرة لم تعد مجرد حكاية تُروى، بل صارت مساحة لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى. من موقعك، هل على الروائي أن يقترب من تقديم إجابات، أم أن مهمته الأسمى هي إرباك القارئ بالأسئلة، وتركه وحيدًا أمامها؟
الرواية المعاصرة، والكلاسيكية، والرواية في المستقبل، ستظل دائمًا معنيّة بطرح الأسئلة. مهنة الروائي، حسب رأيي المتواضع، تتمحور حول تسليط الضوء على مواضع العوار المجتمعي، وتسديد بصر القارئ صوب المشكلة، ومن ثم تكوين وعي جمعي يسهم بمرور الوقت، وازدياد القراءات، في البحث عن إجابة. الرواية التي تقرأ فلا تترك في عقل القارئ علامة استفهام بعد قراءتها، حسب رأيي لا يعوّل عليها فكريًّا وثقافيًّا، بعض النصوص تكتب لتحقيق المتعة القرائية فقط، وهو أمر لا أستنكره ولا أقلل منه، ولكن الأدب الذي أحب قراءته، والكتابة التي أود أن أقدمها للقراء، يجب أن تطرح أسئلة، ولكنني ككاتب، لا يفترض بي أن أقدم الأجوبة، لا أحب أن أقوم بدور الواعظ الذي يقف في كرسي عالٍ ويشرح للقراء ماهية الصواب والخطأ، ويقدم النصح والإرشاد، هذا ليس دوري، إنما أنا فقط معنيّ بلفت الانتباه، ودق الأجراس، والإشارة إلى المشكلة، أو الخطر، أو موضع الخلل.

(*) ما هو الطقس الخاص، أو الشرط الذي لا تستطيع الشروع في كتابة نص جديد من دون توفره؟ وحين تنهي عملًا روائيًا ضخمًا استنزف طاقتك، كيف تتعافى من ذلك "المخاض"، وكيف تولد عندك شرارة العمل التالي؟
الهدوء، السكون، وما أسميه بالصمت الرهيب، كما غنّت نجاة الصغيرة في سياق مختلف، عندما أدخل في حالة من العزلة الحقيقية، يتضاعف معدل كتابتي، هذا مما لاحظته خلال السنوات الأخيرة، لذلك لا يمكنني أن أبدأ في كتابة، أو استكمالها، وأنا محاط بالصخب. ولعلكِ الآن تدركين صعوبة توفير هذه الحالة من الهدوء في ظل العصر الذي نعيش فيه.
لدي على اللابتوب مجلد أسميته صندوق الأفكار، أدوّن فيه كل فكرة ترد إلى خاطري من خلال الحياة اليومية والمشاهدات المتكررة، في العمل، في الشارع، في السينما، وفي أثناء القراءة. لذلك أختزن ما ألتقطه من الأفكار أولًا بأول، وعندما أتجاوز حالة اكتئاب ما بعد الكتابة، أي بعد تسليم النص النهائي إلى الناشر وانقطاع صلتي بعوالمه، أعود إلى هذا الصندوق، وأتجوّل بين الأفكار، فألتقط منها فكرة، وأشرع في بلورتها، وفي بعض الأحيان، كحالة الرواية التي أكتبها الآن، والتي بدأت كتابتها في عام 2023، كانت فكرتها من خارج صندوق الأفكار، إذ قفزتْ بغتة إلى دماغي فشغلتني، وعندما شرعتُ في كتابتها، شعرت بمتعة كبيرة، فواصلت الكتابة، لكن الجائزة وما تلاها من ارتباطات والتزامات أمور عطلتني لفترة ليست بالقصيرة. عدت إلى هذه الرواية منذ بضعة أشهر، وأواصل الاشتغال عليها بذات الطريقة وبالمنهج نفسه.


تم تسليع كل شيء في حياتنا

(*) مع تصاعد دور منصات التواصل الاجتماعي وبروز ما يُعرف بـ "صنّاع محتوى الكتب"، كيف ترى أثر هذه المنصات على حركة النقد الحقيقية، هل أسهمت في تسويق العمل الجيد والوصول به إلى قراء جدد، أم فرضت معايير تجارية واستهلاكية على حساب الجودة الأدبية؟
تم تسليع كل شيء في حياتنا، حتى المتع البسيطة، كالقراءة، ومن قبلها منصات الأفلام والمسلسلات، ومن قبلهما مباريات كرة القدم. كل شيء اليوم بات خاضعًـا لمنطق السوق والسعر، حتى أنني أشفق على الناس حين أتابع مؤشرات ارتفاعه. الترويج للكتب عملية تسويقية بحتة، بعض صناع المحتوى يمتلكون الضمير الأدبي والإنساني، فيقدمون قراءات عن أعمال يرون أنها تستحق أن يلقوا الضوء عليها، لكن الأكثرية تعمل وفق منهج تجاري بحت، موجهة من دور النشر، ومن الكتاب أنفسهم في بعض الحالات. هذا يؤثر على المتلقي بطبيعة الحال، ويسهم بشكل كبير في إرباك القراء، خصوصًا من دخلوا مؤخرًا إلى عوالم القراءة. ولكن، لا أود أن أبالغ في ذكر الآثار السلبية للحملات الترويجية الموجهة، ففي النهاية، يظل الزمن هو الحكم العدل.
الحركة النقدية في العالم العربي تعاني بدورها من صعوبة إيصال صوتها للقارئ والكاتب على حد سواء. هنالك مشكلة يواجهها النقد الأكاديمي، وهي اللغة النقدية المستخدمة في تحليل النصوص، ذلك لأن القارئ العادي لا يستوعبها بسهولة، وبالتالي لا تنتشر كثيرًا بين المجتمع القرائي. أما النقاد الذين يكتبون نقدًا انطباعيًّا بلغة قريبة من القراء، فإن قراءاتهم تواجه صعوبة الوصول إلى القراء بسبب ازدحام مواقع التواصل بكثير من القراءات الانطباعية والترويجية على حد سواء. بوجه عام، لدينا مشكلة لا يمكن إغفالها في هذا الصدد، وهي قلة المنابر النقدية التي تصل إلى القراء، وقلة عدد النقاد المهتمين بالوصول إلى القراء في العموم.

(*) أصبحت الجوائز الأدبية الكبرى، كالبوكر والشيخ زايد وكتارا، المحرك الأساسي لحركة المبيعات والاهتمام النقدي اليوم. كيف تنظر إلى هذا الدور المتعاظم للجوائز في تشكيل المشهد الأدبي العربي، وهل تخشى أن تتحول الكتابة، عند بعض الأسماء، إلى كتابة موجَّهة لذائقة لجان التحكيم؟
الجوائز أضافت كثيرًا للمجتمع وللقراء، فهي تسلط الضوء على عدد من النصوص المهمة، والتي يستحق أغلبها أن يحظى باهتمام القراء. لا يمكن لأي كاتب أن يداعب بكتابته ذائقة لجان التحكيم، لأنه لا توجد لجان ثابتة في أغلب المسابقات الأدبية. اللجان تتغير، وبالتالي فذائقة اللجان ليست واحدة، والقول بأن فلانًا يكتب من أجل الجائزة غير دقيق، وغير صحيح، فكل الكتاب يحلمون بالجوائز، وهذا حق مشروع، لأن الجائزة تمنح من يفوز بها التقدير والمقروئية، إضافة إلى الشق المادي الذي لا ينكر أي كاتب أنه يتمناه. لذلك فالفوائد التي تقدمها الجوائز أكبر بكثير من أضرارها. ويمكنني أن ألخص هذه الأضرار فأقول إن بعض القراء يحصرون اهتماماتهم بالأعمال المدرجة في قوائم الجوائز، ومن ثم فإن أعمالًا أخرى لا تقل أهمية قد يتم تجاوزها وعدم الالتفات إليها، ولكن هذا الخطأ تتحمله المنابر الإعلامية والصحافية والنقدية على قلتها، ثم القراء أنفسهم، لأنهم يبحثون عما يعتقدون أن جودته الأدبية مضمونة لمجرد وروده في قائمة إحدى الجوائز، وهو أمر غير دقيق.

(*) عند ترشّحك إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية، هل شعرت بثقل مسؤولية إضافية بوصفك ممثلًا للرواية المصرية في هذا السياق التنافسي العربي الواسع؟
لكي أكون صادقًا، عندما وصلت إلى القائمة القصيرة، كنتُ سعيدًا ومندهشًا، وعندما فازت الرواية بالجائزة في نهاية المطاف، تضاعفت سعادتي، وتعاظمت دهشتي، لأنني لم أتوقع، ولم أحلم، بأن أفوز بهذه الجائزة المهمة، بروايتي الثالثة فقط.
لكي أجيب عن سؤالك، أعتقد أنني لا أشعر بالضغط، على العكس، أشعر بمساحة أكبر من الحرية، وبرغبة أكبر في الكتابة، لأنني أواصل لعبة الكتابة كهواية، كأمر يحقق لي متعة، ولكيلا أسقط في فخ القلق، في إثر السؤال المعتاد (ماذا بعد؟)، فكما قلتُ لكِ، بعد الجائزة، عدت لمواصلة المشاريع الروائية التي بدأتها قبل الجائزة، لم أغير شيئًا في مخططاتي للكتابة، وأشعر بالراحة حيال هذا النهج الذي أتبعه.

(*) لحظة الإعلان عن فوزك بجائزة البوكر العربية لعام 2025 هي بلا شك لحظة فاصلة في مسيرتك. كيف استقبلت الخبر في تلك اللحظة بالذات؟ ومن كان أول من شاركته تلك الفرحة الكبرى؟
لحظة ارتباك، مشاعر متناقضة امتزجت في تلك اللحظة، سعادة عارمة، دهشة عظيمة، وألم كبير لغياب والدي، لأنه كان أكثر من تمنيتُ حضوره لهذه اللحظة. كان والدي روائيًّا عظيمًا، لكنه ظلم، وانحسرت عنه الأضواء لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها. وعندما أفكر في الأمر الآن، أعتقد أنني منذ أن قررت خوض مغامرة النشر من بعد طول تردد، وعندما صممت على أن تصدر أعمالي باسمي الثلاثي، فقد كان رد الاعتبار لوالدي أحد أهم الأسباب المحركة لي منذ البداية، أردت أن أعيد اسمه إلى دائرة الضوء التي لطالما استحقها. قرار النشر، ثم مواصلة النشر بإصرار كبير رغم تعثر نشر الرواية الأولى، وتعرضي لكثير من الأمور السلبية في تلك التجربة، كلها أمور أرى الآن أن انتمائي لاسم والدي كان المحرك الأساسي وراءها.
بكل أسف، والدتي مريضة بألزهايمر، وعندما فزت بالجائزة، كنت بعيدًا عن أبنائي، كريم وزياد، وكنت أعيش وحيدًا في غرفة بالشركة التي أعمل فيها، إذ أنني لأسباب شخصية؛ لم يكن لي بيت في هذا المرحلة من حياتي، كنت وحيدًا مبتعدًا عن ولديّ، ووالدي توفي في سنة 2013، وأمي لا تتذكرني إلا في ما ندر من لقاءاتنا، كما أنني مُبعد عن ولديّ. كانت مرحلة قاسية من حياتي، لكن أول من اتصلت به كان ولديّ، كريم وزياد.