كثيرًا ما أُجريت مع شوقي عبد الأمير حوارات تناولت السياسة، والدبلوماسية، والمنفى، والمؤسسات الثقافية التي أسهم في تأسيسها أو إدارتها. غير أنّنا اخترنا لحوارنا هذا طريقًا آخر، إذ يترك كل تلك العناوين عند الباب، ليدخل مباشرة إلى المكان الذي يبدو فيه شوقي عبد الأمير أكثر صدقًا: الشِّعر.
نجلس وجهًا لوجه مع الشاعر، ونتركه يقودنا إلى العالم الذي يسبق كل الأدوار الأخرى: عالم القصيدة. من هناك تبدأ الأسئلة. من الرنين الذي يسبق الكلمة، إلى الطفولة بوصفها الينبوع الأول للشِّعر، ومن جلجامش إلى قصيدة النثر، ومن العراق الذي يسكنه كلما ابتعدَ عنه، إلى اللُّغة التي يرى فيها السِّيرة الحقيقيَّة للإنسان والكون.
هذا الحوار محاولة للاقتراب من الورشة الداخلية التي يولد فيها الشِّعر، ومن الرؤية التي جعلت شوقي عبد الأمير واحدًا من أبرز الأصوات الشعريّة العربيّة التي انشغلت، على امتداد تجربتها، بسؤال اللُّغة والوجود أكثر من انشغالها بأجوبة الواقع. في جلسة بيروتيّة كانت لـ "ضفة ثالثة" هذه الإطلالة.
(*) قلت لي سابقًا إنَّ الرنين سبق الكلمة. ولكن متى بدأ الشِّعر؟
أعتقد أنَّ الشعر هو عودة أبديّة إلى البدايات، إلى ذلك الزّمن العميق الذي نسميه الطّفولة أو المجهول أو الماضي السّحيق. إنّه زمن لا يستطيع التواصل معه إلا الشّاعر بعفوية كاملة. هناك حشرجة غامضة تخرج عبر الكلمات لتؤاخي ذلك المجهول بحاضر الشّاعر، ومن هذه العلاقة تولد القصيدة.
القصيدة تأتي وحدها، مثل زخّة مطر تهطلُ فجأة على أعماق الكائن. وما يفعله الشاعر هو أن ينقل هذه التجربة إلى اللّغة، بكلّ ما تملكه لغة الشّعر من خصوصيّة. أتذكَّرُ وأنا أحدِّثُك الآن كلماتي هذه: "عندما أصغي إلى الغيهب تولد قصيدتي". الغيهب هو الخالق الحقيقي للنص، لكنني لا أحب الإكثار من تفسيره، لأن أي تفسير يفتت التجربة. الشّعر أشبه بنيزك يعبر في لحظة خاطفة، ولا يلبث أن يتحوّل إلى كلمات.
(*) لكن لو قررتُ العودةَ معك إلى البدايات، ما الذي تمثله في تجربتك؟
لأصدقكَ القول إنّني لا أميز بين بداية ونهاية في القصيدة. أستعير هنا رؤية جلال الدين الرومي: النقطة هي البداية وهي النهاية. القصيدة زمن قائم بذاته. أما الذاكرة فهي بالنسبة إليّ مخزن غامض، لا أستطيع أن أتجوَّل فيه متى أشاء، هو الذي يتجلى بإيقاعه الخاص. الذاكرة قوة خفية تغذي نظرتي إلى العالم، وحكمي على الأشياء، وإحساسي بالجمال. لذلك ستجد أنّني أبتعد عن ماضٍ أو حاضر في الشعر، همي ينحصر في زمن النص.
(*) لماذا تحتلُّ الطُّفولة هذه المكانة في شعرك؟
الطفولة هي المنبع الأول للشعر. الطفل ليس كائنًا جاهلًا كما يقال، هذا الكائن مكتظ بالأحاسيس والأسئلة والدهشة. قد تنقصه المعرفة، لكنه يمتلك كثافة شعورية يفتقدها الكبار.
المعارف تُكتسب لاحقًا بالقراءة والتجربة، أما الشعر فينبع من تلك المنطقة التي تتشكل قبل الوعي، من الأصوات الأولى، والألوان الأولى، والانطباعات التي تترسب في اللاوعي منذ اللحظات الأولى للحياة. لهذا أرى أن المعرفة ليست أكثر من إضافة إلى الشعر، أما ينبوعه الحقيقي فهو تلك المنطقة الغامضة التي تتكوّن وحدها في أعماق الكائن، قبل أن يعرف أسماء الأشياء.
(*) من كان شاعرك الأول؟
رشيد مجيد، خالي. يصعب عليّ تفسير علاقتي به إلا شعريًا. كنتُ في السادسة تقريبًا عندما كان يأخذني إلى استوديو التصوير الذي يعمل فيه، ويجلسني أمامه ليقرأ قصائده بصوت مرتفع، حتى تحمر عيناه وتسيل دموعه. لا أعرف لماذا اختارني من بين إخوتي، ولم أكن قد كتبت شعرًا بعد. لكنني أشعر اليوم أنه رأى بعين الشّاعر ما لم أكن أراه في نفسي.
عندما كبرتُ وعدتُ إلى تلك القصائد، أدركتُ أنه كان يقرأ لي شعرًا عظيمًا. كان شاعرًا كبيرًا، من جيل السياب، وأحد مؤسسي قصيدة التفعيلة، لكنه آثر العيش بعيدًا من الأضواء. ذهب مرةً واحدة إلى مهرجان المربد، ففازت قصيدته "وجه بلا هوية" بالجائزة الأولى، ثم عاد إلى الناصرية غير معنيّ بالمجد الأدبي. بقي بالنسبة إليّ شاعري الأول.
(*) وما الذي بقي من الجائزة الأولى التي نلتَها أنت؟
بقيت دموع أبي. لا تزال تلك اللحظة حاضرة في داخلي كأنها حدثت أمس: إعلان فوزي بالجائزة الأولى في الشعر العمودي في كلية الآداب عن قصيدة لفلسطين، ووجه أبي وهو يبكي فرحًا.
كان قد سمّاني أحمد شوقي تيمنًا بالشاعر الكبير، وكان أول كتاب وقع بين يدي في طفولتي هو الشوقيات. تبدو هذه مجرد مصادفات، لكنني لا أؤمن بأنها مصادفات كاملة. أشعر أن بينها خيطًا خفيًا يشبه ذلك الغيهب الذي يولد منه الشعر.
دموع أبي كانت أهم من الجائزة نفسها. أما الجائزة، فقد جاءت كاعتراف مبكر بي شاعرًا وأنا في السابعة عشرة، في زمن كانت فيه كلية الآداب ومهرجاناتها تمثل أعلى مرجعية للشعر العربي.
(*) دخلت الشعر بقصيدة عن فلسطين، فهل دخلته من باب السياسة؟
يمكنكَ أن تقول ذلك، دخلتُ الشعر، من باب السياسة. لا أدري إذا كانت قصيدتي التي كان عنوانها "فلسطين أبدًا" والتي كانت ترثي النكسة التي أصابت الأمة العربية عام 1967، قصيدة سياسية. لا أعتقد أنها كانت سياسية، لكن الموضوع الوطني، الموضوع القومي، موضوع الكرامة العربية التي سُحقت في تلك الأيام، كان الصَّرخة الشعرية الأولى لي. بعدها واصلتُ الكتابة، وكانت قصائد حب.
في الواقع، لم يتعلق الأمر بموضوعة معينة، كان ذاتيًا وعميقًا. إحساسي بالاندحار، إحساسي بالانكسار، إحساسي بالهزيمة، انطلاقًا من الهزيمة القومية، ومن الكارثة التي حلّت بفلسطين، تجاوز البعد السياسي، وتجاوز البعد العراقي، إلى الذات التي انكسرت. أحسست بأنه أعمق جرح، خارج حياتي اليومية الفردية، جرح يربطني بكل عربي، بكل عراقي، بكل إنسان. أعتقد أن هذا كان الحبر الأول لقصيدتي.
(*) أفهم منكَ أنّك حاولت أن تكتبَ الهزيمة؟
الشعر لا يكتب الهزيمة، كما لا يكتب النصر. الشعر يتجلى كمدى، كأفق. يخرج بالفرد، يخرج بالكائن، بالشاعر، خارج كلّ الأوصاف. يكون النصر، وتكون الهزيمة، مثل عود ثقاب، مصدر ضوء أولي، ثم تدخل في متاهات الذات، وفي مسارات لا تسبرها إلا الروح الخفاقة التي تتحرك دائمًا بواعز الكشف والتحدي والتغيير.
كل العناوين والأسباب ذرائع للنص الحقيقي. أما النصوص التي تلتحف بعناوينها فتبقى بلا قيمة. العنوان، بالنسبة لي، يفتح باب القصيدة، مثل بوابة تطلقكَ في صحراء، أو على قمة جبل، ثم تترككَ. تنسى البوابة، تنسى المصدر، وتضيع حيث ترميكَ تلك الإضاءة، أو تلك اليد الخفيّة التي تقودكَ حيث تريد هي.
(*) دعني أسألكَ ماذا بقي من جلجامش في الشّعر الحديث؟
بقي كلّ جلجامش، ولا ندري ماذا سيبقى من الشّعر الحديث. هذا هو التحدي الذي يطلقه شاعر جلجامش، أو لا أدري: هل هو شاعر؟ وهل هو قصيدة أصلًا؟ مَنْ يعلم؟
هذا هو السؤال الذي لا نسأله، وكأننا نملك حقائق هذا النص. أنا لا أستطيع أن أقول إنه إلا نص، لكن هل هو قصيدة؟ من قال إنه قصيدة؟ نسميه ملحمة، من قال إنها ملحمة؟ من شاعرها؟ لماذا لم يوقّعها؟ ولماذا كُتبت؟ هل هي نص لاكتشاف حقائق الوجود؟ هل هي نص ديني؟ هل كان يُقرأ في المعابد؟ كلها أسئلة مجهولة.
نحن أمام نص يقول في كلماته الأولى: "هو الذي رأى كل شيء، فغنِّ باسمه يا بلادي". كأنه رأى كل شيء، وكأنه إله. من يرى كل شيء؟ الإله. يبدأ جلجامش بلغة إلهية، كأن الكون لوحة أمامه يرسمها.
جلجامش نص خطير، ليس فقط بفكرته، وهي فكرة عظيمة طبعًا، أنه أراد أن يكتشف الخلود ولم يجده، وأن الأفعى سرقت نبتة الخلود. هذا صحيح. لكن جلجامش، عبر كل ذلك، هو الذي صالح البشرية مع موتها. لولا هذا الفناء لتأبدت، وربما أصبحنا كالأشياء. النهاية هي الخالقة، وعلينا أن نعشق النهاية لنحب الحياة.
جلجامش نص عظيم. وسومر رأت، عبر تجاربها ومعارفها، ما لم نره حتى اليوم، على الرغم من كل أدوات الحضارة التكنولوجية. سارت بطريق آخر، طريق المغامرة الإنسانية، وكان جلجامش يقود هذه المغامرة. وربما كان يعلم ما لا نعلمه، أما نحن فما زلنا نردّد ما يقوله.
(*) لدي شعور دائم أنّ قصيدتك في كلّ أشكالها هي حوار مع العراق الأول؟
الثمار عطاء تحت الشمس وحنين إلى الجذر في الوقت نفسه، هكذا تكون القصيدة. لا يمكن إلا أن تكون امتدادًا عموديًا لا أفقيًا، امتدادًا نحو الماضي، بصفته الحجارة الأولى في معبد الأنا.
هذا التأسيس يتواصل عبر النص: تأسيس الذات، تأسيس الأنا، هندسة الوجود الذي تعيش فيه. العراق بالنسبة لي ولادة، وثقافة، ودم يجري في عروقي. كيان أتوحد به، وأنصهر فيه عندما أكتب القصيدة. نتحول معًا إلى منحوتة جديدة تخرج من هذا المصهر الذي هو العراق، ليمنحني النص.
هذا المصهر، الذي هو العراق، لا يمكنني أن أخطو خطوة واحدة خارج حدوده إلا وأكون داخله. كلما ابتعدت أكثر عن العراق، دخلت فيه أكثر.
(*) إذًا عمَّ تبحث، عن الدلالة؟
أنا لا أبحث عن الدلالة، ليس بهذا المعنى. الدلالة بالنسبة لي تبدأ في النص، لكنها لا تنتهي فيه، تنتهي عند القارئ، ولهذا لها نهايات لا نهائية، بعدد القراء. النص الحقيقي هو تفجير لمفهوم، لرؤية، لإحساس، يبدأ عند الشاعر، لكنه يتناهى إلى القراء، كلٌّ بإيقاعه، ووعيه، وإحساسه، وصلته بالنص.
لهذا فالدلالة الشعرية حالة امتداد، حالة تبلور لرؤية تبدأ بالشاعر وتنتهي بقارئه، ولذلك هي متجددة. يمكن أن يُقرأ النص مئات المرات، بمئات الدلالات. هنا تكمن أهمية الشعر. القصيدة التي تُقرأ بمعنى واحد وتنتهي عنده، قصيدة مسطحة، خطاب مباشر، معلومة تُنقل بشكل أو بآخر.
أما النص الذي يفجر الدلالات، النص الذي يشبه الانفجار الكبير داخل اللغة، فهو يشبه تكوين الكون، لكنه انفجار مصغر يحدث داخل اللغة.
لذلك أتحاشى في النص الشعري المعنى الذي يمكن أن يصل إلى القارئ محددًا ومبرمجًا، فهذا ليس شعرًا.
(*) في أيّ لحظة لديك تبدأ القصيدة؟
تسألني كيف تبدأ القصيدة؟ تبدأ بعبارة حبلى، عبارة حبلى تلد أخرى، وهكذا يتفجر النص من عبارة أولى، لا من فكرة، ولا من رؤية جاهزة.
الشعر جنين اللغة، هذا يجب أن نعرفه. الشعر يولد من اللغة، واللغة هي، في الوقت نفسه، جنين الشعر وأمه. هي تلد الشعر، والشعر يحميها، ويطورها، ويطوعها، ويعيد صياغتها.
لا ننسى أن العالم، والكون، والوجود، والحياة، كلها يمكن اختزالها في اللغة. يمكن للغة أن تعيد صياغة العالم، ونحن نعيش العالم في اللغة، ونعيد صياغة اللغة ونعيشها بأجمل حالاتها في الشعر. والشعر هو جذر الجمال في اللغة.
الشاعر يتحوّل إلى قارئ
بعد كتابة القصيدة
(*) ولكن أين تنتهي سلطة الشاعر؟
الشاعر، بعد أن يكتب القصيدة، يتحول إلى قارئ، قارئ لها كأي قارئ. القصيدة تخرج منه، وتنتهي العلاقة معها، ويصبح قارئًا لها، كأي قارئ آخر. وأحيانًا يتفاجأ بجمالها، أو بضعفها، أو ببعض الدلالات التي تولد منها. ثمة مجهول داخل النص، ثمة أرض مجهولة في هذا الجسد الشعري، ثمة طريق في طريق الشعر. لا يجب أن نفكر مع القصيدة أننا أمام شيء منجز. نحن ننجزه، ونحن نكمله، والقراء يكملونه أيضًا. سلطة القارئ هي السلطة الحقيقية. أما الشاعر فهو لحظة حادث طارئة، تأتي بميلاد، تأتي بنصوص، ثم يصبح الجميع قراءً لها، بمن فيهم الشاعر نفسه. والقارئ الأكبر هو الزمن.
(*) دائمًا ما تعود إلى فكرة الرنين، ماذا تريد منها؟
نعم، في البدء كان الرنين. يقول السَّلف: "في البدء كانت الكلمة" ثم صارت الكلمة جسدًا. لكن قبل أن تكون الكلمة، كان الرنين، ثم كانت الكلمة. الشعر يمضي أعمق، وأعمق نقطة في عملية الخلق تبدأ شعرًا.
(*) وما الرنين في نهاية المطاف؟
الرنين، عندما يبدأ في أعماق الكائن، يمر بعملية تمثل، وتجوهر، ثم تجسد، ليصبح كلمة. هذه السيرورة هي المسار الغيهبي لعملية الإبداع الشعري.
(*) أتوافق أنّ كل مجموعة شعرية قطيعة مع سابقتها؟
في الواقع، هذا سؤال مهم. أنا أعيش الشعر كما أعيش الحياة، كما أعيش لحظات الخوف، ولحظات السعادة، ولحظات الاقتراب من الهاوية ومن الجنون. كل هذه المجاسدات صفحات لقصائد، وكل لقاء بهذه العناوين يلد نفسه، يلد نفسه بالطاقة وبالشكل الذي يختاره.
النص خالق نفسه عندي، يولد من ذاته. أنا لست إلا الممر، المبرر، اللحظة الخارجية السطحية التي تُقرأ من خلالها الصور والرؤى والمعاني والصرخات. لذلك تجدني، وبسبب اطلاعي على الكثير من التجارب الشعرية العربية والعالمية، أجدد دائمًا في أدائي، الذي أريد له أن يكون صورة حقيقية للحظة الشعرية.
القصيدة بالنسبة لي لحظة تتوازى فيها الأنا المعاشة، الأنا الظاهرة، مع الأنا المكتومة، الأنا الغاربة. وهذه الجزيرة تتحدد داخل اللغة وداخل الإيقاع بشكل مختلف، لكن يربطها عنصر أساسي هو الجذور العميقة الممتدة بين وعيي ولا وعيي.
عبر هذه الجسور أستقرئ النص. فتارة يأتي هادئًا منثورًا، وتارة يأتي صارخًا، صادمًا، بإيقاع حاد. هو الذي يختار صيغته النهائية. أنا لا أسأل القصيدة، ولا أريدها أن تكون كذا أو كذا. القصيدة تقول لي: "أنا هنا، بهذا الشكل، شئت أم أبيت، اكتبني فقط".
(*) أفهم منكَ أنّ الشّعر هو كلّ أشكاله؟
عمومًا، لا يوجد شعر واحد، لدينا أشكال شعرية متعددة، وطرق مختلفة لتناول الرؤية والدلالة. لكنها جميعًا، عندما تلتقي داخل القصيدة وتصبح شعرًا، تبرر اختيارها. أما إذا لم تصل إلى اللحظة التي تتجلى فيها شعرًا، أي إلى الجذر الأعمق للرؤية والدلالة، فلن تكون شعرًا، وبالتالي لا قيمة لها.
(*) دومًا ما تعود إلى التلاوات والمزامير، لماذا "تلاوات" و"مزامير"؟
حتى في اختيار اسم "تلاوات" لقصائد التفعيلة، و"مزامير" لقصائد النثر، ثمة علاقة خاصة، وليس اختيارًا بريئًا كما ترى. تطرقت إلى هذا شعريًا في ديواني "أنا والعكس صحيح" حين قلت: "أجمع الأصداف والشواطئ والحوريات، وأدلق لساني بوجه البحر، ثم أكتب قصيدتي فوق شال حريري يعقد حول عنق الفجيعة".
قصيدة النثر رؤية للعالم
(*) هل ربحت قصيدة النثر حريتها وخسرت موسيقاها؟
لا، كما قلت قبل قليل، قصيدة النثر لم تخسر موسيقى، ولم تربح شيئًا كان مفقودًا. إنها ولادة جديدة في حياتنا الشعرية، ولادة لا آباء لها في الشعر العربي. آباؤها رامبو، وإليوت، وبودلير، وويتمن، وماياكوفسكي. ليست استمرارًا، ولا تطورًا، ولا اعتراضًا على ماضي الشعر العربي. يجب أن ننظر إلى قصيدة النثر بوصفها ولادة حقيقية، جسدًا جديدًا ينمو في حياتنا الثقافية. هناك من حاول أن يربطها بالنثر الصوفي، كما عند النفري، أو بالنثر الجاهلي، لكنني لا أعتقد أن لذلك مبررًا.
قصيدة النثر رؤية إلى العالم. اللغة تختزل فيها، واللغة العربية تعود إلى دور آخر، خارج رقصتها الإيقاعية، لتدخل في لحظة تأملية، وتجدد بشرتها وكينونتها وتجليها في هذا الفن العظيم.
(*) لكنّك قلت إنّ لديك مآخذ على من يكتبونها؟
ألاحظ أنّ كثيرين ممن يكتبون قصيدة النثر اليوم مستواهم في اللغة العربية ضعيف، وفي نصوصهم أخطاء كثيرة، وتراكيب هشة، وأحيانًا تبدو القصيدة وكأنها مترجمة. هذه مشكلة، لكنها لا علاقة لها بقصيدة النثر نفسها، هي مرتبطة بتجارب أصحابها.
أما شعراء قصيدة النثر الكبار فلا غبار على لغتهم، وهي لغة عظيمة أيضًا. لذلك يجب أن ننتبه إلى أن قصيدة النثر فرصة تاريخية تمنح اللغة العربية مجالًا جديدًا لتتجلى فيه.
(*) أعود إلى قصيدتك لأقول إنّ الزمن يبدو لي البطل الحقيقي في قصيدتك؟
المكان هو البطل الحقيقي في قصيدتي. الزمن ليس إلا عابرًا يخترق المكان، يترك بصماته فيه ويمضي، وأنا جزء من هذه البصمات. بالنسبة لي، الزمن كتلة واحدة، كما قلت قبل قليل، زمن برغسون: لا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، هو كلٌّ متحد.
أبطال الماضي قد يكونون انتهوا في التاريخ، وبقوا مجرد ذكرى أو أرشيف، لكنهم أحياء في القصيدة. لا يوجد ماضٍ في القصيدة. جلجامش يحيا، وكل الرموز التي اندثرت عبر التاريخ تعود لتحيا وتنبض داخل القصيدة.
والغريب أن الأمر لا يقتصر على القصيدة. في حياتنا اليومية أيضًا يعيش عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والمسيح، ونابليون، والإسكندر، وجلجامش. نتحاور معهم، ونختلف حولهم، وتتحدد السياسات والاتجاهات الفكرية في حوار معهم.
كأن المجتمعات العربية مجتمعات شعرية بامتياز، لأن الزمن فيها ذائب، كما يحدث في القصيدة. الماضي يعيش بيننا. وهنا تكمن أهمية الشعر. كان باشلار يقول إن هناك الزمن، وهناك الديمومة. الزمن لا بداية له ولا نهاية، ونحن لا نعرف إلا جزيرة اسمها الحاضر. أما الديمومة فتبدأ بالولادة وتنتهي بالموت، والأحداث حلقات تتواصل بين البداية والنهاية. هذه الحركة الأفقية يسميها باشلار حركة القطار، ولذلك كان يقول إن الناس يحبون قراءة الروايات في القطارات، لأنها تتماهى مع حركة الزمن. أما أنا فأعتقد أن المكان هو الأصل.
(*) والأسطورة أين تضعها؟
في القصيدة، لا يحتاج الشاعر إلى مفردات كالأسطورة أو التاريخ. هذه مفردات تنتمي إلى الدراسات والبحوث والتقارير، ولا علاقة لها بالشعر. أنا لا أذكر الأسطورة كأنها أسطورة، آخذ البطل أو الحدث وأتبناه، وأكونه، وأجسده، وأمنحه أفقًا، وأدخله في تلافيف النص، فيصبح جزءًا منه. عندها لا يعود أسطورة، يصير مادة معرفية مكتظة بدلالاتها ورموزها. وبهذا المعنى، فأنا لا أحتاج إلى الماضي لأكتب الحاضر؛ لأن الماضي والحاضر والمستقبل، في القصيدة، واحد.
وهذه هي خصوصية الشعر. كل الذين يتحدثون عن استعمال الأسطورة في الشعر، وعن دلالاتها، أرى أن هذه أمور سطحية جدًا. البطل الذي آخذه من الماضي يتجسد لدي، ويصبح نابضًا بدلالاتي وبحضوري أنا. هو استعارة من ذاكرة الزمن، أستعملها كمفردة في قصيدتي.
(*) هل المنفى والحرب والرثاء هي موضوعاتك الأساسية؟
المنفى، والحرب، والرثاء، كلها عناوين موجودة، لكنها بالنسبة لي ذرائع في الشعر. قد أكتب من خلالها نصوصًا، لكنها ليست المقصودة لذاتها. كلها وسائل لاكتشاف تلك اللحظة العظيمة، لحظة الغيهب التي ينبع منها كل شيء.
(*) ماذا يعني لك المنفى؟
سألتني عن المنفى، وهذا سؤال مهم. أنا قضيت أكثر من نصف قرن في المنفى، كما يقال. وأقول "كما يقال"، لأن كلمة المنفى ذات دلالة سلبية، تقترن بالغربة، والقسوة، والنفي، والإقصاء عن الوطن. وهذا صحيح على المستوى السطحي.
أما بالنسبة لي، فالمنفى تجربة ولادة جديدة، إذا نجحت في أن تولد من جديد، ويكون الحاضن الذي يستقبلك هو العالم نفسه، الحضن الإنساني، لا الحضن العائلي. حين تولد في بلدك، تولد داخل العائلة، ثم المدينة، ثم الوطن. لكنها كلها حدود صغيرة، لا تكفي لكي تتشبع بهواء الوجود الحقيقي. هواء الوجود الحقيقي يبدأ عندما تولد خارج هذه الدائرة، خارج الحدود. هنا تبدأ المغامرة العظيمة لولادتك. هنا تكتشف أن جسدك مرتبط بالإنسانية، وأن كل الأحضان التي كانت تضمك في وطنك الأم ليست سوى قيود أو حواجز، مثل شجرة ترتطم أغصانها بالسقف، ولا بد أن يتحطم السقف حتى تمتد في الأفق.
المنفى، يا صديقي، هو الطريق الأعظم للدخول في المغامرة الإنسانية بالنسبة للفرد. الأوطان بدايات، تنشأ فيها، وتنشأ بينك وبينها علاقات حب، أو قهر، أو معارك، لكنها لا تكفي لكي تحدد علاقتك بالعالم. العلاقة بالعالم تولد خارج الحدود. وأستطيع أن أقول إن أعظم أشكال المنفى تحدث عنها البابليون، حين اعتبروا أن المنفى الحقيقي ليس خارج الحدود. الأرض، والحدود الجغرافية، واللغات، كلها ملك للإنسان.
أما المنفى الحقيقي فهو في الزمن. حين تملك جسدًا، ولا تملك حاضرًا، حين يكون جسدك مركونًا في انتظار ما سيأتي، أو أسير ما مضى، يكون حاضرك مصادَرًا. عندها تملك جسدًا لا حاضر له، وهذا هو المنفى الحقيقي.
(*) هل الشعر يصف العالم أم يعيد خلقه؟
الشعر الحقيقي لا يصف العالم. أقول أكثر من ذلك: الشعر لا يصف أي شيء. أي وصف هو خارج الشعر. الأوصاف مضرة بالقصيدة، وكلما ازدادت داخل النص ضعف النص. الشعر يعيد صياغة العالم، ويعيد صياغة هذا الحضور، هذا المعاش، هذا الموروث، لأن اللغة قادرة على كل شيء.
تستطيع اللغة أن تحطم كل شيء، وأن تبني كل شيء، بشرط واحد: أن تخلق الجمال. افعل ما شئت باللغة، اخلق. المتنبي كان يلعب باللغة، ويسخر من كل شيء، لكنه كان يمنحها جمالًا، ولذلك نعشقه ونحبه. الجمال هو السحر الذي يقودنا، وهو السر الحقيقي لوجودنا.
والشعر والجمال صنوان. لذلك فإن خلق الصورة الشعرية داخل اللغة يقوم على أساس واحد، هو منطق الجمال. وبهذا المنطق تستطيع أن تعيد كتابة كل شيء: تاريخك، وقناعاتك، وعشقك. كل شيء ينتقل إلى اللغة، لكن بجمالية. السر كله في خلق الجمال. والجمال هو الحقيقة. لا شيء جميل يكون زائفًا، ولا يمكن لشيء زائف أن يكون جميلًا.
(*) تقول إنّ الشاعر يكتب سيرة الكون، ماذا تقصد؟
أضيف أن الساسة يكتبون العالم بطريقتهم، والمؤرخين يكتبونه بطريقتهم، والتجار يكتبونه بطريقتهم. كل مفاصل الحياة، عندما تنتقل إلى اللغة، تنتقل بمنطقها الخاص. فالعالم الاقتصادي مكتوب بلغة الاقتصاد، والعالم التاريخي بلغة التاريخ، والعالم السياسي بلغة السياسة. لكن هذه كلها مفاصل.
حين يكتب الشاعر العالم، يكتب كل هذه المضامين معًا. في الشعر ينصهر السياسي، والتاريخي، والاقتصادي، والعلمي، والديني، في رؤيا واحدة. وهذه هي عبقرية الشعر. لذلك، عندما يعيد الشاعر تشكيل الوجود والأيام التي يعيشها، فهو، كما قلت مرة، يكتب سيرة الكون.
بهذا المعنى، يكتب الشاعر سيرة الكون، ربما لأنه الوحيد القادر على صهر كل هذه الدلالات في رؤيا واحدة، هي رؤيا الشعر. ولا أعني بذلك أن كل قصيدة تروي الكون، بل إن العملية الشعرية نفسها هي كتابة لسيرة الكون.
(*) هل انتصر الدبلوماسي على الشاعر؟
لم ينتصر الدبلوماسي على الشاعر، ولم ينتصر الشاعر على الدبلوماسي، ولم تحدث معركة بينهما. الدبلوماسي والشاعر يتعايشان داخل اللغة. مهمة الدبلوماسي تتركز في اللغة، ومهمة الشاعر أيضًا في اللغة، لكنهما لغتان مختلفتان، ومنطقان مختلفان. يستفيد الشاعر من الدبلوماسي بالقدرة على الوضوح، ويستفيد الدبلوماسي من الشاعر بالقدرة على الاختزال. وكلاهما يمارس دوره داخل اللغة. وأنا أعيش منذ خمسين عامًا، كما يقول الفرنسيون، بقبعتين: قبعة الدبلوماسي وقبعة الشاعر، وأتبادل الأدوار بينهما بحرية تامة. ولست وحيدًا في ذلك. الأمثلة كثيرة، ولا أرى أي صراع بين الشعر والدبلوماسية.
(*) هل ستكتب سيرتك الذاتية؟
لم أفكر بعد في كتابة سيرتي الذاتية. وهذا أمر صعب بالنسبة إليّ لسببين. الأول أن كتابة السيرة تعني الخروج إلى الهامش. حين أؤرخ نفسي، أخرج من الحدث، وأنا لا أزال في قلب الحدث. لذلك لا أفكر اليوم في كتابة أي سيرة ذاتية. هناك بعض القصائد التي تقترب من ذلك، مثل قصيدتي "احتمال السيرة"، لكنها ليست سيرة ذاتية، هي شذرات من حياتي دخلت إلى القصيدة.
ربما كانت تجربة أولى. أما السيرة الذاتية فلن أكتبها إلا عندما أخرج من المتن إلى الهامش. أما اليوم، فما زلت في المتن، في أعلى المتن.