Print
أحمد طمليه

السينما الدارجة مراهقة

26 مايو 2024
آراء
السينما تنمو أيضًا، تمر في المراحل العمرية كافة، بدءًا من مرحلة الحضانة، ثم الطفولة، ثم المراهقة، ثم الشباب والرومانسية، وصولًا إلى الرصانة والجدية والوقار. وهذا النمو يتصل اتصالًا مباشرًا بوعي المشاهد، بمعنى أن المشاهد الطفل لا يرى إلا السينما الطفلة بكل ما فيها من فرح ولهو ومغامرات مجسدة بأفلام كرتون، صنعت خصيصًا لتبهر العيون الصغيرة، وتغذي الخيال، وتنعش رغبتنا التواقة إلى التحليق. أتلاحظون أننا نتوق إلى التحليق في سنوات عمرنا الأولى، كأننا نظن أن الحياة تحليقًا لذا نكثر من تحريك يدينا على نحو يوحي كأنها أجنحة وأننا سنطير، ولكن حين نكبر، ونصبح أشخاصًا ناضجين عاقلين نستميت من أجل التشبث بالأرض.
المهم أن السينما تنمو مع نمو وعي المشاهد، فما أن يصبح المشاهد فتيًا حتى تنقلب السينما على طفولتها، بعد أن أصبح اهتمام المشاهد الفتي منصبًا على متابعة أفلام الأكشن والحركة، فتزدحم الشاشات بأفلام المغامرات والحركة والفنون القتالية، وتخلو الساحة لممثلين من أصحاب المواهب في الفنون القتالية.
وفي مرحلة المراهقة، ومع تلمس المرء لبواكير شهواته، تجد الإضاءة قد خفتت في القاعات، وراح الهمس واللمس والآهات تعلو الشاشات، وغدت السينما مراهقة، بالنسبة للمشاهد المراهق، متعطشة للحب والحياة، فتزدحم الشاشات بالمشاهد العاطفية الساخنة، والقبل الحارقة، والمشاعر الجياشة، ويتصبب العرق من جباه المشاهدين المراهقين وهم يتابعون محبوبتهم على الشاشة وقد فارقها حبيبها فراحت تعتصر حبًا في أنين وحدتها.
ثم تنضج السينما قليلًا، أو بالأحرى ينضج وعي المشاهد قليلًا، فنجده قد مال إلى الأفلام الرومانسية، حيث الحب العذري، وحيث تقديس المشاعر لا النزوات، وحيث البحث عن المشهد الموحي، والحب المستحيل، والنهايات المأساوية للأفلام، حين يفترق الحبيبان.
ويكبر المشاهد، وتكبر السينما معه، فتجده قد ذهب إلى أفلام تناقش قضايا أكثر قيمة وتجذرًا في الروح الانسانية، تجده قد مال لمتابعة الأفلام التي توغل في أعماق النفس، وتلك التي تعالج قضايا الحياة والوجود.
ويواصل المشاهد والسينما نموهما، لكنهما لا يصلان أبدًا إلى مرحلة الشيخوخة، بل إلى مرحلة الخلود، فالجسد هو فقط الذي يترهل ويشيخ، والحائط الذي يحمل الشاشة هو فقط الذي يهرم وقد يحتاج إلى ترميم، أما الوعي فانه يظل متقدًا ويواصل توهجه بعمق أصيل، حتى أنك إذا أتيح لك أن تجول في وعي شخص هرم فلسوف يبهرك فضاؤه الشاسع وصمته البليغ، كأنك تحلق في كوكب غير كوكب الأرض، وكذلك هي حال الأفلام التي ترتكز على الوعي، فلا شيء منظورًا في المدى المفتوح، والفكرة مفتوحة على التأويل، والحوار موجز عابق بالحياة، والحركة وصيف الكلمة، والصمت بليغ.
أقول ما أقول لإصابة أكثر من عصفور بحجر واحد، فمن جهة يمكن إسقاط هذا التدرج الذي عرضته ما بين تبلور وعي المشاهد وتبلور نمو السينما معه على واقع السينما التجارية الدارجة، وخاصة السينما المصرية، لرصد أية فئة عمرية تخاطب هذه السينما من خلال ما تحفل به من أفلام، ولن نحتاج إلى طول تفكير حين نصل إلى أن أغلب الأفلام الدارجة تخاطب فئة المراهقين، حيث تطغى أفلام الأكشن والمغامرات والحركة، مما يعني أن هنالك عددًا من الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية غائبة من حسابات صانعي الأفلام، إذ أنهم، لحسابات تجارية بحتة، يخاطبون الفئة التي يعتقدون أنها الأكثر حضورًا إلى صالات ودور العرض السينمائي.
ولا شك في أن هذه المعضلة أفرزت مناخات خاصة بها، فإذا ذهبت إلى أي صالة عرض تجد الحضور متجانسًا من حيث السن، والاهتمام، والميول، إلى درجة أصبح فيها ارتياد فئات أخرى لدور السينما يتم بشيء من الاستحياء...




والمشكلة أن أفلام الحركة والأكشن التي تخاطب فئة محددة يمكن مشاهدتها على شكل مجاميع، كأن يدعو الشخص أصدقاءه ويذهبون لمشاهدة أحد الأفلام، طالما أن القصد من المشاهدة هو الفرجة في حد ذاتها التي لا تحتاج إلى تأمل أو تفكير، في حين أن الأفلام الجادة يفضل أن تشاهدها وحدك، ولست بحاجة لمن تهمس في أذنه أثناء مجريات الفيلم، أو من تضرب معه كفًا بكف، أو من تشاركه الضحك الهستيري، مما يؤدي في النتيجة إلى زيادة عزلة من يود الذهاب إلى صالة السينما لمشاهدة فيلم جاد، هذا إنْ وجد مثل هذا الفيلم: تخيلوا رجلًا بكامل رصانته يقف في ردهة إحدى صالات السينما في انتظار العرض، ومحاط بجمهرة من المراهقين.
أنا شخصيًا أشعر بشيء من الحرج عندما أذهب لمشاهدة أحد الأفلام في إحدى صالات السينما التجارية، خاصة عندما أكون وحدي، فإذا قصدت سينما "معينة" أطلب من السائق أن يقلني إلى الشارع المحاذي لها، وإذا قصدت سينما "في جبل عمان" أطلب من السائق أن يقلني إلى أقرب مكان لها، وإذا قصدت سينما "في الشميساني" أطلب من السائق أن يقلني إلى مجمع بنك الإسكان. وفي جميع الحالات، أتحاشى ذكر اسم السينما خشية أن يظن السائق أنني أحمق، وأنني أبدد وقتي سدى، هذا غير الاعتقاد أنني أراهق على كبر.
والأزمة ليست فقط أزمة جمهور ومشاهدين، بل هي أزمة ممثلين أيضًا، ممن لا يجدون مكانًا لهم وسط شريحة الأفلام التي لا تخاطب إلا فئة عمرية محددة، وقد أدى هذا الأمر إلى اعتكاف، قسرًا أو طواعية، عدد من الممثلين عن التمثيل. وأشير في هذا السياق إلى حديث أدلى به الممثل عزت العلايلي (1934 ــ 2021)، عازيًا ابتعاده عن السينما إلى التفاهة والسذاجة التي تتسم بها السينما المصرية، حيث حالة الاستسهال المتفشية بين الفنانين مما يجعلهم يقبلون على تقديم أفلام تافهة، لدرجة بات من المتعذر أن تجد فيلمًا مصريًا يصلح للمشاركة في المهرجانات العالمية. وهذا ما ينطبق على ما قاله ذات مرة الممثل الراحل نور الشريف، إذ تحدث عن الممثل محمود المليجي، قائلًا، بعد الدور الذي أداه المليجي في فيلم "الأرض"، مطلع السبعينيات، ذهب إلى بيته معتقدًا أن العروض سوف تنهال عليه بعد الأداء الجيد الذي قدمه في الفيلم، لتطول إقامته في البيت من دون أن يطرق بابه أحد، وفي وقت لاحق شاهد نور الشريف المليجي يصور مشاهد لا تليق بمكانته الفنية في أحد الأفلام التجارية، فأدرك حينها أن لقمة العيش صعبة.
لقد تغير جمهور السينما فعلًا، فبحسب إحصاءات ودراسات منظمات وهيئات عالمية، مثل منظمة اليونسكو، فإن أعمار جمهور السينما حاليًا تتراوح ما بين 14 إلى 24 عامًا، بدلًا من 20 إلى 40 عامًا، كما كانت في الماضي، وهذ التغير أدى إلى تغير مواز في طبيعة الأفلام المنتجة عربيًا وعالميًا، فكأن الأفلام جميعها تعبر عن فكرة واحدة تعددت أساليب التعبير عنها، فعلى صعيد الأفلام الأجنبية التي تزخر بها دور العرض فلا جديد، إذ جميعها أفلام أكشن ومغامرات. وعلى الساحة المصرية، لا جديد في معظم الحالات سوى أفلام الكوميديا الركيكة، وقصص الحب غير المقنعة، كأن السينما في الوقت الراهن استقرت في مرحلة مراهقتها، مما يجعل المشاهد الملتزم يفكر كثيرًا قبل الإعلان عن نيته الذهاب إلى إحدى صالات السينما التجارية.