Print
إسراء عرفات

عن الهزيمة التي تستعمر الوعي

4 أغسطس 2026
آراء



في كتابه "صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب" يُورد وليد دقة بأنّ سياسات القمع والتعذيب التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية لا تستهدف فقط إيذاء الجسد الفلسطيني وتعريضه لأشدّ أنواع العذابات الممكنة، وإنّما تستهدف في مستويات أخرى عقل الفلسطيني وروحه ووعيه، أي أنّها تنشد تدمير هذا الوعي وإعادة تشكيل الإنسان الذي يحمله، من خلال إعادة بناء المنظومة الإدراكية والقيمية التي يحملها وتغيير طريقة نظرته إلى نفسه وإمكاناته، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.

في هذا السياق، يؤكد دقة أنّ سياسات صهر الوعي التي يواجهها الأسرى الفلسطينينون في السجون الإسرائيلية هي نموذج مكثف لسياسات تمتد إلى الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، حيث تتشابه آليات السيطرة والعقاب، وترتفع كلفة التجرؤ على مقاومة الواقع الاستعماري، إلى حدّ قد يصل إلى إبادة الجماعة البشرية التي تحتضن الفعل المقاوم، كما حصل في حرب الإبادة الأخيرة على غزة.

يُحيل مفهوم "صهر الوعي" عند دقة إلى مفهوم "تذويت الهزيمة"؛ أي انتقال الهزيمة من مجالها الخارجي إلى بنية داخلية تستقر في الوعي، لتغدو جزءًا من طريقة الإنسان في إدراك ذاته وواقعه وحدود قدرته على الفعل، إذ تؤدي إلى تشوّه رؤيته لذاته، وتقزيم تقديره لحدوده وإمكاناته، كما تؤثر في سلوكه وتطلعاته، وتعيد صياغة علاقته بمجتمعه ونظرته إلى مستقبله.

وتبعًا لذلك، فإنّ هناك العديد من الأعمال الأدبية والفنية التي جاءت محمّلة بتجليات تذويت الهزيمة على عدة مستويات؛ فهيَ تتجلى في فيلم "العصفور" على مستوى المجتمع والدولة، بينما تظهر في رواية "ثرثرة فوق النيل" على مستوى النخبة المثقفة، في حين تتجسد في نوفيلا "امرأة عند نقطة الصفر" على مستوى الفرد.

يقدّم يوسف شاهين في فيلم "العصفور" تذويت الهزيمة على مستوى المجتمع والدولة، فيروي قصة مجرم يُدعى أبو خضر، تلاحقه قوات الأمن، لاتهامه بتخريب أحد مصانع القطاع العام وسرقة آلاته، ويُتابع قضيته صحافي شاب يُدعى يوسف فتح الباب، وهو الذي يرى بأنّ أبو خضر ليس سوى جزء من منظومة فساد كبرى تتَحكم في مفاصل الدولة المصرية وتسرق مقدراتها، ويُطلق على هذه المنظومة لقب "اللصوص الشرعيين"، ويعتبر أن القبض عليه حيًّا هو السبيل للوصول إلى بقية المتنفذين والرؤوس الكبرى في هذه المنظومة.

يجعل شاهين قصة ملاحقة المجرم أبو خضر تسير بموازاة قصة هزيمة 1967؛ فكما تصطدم تطلعات الصحافي يوسف بإرادة السلطة، وتنتهي بمقتل أبو خضر وإيقاف نشر تحقيقاته بمجرد اقترابها من المتنفذين، تصطدم تطلعات المصريين إلى النصر في المعركة بهزيمة عسكرية تتجلى في خطاب التنحي الذي يلقيه عبد الناصر على الجماهير.

لا يرسم شاهين هذا التوازي اعتباطًا، وإنّما ليؤكد أن الهزيمة بدأت داخل الدولة قبل أن تظهر في ساحة المعركة. فاستمرار الفساد، وحماية المتنفذين، وإخفاء الحقيقة، كلها عوامل أسهمت في تقويض قدرة الدولة والمجتمع، حتى غدت الهزيمة العسكرية نتيجة لمسار داخلي طويل، لا مجرد خسارة في الحرب.

وفي هذا السياق، يتجلى تذويت الهزيمة على مستوى المجتمع والدولة في قبول واقع الفساد باعتباره أمرًا اعتياديًا، وفي اتساع الفجوة بين الخطاب الذي يعد بالنصر والواقع الذي يتآكل من الداخل. لذلك تأتي صرخة بهية: "لا... هنحارب"، رفضًا لتحويل الهزيمة إلى وعي جمعي دائم، وإعلانًا بأن مواجهة أسباب الانكسار الداخلي تسبق استعادة القدرة على الانتصار.


أما رواية "ثرثرة فوق النيل" فيروي من خلالها نجيب محفوظ تذويت الهزيمة الذي يحصل على مستوى النخبة المثقفة، وذلك عبر شخصية أنيس زكي، الموظف في وزارة الصحة، الذي يقيم في عوامة على النيل جعل منها ملاذًا دائمًا للهروب من الواقع. فقد التف حولها عدد من المثقفين وأصحاب المهن المرموقة، منهم المحامي مصطفى راشد، والناقد الفني علي السيد، والقاص خالد عزوز، ومدير الحسابات أحمد نصر، والمترجمة ليلى زيدان، إلى جانب سنية كامل وسناء الرشيدي وغيرهم.

وعلى الرغم من اختلاف مواقعهم المهنية والاجتماعية، فإن ما يجمعهم، كما يقول أحدهم، "هو الجوزة"، حيثُ تتحول جلسات الحشيش والخمر إلى مساحة ينفصلون فيها عن العالم، حتى يقول أنيس: "ليس أعدى للكيف من التفكير"، في تعبير يلخص اختيارهم تعطيل الوعي بدل مواجهة الواقع.

أما انضمام الصحافية سمارة بهجت إليهم فيكون بمثابة محاولة لزعزعة استسلامهم وانكفائهم، فهي تمثل النقيض لجماعتهم التي اختارت العبث بدل الفعل، لذلك تلاحقهم بأسئلتها: "ألا يهمكم حقًا شيء مما يدور حولكم؟"، ثم تعود لتسألهم: "كيف كنتم في مطلع الحياة؟"، محاولةً استعادة لحظة الإيمان الأولى التي سبقت انطفاءهم الأخير.

تكشف إجابات هذه النخبة على أسئلة سمارة حجم القطيعة التي تفصل أفرادها عن واقعهم، فعندما تسألهم: "ألا يهمكم حقًا شيء مما يدور حولكم؟"، يأتيها الرد: "قد ينفعنا أحيانًا كمادة لضحكنا"، ثم يمضي مصطفى راشد إلى أبعد من ذلك بقوله: "الحق أننا لا مصريون ولا عرب ولا بشر، نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوامة". ويبرر علي السيد هذا الانسحاب بقوله: "نرى أن السفينة تسير بدون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئًا". وتعكس هذه الحوارات انتقال النخبة من الانخراط في الشأن العام إلى الاكتفاء بدور المتفرج، لتغدو العوامة التي يتواجدون عليها رمزًا للعزلة الطوعية والانفصال عن المجتمع.

يُمكن القول إنّ جماعة العوامة تقترب مما يُعرف في المفاهيم السياسية المعاصرة بـ"حزب الكنبة"، وهو مصطلح يُشير إلى فئة من الناس والنخب تكتفي بالمشاهدة والتعليق، وتتخلى عن دورها في التأثير وصناعة التغيير. ويُمثّل المنتمون إلى هذا الحزب تجليًا بارزًا لتذويت الهزيمة، إذ تستقرّ الهزيمة في وعي الإنسان، فتُفضي إلى السلبية واللامبالاة، اللتين تتصدران موقفه الدائم من الواقع.

أما نوفيلا "امرأة عند نقطة الصفر" فتحكي فيها نوال السعداوي عن تذويت الهزيمة على مستوى الفرد، وذلك من خلال شخصية فردوس، تلكَ المرأة التي التقت بها السعداوي في سجن القناطر، ودوّنت قصتها بوصفها شهادة على حياة تشكلت تحت وطأة القهر والاستغلال الذكوري المتراكم. فقد عاشت فردوس منذ طفولتها سلسلة من أشكال العنف والاستغلال؛ فهيَ ولدت في أسرة فقيرة، واتسمت سنواتها الأولى بالحرمان والقسوة، فتعرّضت للختان والتحرش من عمها، قبل أن تُجبر لاحقًا على الزواج من شيخ مسن مارس عليها الضرب والإهانة.

وبعد هروبها من هذا الزواج، تجد نفسها في مواجهة أشكال أخرى من الاستغلال، فيتحول جسدها إلى وسيلة وحيدة للبقاء، وتدخل عالم الدعارة باعتباره المساحة التي تستطيع من خلالها، ولو بصورة مؤقتة، امتلاك زمام حياتها. تقول فردوس عن هذه المرحلة: "كنت في الخامسة والعشرين حين أصبح لي بيت أختاره، ومن ينظم لي مواعيد عملي في الأوقات التي أحددها، وبالشروط التي أفرضها"، في إشارة إلى بحثها عن مساحة من السيطرة داخل واقع لم يترك لها سوى خيارات قهرية.

بعد فترة من عملها في مجال الدعارة تُحاول فردوس التمرّد على واقعها والحصول على وظيفة تمنحها صفة امرأة "محترمة" لتجد أنّ استغلال النساء في الشركات لا يقل قسوة عن استغلالهن في عالم الدعارة، وتكتشف أن جسد المرأة يظل موضعًا للهيمنة مهما اختلفت المواقع الاجتماعية التي تتحرك فيها.

وبعد ثلاث سنوات من العمل في إحدى الشركات، تدرك أن الاحترام الذي يُمنح للمرأة هناك مشروط بخضوعها لمنطق آخر من التبعية، فتقول: "وأدركت بعد ثلاثة أعوام قضيتها بالشركة أنني حظيت وأنا مومس باحترام أكثر وقيمة أكبر من جميع موظفات الشركة وأنا منهم، كنت أعيش وأنا مومس في بيت له دورة مياه خاصة، أدخلها في أي وقت، وأغُلق عليَّ الباب بدون أن يتعجَّلني أحد. ولم يكن جسدي ينضغط بين الأجساد في الأتوبيس، ويتدافع عليه أعضاء الرجال من الأمام والخلف. ولم يكن ثمن جسدي بخسًا، لا يزيد عن علاوة أو وجبة عشاء أو نزهة بالسيارة على كورنيش النيل، أو مجرد إرضاء المدير، أو تجنُّب غضب الرئيس".

وهكذا، تعود فردوس إلى الدعارة، باعتبارها المساحة التي تشعر فيها بقدرة أكبر على التفاوض وامتلاك بعض شروط حياتها، وتجيء عودتها هذه كتجلٍّ واضح وصريح لاستقرار الهزيمة وترسخها داخل ذاتها، فبدل معاودة محاولة التمرّد على واقع القهر الذي ترزح تحته، تصبح خياراتها محصورة داخل حدود الواقع القاهر نفسه.

يبلغ المسار الحياتي لفردوس ذروته مع ظهور مرزوق، القواد الذي يعيد إنتاج علاقة السيطرة التي رافقتها طوال حياتها، فهو يحاول إخضاعها وسلبها استقلالها من خلال التهديد والابتزاز. غير أنّ مواجهتها معه تمثل لحظة فاصلة في مسارها؛ فهي تقوم للمرة الأولى بمواجهة مصدر القهر بصورة مباشرة، فتقتل مرزوق بسكين في فعل يتجاوز حدود الانتقام الشخصي إلى رفض شامل لمنظومة الاستغلال الذكوري التي صنعت حياتها.

وبعد اعتقالها، ترفض فردوس تقديم التماس لتخفيف حكم الإعدام، لأنها لا ترى نفسها مذنبة أمام مجتمع ذكوري مارس العنف عليها وعلى أمثالها، وتنتقل من موقع الذات التي استبطنت الهزيمة إلى ذاتٍ تعي مصدرها، وتكشف بنيتها وآليات إنتاجها، معلنةً امتلاكها لحريتها للمرة الأولى: "أما أنا فقد انتصرت على الحياة وعلى الموت؛ لأني لم أعد أرغب في الحياة، ولم أعد أخاف الموت". وبذلك يُمثّل موت فردوس لحظة تمرد على الهزيمة، حيثُ تستعيد قدرتها على تعريف ذاتها خارج الشروط التي فرضها عليها مجتمع حرمها طويلًا من حق الاختيار.

إنّ هذه الأعمال الثلاثة تجيء بما يكشف أن الهزيمة لا تُقاس فقط بما تخلّفه من خسائر مادية، بل بما تتركه من آثار في الوعي الإنساني. فهي تبدأ في "العصفور" من بنية الدولة والمجتمع، وتنتقل في "ثرثرة فوق النيل" إلى نخبة فقدت قدرتها على الفعل، ثم تستقر في "امرأة عند نقطة الصفر" داخل الفرد الذي يحمل آثار القهر في رؤيته لذاته وخياراته. ومن هنا تصبح استعادة القدرة على المقاومة مشروطة باستعادة الوعي أولًا، لأن الهزيمة الأكثر خطورة هي تلك التي تجد طريقها إلى الداخل.