Print
عبد الرحيم العلام

في ذكرى روجيه غارودي: ظلّ منتصرًا لفلسطين

6 يوليه 2026
استعادات

حلّت، في 13 حزيران/ يونيو الماضي، الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكر الفرنسي روجيه غارودي، وهي ذكرى يقف فيها الفكر في العالم على عتبة التأمل في مسار مفكر ملتزم لم يعرف الركون؛ مفكر تحدّى المألوف والمواجهة، وأحسّ بالمسؤولية الأخلاقية قبل السياسية.

شخصيًا، يعود اهتمامي بالمفكر روجيه غارودي إلى بداية الألفية الثالثة، وتحديدًا في إثر صدور طبعة مغربية من كتابه الهام "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، عن منشورات جريدة "الزمن" بالرباط عام 1996. كنت قد كتبت وقتها مقالًا عن غارودي، أعدت نشره في كتابي "ضوء القراءة: مقالات في الأدب والثقافة" (دار الثقافة، الدار البيضاء، 2004)، بعنوان "روجيه غارودي: سيرة الدونكيشوت"، فقد كان غارودي عاشقًا للدونكيشوتيات، معتبرًا "دون كيشوت" مثله الأعلى...

لقد كان من دوافع اهتمامي بغارودي وفكره ما أبانت عنه كتاباته من جدل حاد في الأوساط الغربية، بصوته الصارخ المنتصر للحق والعدالة، لا سيما فيما يتصل بانتصاره اللافت للقضية الفلسطينية. ونحن نعيد اليوم قراءة كلماته الخالدة، في ذكرى رحيله، نجد فيها دعوة لا تهدأ للتأمل والمساءلة، والوقوف أمام الأسئلة الكبرى التي يفرضها الضمير الإنساني على كل من يسعى لفهم العالم والعدل فيه.

لقد اعتُبر غارودي، وقتها، آخر فلاسفة ومفكري القرن العشرين بفرنسا، بعد رحيل جان بول سارتر وميشيل فوكو وآخرين، ووهب حياته لمطارحة الأسئلة الحرجة والجريئة على الفكر العالمي، ولفضح بعض السياسات الدولية المؤسسة على الاستعباد واستنزاف الشعوب المستضعفة، وتخريب تراثها الثقافي باسم المجتمع الاستهلاكي. فضلًا عن ذلك، ما فتئ غارودي، على مدى مسيره الفكري، يعيد النظر في بعض المفاهيم مغلوطة الاستعمال، في نظره، كالتقدم والديمقراطية والحرية والكينونة والعولمة والتنمية؛ وكأننا به قد قال كل ما كان يرغب في قوله، فأراح ضميره الحي، مخلفًا لنا فكرًا إنسانيًا مضيئًا وخصبًا، و"وصية فلسفية"، و"وصايا بعدية"، هي بمثابة "بيوغرافيا القرن العشرين"، كما عنون بذلك أحد كتبه، وهو يتحدث عن الفلسفات الغربية الحديثة.

عاش روجيه غارودي حياة طافحة بالعطاء الفكري والفلسفي، ومشوبة بالعديد من المغامرات، كما عاش منخرطًا في النضال، وخصوصًا داخل الحزب الشيوعي، قبل أن يتم استبعاده منه، بعد تسع سنوات من الصراع، بسبب انتقاده لـ"تطور الاتحاد السوفياتي" خلال سبعينيات القرن الماضي، وحريصًا على التحولات المذهبية والفلسفية والروحية. غير أن ذلك لا يعني أن غارودي قد تنكّر كليًا لشيوعيته أو لمسيحيته، واستبدلهما بالإسلام الذي اعتنقه عام 1982؛ فكتب بالمناسبة كتابيه "وعود الإسلام" و"الإسلام يسكن مستقبلنا"، بدون أن يمنعه ذلك من نشر كتاب عام 1994 يدافع فيه باستماتة عن "الشيوعية السوفياتية"، بعنوان "تذكّر!"، فنجده ينتصر، أيضًا، لحوار الثقافات والحضارات والأديان، ويدين المؤسسة الصهيونية، كما ينتصر للمستقبل الذي جعله غارودي عنوانًا لأحد كتبه الأخيرة: "كيف نصنع المستقبل؟"، وهو كتاب متعدد الطروحات والأفكار والأسئلة، عرف طريقه، كبعض كتب غارودي الأخرى، إلى الترجمة باللغة العربية (صدر عن دار الشروق، عام 2000). وهو المستقبل الذي تحدث عنه غارودي بلغة وأفكار ظهرت بوضوح فيما كان يشهده العالم وقتها من أحداث وعواصف.

أثار كتابه الشهير "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" ردود فعل معاكسة تجاهه، فأدت إلى محاكمته، كما أشعلت نارًا إعلامية شرسة ضده، وضد طروحاته الجريئة والكاشفة 


كان روجيه غارودي "كاتبًا مكثارًا"، كما نعته البعض، فاعتُبر فيلسوفًا متعدد المعالجات والمطارحات لمجموعة من القضايا والمواضيع الكونية الكبرى، كتلك القضايا الشائكة التي عالجها غارودي في كتابه الشهير "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، بما أثاره من ردود فعل معاكسة تجاه مؤلفه نفسه، فأدت إلى محاكمته، كما أشعلت نارًا إعلامية شرسة ضده، وضد طروحاته الجريئة والكاشفة عن الأوهام والزيف، وهو ما جعل هذا الكتاب يحظى بشهرة عالمية كبيرة وبترجمات كثيرة...

لقد أثارت محاكمة غارودي وناشر كتابه السابق بيار كيوم، في كانون الثاني/يناير 1998 بباريس، ردود فعل دولية، وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وألمانيا وإيطاليا. ففي 28 آذار/مارس من السنة نفسها، تظاهر في إيطاليا عشرون أستاذًا ضد تلك المحاكمة الملعونة، تحت شعار "هذا الكتاب ليس عنصريًا". ونشير هنا، أيضًا، إلى تلك الشهادات المؤثرة والمواقف الشجاعة التي عبّر عنها "الأب بيار"، المؤيدة لغارودي ولأطروحات كتابه عن الأساطير، لكي نلمس عن كثب مدى الضجة التي أثارها هذا الكتاب عالميًا، ما دفع بالأب بيار إلى أن يلقي بدوره صرخته المدوية دعمًا لغارودي وانتصارًا له ولأفكاره، بالرغم من المضايقات التي لحقتهما معًا فيما بعد... كما خلفت تلك المحاكمة أحداثًا خطيرة في قصر العدالة بباريس، وإن لم تشهد تدخل قوات الأمن رغم تواجدها بعين المكان...

هكذا نجد أن غارودي، في رحلته المعرفية والفكرية والتأملية والعقائدية، لم يسلم من الانتقادات والحملات الإعلامية، وغيرها، المعاكسة له ولكتاباته، ولانعطافاته العقائدية الطارئة والمشكك فيها في نظر البعض. غير أن بعض تلك الحملات كانت كلها في صالح غارودي وانتشار كتاباته، حيث اعتُبر من بين المثقفين بالعالم الأكثر انتشارًا إعلاميًا خلال القرن الماضي، كما اعتُبر البطل والمثقف الأكثر شعبية في بعض البلدان الإسلامية، التي لقي فيها ترحيبًا ودعمًا رمزيين، بمثل الترحيب الذي لقيه من قبل بعض هيئات الكتاب والأدباء ودور النشر (الفلسطينية واللبنانية والسورية والمغربية وغيرها...)، وتلك نتيجة طبيعية لمواقف غارودي وانتقاداته الصارمة للسياسة الإسرائيلية...

ورغم كل تلك الظروف، لم يتوقف روجيه غارودي عن نشاطه ومواجهاته عبر الكتابة، فقد أتبع كتابه السابق بكتابين جديدين: الأول بعنوان "كيف نصنع المستقبل؟"، ويتمحور حول المرض الذي يلمّ بكوكبنا وحول سبل بناء وحدة بشرية؛ والثاني بعنوان "محاكمة الصهيونية"، وفيه يطور غارودي ويؤكد ويثبت مصداقية حديثه عن "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".

تتجاوز مؤلفات روجيه غارودي، التي بدأ كتابتها منذ أربعينيات القرن الماضي، خمسين مصنفًا، عرفت طريقها إلى الترجمة، في طبعات ولغات مختلفة، من بينها اللغة العربية. فعلى سبيل المثال، حظي كتابه "الأساطير..." بطبعات وترجمات مختلفة إلى اللغة العربية، من بينها الطبعة الأولى الصادرة عن منشورات دار عطية للنشر بلبنان، والثانية عن منشورات الزمن بالرباط، وهي الطبعة التي أشاد بها غارودي نفسه وفضّلها عن طبعة لبنان، كما أنها الطبعة التي لقيت استحسان جمهور المتلقين داخل المغرب وخارجه، لما أبانت عنه هذه الترجمة، التي أنجزتها جريدة "الزمن" بإشراف المفكر المغربي محمد سبيلا، من جدة ووفاء للنص الأصلي، فيما حظيت أعمال غارودي وأفكاره وتحاليله بمجموعة من الدراسات الأكاديمية والكتب النقدية، تم إنجازها في بعض الدول، من بينها أقطار عربية، وتحديدًا في مصر.

تتوزع مؤلفات غارودي على مجموعة من المحاور؛ منها ما يدور حول "البنيوية" و"الماركسية" وتاريخهما وإشكالاتهما، ومنها مؤلفات حول "الديانات". وفي هذا المجال كتب غارودي عن الإسلام والأصولية، فضلًا عن مؤلفاته في "الأخلاقيات" و"الجماليات"، حيث كان غارودي يُدرّس الاستيطيقا، ويعتبر أن الفن هو الأكثر قربًا من الدين. وفي هذا المجال صدر له كتاب عن "المساجد - المرايا في الإسلام"، حيث برز اهتمام غارودي بالإسلام وبالحضارة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تأليفه لأبحاث أساسية حول "الإنسان"، ناهيك عن كتابته لأعمال إبداعية قليلة جدًا، من شعر ورواية ومذكرات...

وفي هذا السياق، نلمس في كتابات غارودي، كما هي الحال في حواراته، مدى شغفه الكبير بالحضارة العربية والإسلامية، القديمة والحديثة، ومدى إعجابه بأعمال بعض الشخصيات العربية والإسلامية، التاريخية والسياسية، التي حضرت في تفكيره، من بينها "ابن خلدون" و"الأمير عبد القادر". هذا الأخير اعتبره غارودي أهم رجل في القرن التاسع عشر، لما كان يتميز به الرجل، في نظره، من حركية وصوفية وكرم، كما رأى في "محمد خاتمي" رجلًا ذا قيمة عليا، أما "الخميني"، في نظره، فليس هناك شخصية بسعته، وقد صفق له غارودي بحرارة عام 1980...

حين اعتنق غارودي الإسلام، فهو لم يقم بذلك كمن يبدّل قناعًا بآخر، بل كمن يحاول أن يجد في هذا الدين إجابة عن أسئلته الوجودية الكبرى؛ فقد رأى فيه، كما كتب في أكثر من مناسبة، إمكانًا للتصالح بين العقل والإيمان، وبين العدالة والروح، وبين الإنسان وربّه. لكن هذا الاختيار لم يكن، بدوره، نهاية الرحلة، بل بداية لجدل جديد.

في عالم غربي كان ينظر إلى الإسلام بعين الريبة، بدا غارودي كصوت نشاز، أو كاستثناء غير مريح. لقد خرج من داخل الثقافة الغربية ليقول ما لا يريد كثيرون سماعه، من قبيل أن الغرب ليس هو مركز العالم، وأن حضارته ليست النموذج الوحيد الممكن، وأن هناك في الإسلام - كما في حضارات أخرى- طاقات أخلاقية وروحية تستحق الإصغاء.

بهذا المعنى، لم يكن دفاع غارودي عن الإسلام دفاعًا تقليديًا، بل كان جزءًا من مشروع أوسع: نقد المركزية الغربية، وفضح وهم التفوق الحضاري، والدعوة إلى حوار حقيقي بين الثقافات والحضارات. وربما في هذا الجانب بالذات يكمن أحد أهم ما تبقى من غارودي، أي تلك الجرأة على مساءلة "البديهيات" التي تُقدَّم بوصفها حقائق نهائية.



في دفاع روجيه غارودي المستميت عن عدالة القضية الفلسطينية

ما يلفت النظر كثيرًا في مسار غارودي الإنساني والفكري، بعد أزيد من عقد من الزمن على رحيله، ليس تحولاته الفكرية فحسب، بل شجاعته في الاصطفاف إلى جانب القضايا التي آمن بها ورآها عادلة، حتى وهو يعلم أن كلفة ذلك ستكون باهظة. لقد كانت فلسطين، بالنسبة إليه، لا مجرد ملف سياسي، بل اختبارًا أخلاقيًا للعالم المعاصر. فهو، في دفاعه عن الحق الفلسطيني، لم يكن يتحدث بلسان أيديولوجيا، بل بضمير إنساني يرى في الظلم، أيًّا كان مصدره، جرحًا في جسد الإنسانية جمعاء.

لم تكن فلسطين في كتابات غارودي مجرد أرض محتلة، بل سؤالًا حيًا عن العدالة والضمير، ومرآة تعكس إخفاق العالم في احترام الحق. فقد اتخذ غارودي، في علاقته بالقضية الفلسطينية، موقفًا واضحًا وصريحًا، جعله أقرب إلى ضمير غربي متمرد على السردية السائدة. ففي كتابات غارودي، كانت فلسطين أكثر من جغرافيا؛ كانت رمزًا لاختلال موازين القوة، ولعجز النظام الدولي عن تحقيق العدالة. فمن كلماته السائدة أن فلسطين ليست مجرد أرض محتلة، بل مرآة للضمير الإنساني وجرحًا لا يندمل، وما يحدث في فلسطين ليس مجرد نزاع محلي، بل هو أزمة عالمية في توزيع العدالة، حيث يُستبدل الحق بالقوة.

لقد دفع غارودي ثمن مواقفه، حين وجد نفسه في مواجهة حملات شرسة، لم تكن دائمًا مستعدة للتمييز بين النقد المشروع والانحرافات الفكرية. ومن خلال نقده للأساطير المؤسسة، جعل فلسطين اختبارًا أخلاقيًا وحضاريًا، حيث إن "الصراع في فلسطين ليس فقط صراع أراضٍ، بل هو صراع بين رؤى حضارية، بين نموذج الهيمنة ونموذج العدالة الأخلاقية".

هكذا ظل غارودي، حتى بعد رحيله، شاهدًا على الحق الذي يفرض السؤال قبل الجواب، والضمير الذي لا يهدأ، كما ظل صوته حاضرًا في هذا السياق، كواحد من الأصوات الغربية القليلة التي حاولت أن ترى ما وراء الرواية الرسمية، وأن تمنح الضحية حقها في السرد.

ماذا تبقى اليوم من روجيه غارودي؟

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، بعد كل هذا المسار الفكري والنضالي الحافل للرجل، هو: ماذا تبقى من روجيه غارودي بعد رحيله؟ ففي لحظة من لحظات التأمل التي تعقب الغياب، نستعيد اليوم اسم روجيه غارودي، في ذكرى رحيله، كأثر ثقيل في الذاكرة، وكجرح فكري لم يندمل. هو الذي لم يكن يومًا سهل التصنيف، ولا يسيرًا في الانتماء، بما أنه قد عاش حياته كلها في حالة عبور دائم، من الإيمان إلى الشك، ومن الماركسية إلى الإيمان الديني، ومن المركز إلى الهامش، ومن اليقين إلى القلق...

لم يكن غارودي مجرد مفكر فرنسي مر في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، بل كان في جوهره سيرة للتمرد على الأطر الجاهزة، ونموذجًا لعقل لم يرض بأن يستقر طويلًا في منطقة واحدة. لذلك، فإن ذكراه لا يمكن أن تكون استعادة لسيرة مغلقة، بل هي، في العمق، مساءلة مفتوحة حول: ماذا يبقى من مفكر عاش على حافة التحول؟ وما الذي يصمد من فكر كُتب على إيقاع التحولات الكبرى؟

ومع ذلك، لم تخل سيرة غارودي من العواصف، فكما كان مفكرًا جريئًا في نقده، كان أيضًا مثيرًا للجدل في بعض مواقفه التي تجاوزت، في نظر كثيرين، حدود النقد المشروع. وهنا تتعقد الصورة: هل نقرأه كمفكر متمرد على السائد، أم كشخصية انزلقت في مواقف إشكالية؟ هل نحتفي بشجاعته، أم نحاكم اختياراته؟ لقد عاش غارودي حياته كلها خارج التصنيفات الجاهزة، ورفض أن يكون "مفكرًا مريحًا" يمكن الاحتفاء به دون حرج. لقد كان، في العمق، مشروع إزعاج دائم؛ يزعج اليسار حين ينتقده، ويزعج اليمين حين يواجهه، ويزعج الغرب حين يعرّي تناقضاته.

إذا ما حاولنا اليوم أن نلخص ما تبقى من غارودي، فلن نجد نظرية مكتملة، ولا مشروعًا فلسفيًا مغلقًا يمكن تدريسه في قاعات الجامعات بسهولة. فما سنجده، بدل ذلك، هو شيء أكثر هشاشة، وربما أكثر قيمة: سنجد سيرة قلق فكري لا يتوقف...

لقد كان غارودي، في جوهره، مفكرًا يسكنه الشك، ويحرّكه السؤال، ويقلقه اليقين. لم يكن يبحث عن إجابات نهائية، بقدر ما كان يسعى إلى توسيع أفق السؤال، وربما في هذا تكمن أهميته اليوم؛ ليس فيما قاله فقط، بل في الطريقة التي قال بها، وفي الجرأة التي واجه بها السائد.

يبدو، في زمننا الراهن، حيث تميل كثير من الخطابات إلى التبسيط وإلى إنتاج يقينيات سريعة، أن استحضار غارودي اليوم نوع من التذكير بأن الفكر الحقيقي ليس طريقًا مستقيمًا، بل مسارًا مليئًا بالانكسارات. ولعل ما يجعل غارودي حاضرًا، رغم غيابه، هو أنه ظل، حتى في أكثر مراحله إثارة للجدل، وفي أكثر مواقفه التباسًا، وفيًا لشيء واحد، يكمن في رفض الاستسلام لليقين الجاهز.

في النهاية، قد نختلف مع غارودي في كثير من الأمور، لكننا، على الأرجح، لا نستطيع أن نتجاهل أنه سيظل حاضرًا في كل سؤال يتعلق بعلاقة الفكر بالالتزام، وبحدود الحرية، وبمسؤولية المثقف. لقد كان غارودي، في حياته، شاهدًا على قرن مضطرب، مشاركًا في صراعاته الكبرى، ومنخرطًا في جدالاته الحادة. أما بعد رحيله، فقد أصبح شاهدًا، من نوع آخر، على هشاشة اليقين، وعلى تعقيد الحقيقة، وعلى أن الفكر، مهما ادعى الصلابة، يظل معرضًا للانكسار.