Print
تغريد عبد العال

غسان كنفاني: السؤال بين الحركة والفضيلة

7 يوليه 2026
استعادات

صحيحٌ أن في السؤال حركةً ما، كما يذكّرنا موريس بلانشو، غير أنّ هذه الحركة ليست فضيلةً في ذاتها، ولا ضمانة لبقاء السؤال حيًّا. فالسؤال قد يحتفظ بقلقه الأول، فيظل مفتوحًا على إمكانات المعنى، وقد يتحوّل مع التكرار إلى صيغة رخوة، تُقال أكثر مما تُفكَّر، وتُستهلك أكثر مما تُسائل. وحينها لا يعود السؤال علامة على يقظة الفكر، بل على خمولٍ يتقن تقمّص شكل اليقظة. وهنا يبدأ ما يمكن تسميته- من دون تردد- سقوط السؤال في طمأنينة الإجابة الجاهزة.

في حضرة غسان كنفاني، يتخذ هذا السقوط شكلًا أكثر فداحة. فليست الأسئلة التي تُطرح حوله بريئة، بل هي غالبًا أسئلة مثقفٍ معاصرٍ مائلٍ إلى الراحة، ما يمكن تسميته بلا مجاملة "مثقف النص كوم"؛ ذلك الذي يتعامل مع الثقافة بوصفها محتوى جاهزًا للاستهلاك، ومع النص بوصفه مساحة منفصلة عن التاريخ، ومع الفكرة بوصفها ديكورًا لغويًا لا يطاول الحياة. يسأل هذا المثقف: هل الأدب منفصل عن السياسة؟ هل يمكن للثقافة أن تبقى "نقية"؟ هل نحتاج فعلًا إلى الاشتباك؟ وكأن السؤال نفسه لا يكشف انقطاعه عن الواقع، بل يبرّره.

هنا لا يعود غسان كنفاني مجرد كاتب من الماضي، بل يصبح خصمًا في حوارٍ غير متكافئ: هو يأتي من قلب التجربة، بينما يأتي "مثقف النص كوم" من خارجها، من مسافة آمنة تتيح له تأمل العاصفة بدون أن يبتلّ بها. ومع ذلك، يجرؤ هذا المثقف على طرح أسئلة حول العاصفة، كأنها مشهد جمالي لا واقعة تاريخية.

إن غسان لا يجيبهم بصبر الأستاذ، بل يضعهم أمام نصوصه بوصفها محاججة مفتوحة. ففي "رجال في الشمس" لا يقدّم حكاية ثلاثة رجال انتهوا في خزان، بل يضع بنية كاملة للصمت تحت المجهر. وحين ينفجر السؤال الأخير:"لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟" فهو لا يُوجَّه إلى الشخصيات وحدها، بل إلى كل قارئ يظن أن النجاة ممكنة داخل الصمت، أو أن الحياد موقف أخلاقي قابل للحياة. هنا، يحاكم غسان فكرة "الانتظار" ذاتها، ويعرّي وهم المتفرج الذي يعتقد أن عدم الفعل خيار بريء.

أما "مثقف النص كوم"، فيقرأ هذا النص غالبًا كرمز إنساني جميل، أو كاستعارة وجودية عن العبث، متجنبًا ما هو أبسط وأخطر: إنه نص سياسي يفضح آليات القتل البطيء التي تنتجها البنية الاستعمارية والاجتماعية معًا. وهكذا، تتحول القراءة إلى عملية تلطيف، إلى إعادة تدوير للنص داخل منطقة آمنة لا تُحرج أحدًا.


وفي "ما تبقى لكم"، تتكثف المحاججة أكثر. فغسان لا يكتب عن علاقة عاطفية، بل عن جسدٍ يُحاصر، وزمنٍ يُختطف، وحدودٍ تُصنع لتصبح قدرًا. لكن "مثقف النص كوم" يفضّل أن يراها تجربة إنسانية مجردة، منفصلة عن سياقها، لأن السياق يُفسد الطمأنينة التأويلية. إنّه يهوى الأدب حين يكون بلا تبعات، بلا تاريخ، بلا صراع.

أما في "عن الرجال والبنادق"، فإن غسان يذهب أبعد من ذلك: إنه يعلن نهاية المسافة بين المثقف وواقعه. "زمن الاشتباك" ليس شعارًا بل تفكيكًا لوهم الحياد. هنا لا يعود المثقف مراقبًا، بل جزءًا من المعادلة. والكتابة ليست تعليقًا على الفعل، بل شكلًا منه. في هذه النقطة تحديدًا، يسقط قناع "مثقف النص كوم" بالكامل، لأنه يقوم أصلًا على فكرة المسافة الآمنة، بينما النص عند غسان يهدم هذه المسافة من أساسها.

إن ما يزعج هذا المثقف ليس غسان، بل صراحته البنيوية. فكنفاني لا يترك له رفاهية الفصل بين الجمالي والسياسي، ولا يسمح له بأن يستهلك النص كمنتج ثقافي منزوع المخاطر. لذلك يلجأ إلى الحيلة النقدية الأكثر شيوعًا: تحويل غسان إلى "كاتب أدب مقاومة" بوصفه تصنيفًا جماليًا، لا بوصفه ممارسة فكرية تشتبك مع الواقع.

لكن غسان، في هذا الحوار المتخيل، لا يوافق على التصنيف أصلًا. فهو لا يكتب ليُدرج في خانة، بل ليكسر الخانات. ولا ينتج نصوصًا لتُقرأ بوصفها أدبًا منفصلًا عن الحياة، بل بوصفها جزءًا من صراع على المعنى ذاته. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان غسان سياسيًا أم أديبًا؟ بل: لماذا يحتاج "مثقف النص كوم" أصلًا إلى هذا الفصل كي يشعر بالراحة؟

إن مجلة "الهدف" في هذا السياق ليست مجرد مؤسسة إعلامية، بل ردّ عملي على هذا التبسيط. فهي ليست منصة عرض أفكار، بل فضاء إنتاج وعي داخل التوتر. فيها تتجاور السينما مع المقالة، والبوستر مع القصيدة، ليس بوصفها أشكالًا فنية متجاورة، بل بوصفها أدوات في معركة واحدة ضد التحييد والتفريغ.

إن "مثقف النص كوم" لا يزعجه الصراع بحد ذاته، بل فكرة أن يكون النص جزءًا منه. هو يريد نصًا يعلّقه على جدار التأمل، لا نصًا يطالبه بالموقف. يريد ثقافة يمكن قراءتها من دون أن تغيّره. بينما غسان يصرّ على العكس تمامًا: ثقافة لا تُقرأ إلا إذا غيّرت قارئها.

ولهذا، فإن استعادة غسان ليست تمرينًا في الحنين، بل اختبارٌ قاسٍ لصدق الأسئلة. هل نسأله فعلًا، أم نستخدمه لتزيين عجزنا عن السؤال؟ هل نقرأه، أم نعيد تدويره داخل نظام ثقافي يفضّل الطمأنينة على الحقيقة؟

في النهاية، لا يترك غسان للقارئ مساحة الاختباء خلف المفاهيم المريحة. فإما أن تُقرع جدران الخزان، أو تتحول القراءة نفسها إلى جزء من الصمت. وإما أن تكون الثقافة فعلًا داخل التاريخ، أو مجرد نصٍّ جميل في أرشيف "مثقف النص كوم".

وهكذا يعود السؤال إلى ما بدأ منه: حركةٌ لا تضمن فضيلةً ولا تضمن بقاءه حيًّا، بل تظلّ مفتوحة على انطفائه أو استمرار قلقه. وفي حضرة غسان كنفاني، لا تُغلق الأسئلة بل تُترك معلّقة بين المعنى واحتماله، كأنها بدايةٌ لا تنتهي.