يبدو موضوع النفايات، للوهلة الأولى، بعيدًا عن الانشغالات التقليدية للفلسفة. فمنذ الإغريق ارتبط التفكير الفلسفي بأسئلة الحقيقة والوجود والمعرفة والجمال، بينما أُحيلت النفايات إلى مجالات التدبير البلدي والصحة العامة والاقتصاد الحضري. غير أن كتاب "النفايات: مدخل إلى الشك والخطأ والعبث" (مشروع كلمة، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2017)، للمؤرخ الثقافي البريطاني جون سكانلان ينطلق من فرضية مغايرة تمامًا: ما يُطرح خارج النظام قد يكون أكثر قدرة على كشف منطقه الداخلي من العناصر التي يحتفي بها ذلك النظام نفسه. فالنفايات ليست مجرد بقايا مادية عديمة القيمة، بل فئة ثقافية ومعرفية تسمح بفهم آليات التصنيف والاستبعاد التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يتعامل مع النفايات بوصفها موضوعًا بيئيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل بوصفها مفهومًا فلسفيًا أيضًا. فالنفاية، في نظر سكانلان، ليست شيئًا محددًا بخصائص ثابتة، وإنما نتيجة حُكم اجتماعي وثقافي. لا يوجد شيء يكون نفاية بطبيعته؛ فالشيء يصبح كذلك عندما يفقد موقعه داخل شبكة الاستعمالات والقيم والمعاني. وما نراه اليوم قمامة قد يتحول غدًا إلى وثيقة تاريخية، أو قطعة أثرية، أو عمل فني. ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق بطبيعة النفايات، بل بالشروط التي تدفع مجتمعًا ما إلى اعتبار شيء معين عديم القيمة.
بهذا المعنى، ينقل سكانلان النقاش من مستوى الأشياء إلى مستوى التصنيفات. فالنفايات ليست مجرد مخلفات، بل مؤشر إلى الكيفية التي تنتج بها المجتمعات معاييرها الخاصة بشأن ما ينبغي الاحتفاظ به، وما يجب التخلص منه. ومن هنا تكتسب النفايات وظيفة كاشفة؛ فهي لا تعبر عن نهاية دورة الأشياء فحسب، بل تكشف أيضًا عن البنية الرمزية التي تحدّد القيمة واللا قيمة، المركز والهامش، النظام والفوضى.
وتظهر أصالة الكتاب بصورة أوضح حين يوسع مفهوم النفايات إلى ما يتجاوز المجال المادي. فالمؤلف يتحدث عن النفايات الفكرية والمعرفية بقدر حديثه عن المخلفات المادية. النظريات التي ثبت خطؤها، والمعتقدات التي فقدت مشروعيتها، والتفسيرات التي تجاوزها الزمن، كلها أشكال من النفايات التي تنتجها المعرفة في مسار تطوّرها. ومن هذه الزاوية يقدم الكتاب مراجعة ضمنية للسردية التقدمية التي سادت الفكر الغربي منذ عصر الأنوار. فالتقدم لا يتحقق فقط عبر إنتاج أفكار جديدة، بل أيضًا عبر استبعاد أفكار سابقة. وكل معرفة جديدة تترك وراءها طبقات من المعارف المهجورة.
لا يتعلق الأمر هنا بمجرد استعارة لغوية. فإحدى الأفكار المركزية في الكتاب تتمثل في أن تاريخ المعرفة يمكن قراءته بوصفه تاريخًا لعمليات الفرز والإقصاء بقدر ما هو تاريخ للاكتشافات والإنجازات. وهذا ما يجعل أطروحة سكانلان قريبة من اتجاهات فكرية معاصرة اهتمت بدراسة ما تستبعده الأنظمة المعرفية والمؤسسات الثقافية أكثر من اهتمامها بما تعلنه وتثبته. فالنفايات تكشف حدود النظام أكثر مما تكشف طبيعته؛ إذ إن كل نظام ينتج في الوقت نفسه ما يدمجه وما يستبعده.
وتكتسب هذه الفكرة أبعادًا إضافية عندما ينتقل المؤلف إلى تحليل العلاقة بين النفايات والفن. فمنذ بدايات القرن العشرين أخذ عدد من الفنانين في التعامل مع الأشياء المهملة والخردة وبقايا الاستهلاك اليومي بوصفها مواد فنية مشروعة. لا يرى سكانلان في ذلك مجرد تطور جمالي، بل يراه مؤشرًا إلى أزمة أعمق في الثقافة الحديثة، حيث أصبحت الحدود الفاصلة بين القيمة واللا قيمة أقل صلابة مما كانت عليه في السابق. فالفن الحديث لا يعيد تدوير المواد فحسب، بل يعيد أيضًا مساءلة المعايير التي تمنح الأشياء قيمتها.
كما يولي الكتاب اهتمامًا للبعد النفسي للنفايات. فالأفراد لا يتخلصون من الأشياء لأنها فقدت وظيفتها العملية فقط، بل لأن تلك الأشياء قد ترتبط بذكريات، أو مراحل، أو هويات يرغبون في تجاوزها. وهكذا تصبح عملية التخلص من الأشياء جزءًا من إدارة الذات وإعادة تشكيلها. إن ما يُلقى في القمامة لا يمثل دائمًا فائضًا ماديًا، بل قد يكون فائضًا عاطفيًا، أو رمزيًا، أيضًا.
غير أن الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية محمد زياد كبة، يبلغ ذروته الفكرية عندما يربط بين مفهوم النفايات ومنطق الحداثة الرأسمالية. فالمجتمع الاستهلاكي لا ينتج السلع فحسب، بل ينتج أيضًا فائضًا دائمًا من الأشياء والمعلومات والموارد. وكل عملية إنتاج هي في الوقت نفسه عملية إنتاج لمخلفاتها. ومن هنا يلمح سكانلان إلى أن منطق الإقصاء لا يقتصر على الأشياء، بل قد يمتد إلى البشر أنفسهم. فالعاطلون عن العمل والمهمشون واللاجئون والفئات غير القادرة على الاندماج في دوائر الإنتاج والاستهلاك معرضون لأن يُنظر إليهم باعتبارهم فائضًا اجتماعيًا. في هذه النقطة يقترب الكتاب من تحليلات علماء اجتماع معاصرين تناولوا مسألة "البشر الفائضين" في ظل العولمة، وإن كان يصل إلى هذه النتيجة عبر مدخل مختلف ينطلق من دراسة الأشياء المهملة.
مع ذلك، لا تخلو أطروحة سكانلان من بعض المآخذ. فالاتساع الكبير الذي يمنحه لمفهوم النفايات يجعله أحيانًا مفهومًا فضفاضًا إلى حد ما. فعندما يشمل المصطلح المخلفات المادية والأخطاء العلمية والهوامش الاجتماعية والتجارب الجمالية في آن واحد، يبرز خطر فقدان الدقة المفهومية. وقد يشعر القارئ أحيانًا بأن المفهوم يكتسب قوة تفسيرية واسعة على حساب وضوح حدوده النظرية.
كذلك يتنقل الكتاب بين الفلسفة والتاريخ الثقافي والنقد الاجتماعي وعلم الجمال من دون أن يحسم موقعه المنهجي بشكل كامل. وهذا ما يمنحه ثراءً فكريًا واضحًا، لكنه يجعله في بعض المواضع أقرب إلى سلسلة من التأملات المتجاورة منه إلى بناء نظري متماسك. كما أن تركيزه الأساسي على التجربة الغربية الحديثة يحد من عالمية بعض استنتاجاته، إذ إن علاقة المجتمعات بالنفايات تختلف باختلاف التصورات الثقافية والدينية والاقتصادية السائدة فيها.
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفكرية للكتاب. فمساهمته الأساسية لا تتمثل في بناء نظرية نهائية حول النفايات، بل في تحويل موضوع مهمل إلى أداة نقدية فعالة لفهم الحداثة. فبدلًا من النظر إلى النفايات باعتبارها مشكلة تقنية تتعلق بإدارة المخلفات، يدعونا سكانلان إلى رؤيتها بوصفها نافذة على أنظمة القيمة والمعنى التي تنظم الحياة الاجتماعية. ومن خلال هذا التحول ينجح الكتاب في زعزعة كثير من المسلمات المرتبطة بفكرة النظام والتقدم والكفاءة.
في زمن تتزايد فيه المخلفات المادية والرقمية على السواء، وتتعاظم فيه الأسئلة البيئية والاجتماعية المرتبطة بالإنتاج والاستهلاك، تبدو أطروحات سكانلان أكثر راهنية مما قد يوحي به موضوع الكتاب للوهلة الأولى. فالنفايات ليست مجرد ما يتبقى بعد انتهاء دورة الأشياء، بل هي أثر دائم للخيارات التي تتخذها المجتمعات بشأن ما يستحق البقاء وما ينبغي استبعاده. ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب: فهو يذكرنا بأن فهم ما نلقيه خارج دائرة الاهتمام قد يكون، في كثير من الأحيان، طريقًا لفهم الحضارة نفسها.