من غير الإنصاف اختصار السينما اليابانية في أكيرا كوروساوا (1910 ــ 1998)، لكن هذا واقع الحال، أو يكاد يكون. ومن غير الإنصاف أيضًا إهمال نحو ثلاثين فيلمًا لكوروساوا، واختزاله في فيلمه الأشهر "راشومون"، لكن هذا واقع الحال، وربما ثمرة حفاوة المركزية الغربية الأوروأميركية بالفيلم، حضورًا وجوائز. أعترف بوقوعي ضحية هذا الاختزال الظالم؛ فبدأتُ مشاهدة منجزه بفيلم "راشومون"، منذ ترجم أحمد الحضري كتاب إنجا كاريتنيكوفا "كيف تتم كتابة السيناريو"، عام 1999. والمؤلفة، التي نشرت كتابها عام 1990، لم تجد في السينما الآسيوية والأفريقية، والعربية بالطبع، إلا "راشومون" يستحق الذكر بين كلاسيكيات "عالمية" تمثّل أوروبا والولايات المتحدة، وإن حضرت الأرجنتين بمعالجة لفيلم.
بدأتُ المشاهدة بفيلم "راشومون"، ظنًّا أنه العمل الأول لمخرج اكتمل نضجه في سن الأربعين. ثم اكتشفت، حين قرأته سيرته، أنه الفيلم العاشر. عشرة أفلام في سبع سنوات حافلة بالصراع مع الرقابة المحلية، ثم مع الجنود الأميركيين المسلحين بعد هزيمة اليابان واستسلامها. أما الصراع الأكبر فموجود طوال الوقت مع أنفس تستوطنها أحقاد، تتظاهر بالصداقة وتبطن الغيرة، ولا تتردد في الاحتيال على جهود الآخرين، ولا تحاول تجميل الكذب الذي جعله المخرج موضوعًا لفيلم "راشومون"، وفيه سعيٌ إلى تحرّي الصدق، في ظلال حقيقة مراوغة. ويحار المشاهد أمام أربع روايات لتفاصيل جريمة قتل، في فيلم غير بوليسي يعنيه الغوص في تعقيدات النفس البشرية الملغزة.
كوروساوا كتب عددًا من السيناريوهات، وعمل مساعد مخرج، قبل إخراج فيلمه الأول "سانشيرو سوجاتا" عام 1943. المخرج ياما سان، "أهم معلم في حياتي"، حرَّضه مبكرًا على كتابة السيناريوهات: "إذا أردت أن تصبح مخرجًا، تعلم أولًا كتابة السيناريو". هكذا تغيَّرت رؤية كوروساوا للأدب، فبدأ القراءة بطريقة جديدة، قراءة معرفية تتجاوز ظاهر الكلمات في سرد الحكاية إلى اكتشاف ما أراده المؤلف، "بل ما أخفاه المؤلف في اللغة ذاتها". أعاد قراءة أعمال، وأدهشه تقبله لها "فيما مضى بسطحية". بالوعي تسلق الجبل؛ فرأى أبعد وأعمق، "فهم الأدب وجوهره". العارف بأسرار الكتابة، مهما يكتب من سيناريوهات بعضها مستلهم من أعمال أدبية، تؤرقه الكتابة، يذكرها فيتعرَّق.
استهل مذكراته "ما يشبه السيرة الذاتية"، التي ترجمها فجر يعقوب، بصفحة عنوانها "عرق الضفدع". كانت شوارع اليابان، في سنوات الحرب، تغصُّ بباعة متجولين يحملون حكاية "المرهم السحري" لعلاج الجروح والحروق. سمع أنهم يحضرونه باصطياد الضفدع، ويضعونه في صندوق صغير تغطى جدرانه بالمرايا؛ فيرى الضفدع المرعوب صورته منعكسة على المرايا، فيفرز مادة دهنية، شبيهة بالعرق. يكشطون "العرق الإجباري"، ويغلونه بضعة أيام، ويستخرجون "مرهمًا ثمينًا، لا تجود به الأوقات دائمًا". انتهت الحكاية التي يشبّهها بالكتابة عن ذاته: "أن تكتب عن نفسك، تمامًا، هذا يعني أن تجلس بين أربعة جدران مغطاة بالمرايا" تحدّق، وتراقب نفسك من زوايا مختلفة؛ فتحسُّ بأنك مختلف عن ذاتك.
في العزلة اللازمة للبوح واختبار حيوية الذاكرة وجسارة الصراحة، ومع يقينه بأن العالم لن يتغير، فإن الشروع في الكتابة والتحديق بالمرايا جعله يتعرَّق. خبرة السيناريو لم تُذهب رهبة الكتابة التي أُشبّهها دائمًا بالصلاة. للوصول إليها لا بدَّ من طهارة. وبالكتابة أيضًا يتطهر الكاتب، ويتخفف من أعباء الذاكرة وأوجاعها بالاعتراف بأخطائه. كوروساوا في سيرته يروي سيرة بلاده، ولا يتردد في جلد ذاته. بعد الحرب، عمل بنشاط، وتذكر أنه لم يُبدِ "أي مقاومة ضد الفاشية اليابانية، للأسف لم تكن عندي الرجولة الكافية لإبداء مثل هذه المقاومة، بدل ذلك وجدت الطرق الملائمة للتهرب منها... أخجل من سيرتي هذه، ولكن ينبغي أن أكون شريفًا".
الكتابة أتاحت لكوروساوا استعادة الطفل الذي كانه، أمَّنت له مواعيد مع الدهشة. من دون إطلاق مواعظ ولا استسلام للصوت العالي، يتوسل بالدراما في تذكُّر مواقف حيرته أمام ألغاز النفس البشرية. كوروساوا تزوج الممثلة يوكو ياجوتشي بطلة فيلم "الأحلى دائمًا"، الذي أخرجه عام 1944. كانت "مفرطة في نزقها"، وعرض عليها الزواج، فطلبت مهلة للتفكير. استعجل الرد بتوسيط صديق مقرَّب منهما، يرجوه أن يقنعها بأن تتزوج كوروساوا. أضجره انتظار الرد، فسألها باختصار: نعم أمْ لا؟! وعدته بالإجابة. ثم قابلته، وسلمته ربطة من الرسائل: "اقرأ... لا أستطيع أن أتزوج رجلًا مثلك!". كانت الرسائل من صديقه "مليئة بأحقر العبارات وأحطّ الأقوال التي تنال مني".
الكراهية، التي استطاع الصديق إخفاءها، اتسعت لها الرسائل الملغومة. كان كوروساوا يأخذه إلى بيت أهلها فيتظاهر بالمساعدة، حتى قالت الأم لابنتها: "من ستصدقين؟ ذلك الذي يقدح ويذم، أمْ ذلك الذي يصدق هذا الذي يقدحه ويذمه؟". تزوجا، ورفضت الأم أن تستقبل الصديق. لم يستطع كوروساوا فهم، أو تفسير، سبب هذه الكراهية: "التقيت قتلة وسفاحين قذرين، والغريب أن وجوههم كانت عادية جدًّا، وهيئاتهم مريحة للنظر، وكلماتهم مقنعة ومزقة... كيف يمكن ذلك؟". كوروساوا، من مركز الأقوى والأكثر تأثيرًا، لا يستهدف تصفية حسابات قديمة. يتذكر بأسى طفل تدهشه المفارقات، ولا يجد تفسيرًا لتعقيدات أنفس تبطن أحقادًا شخصية، وكذلك ادّعاءات مهنية استغلت نجاح فيلم "راشومون".
أتوقف أمام "راشومون". لا تغريني إعادة إنتاج فيلم كوروساوا "الساموراي السبعة" في الولايات المتحدة، ولا في مصر إذ جرى اختصار الساموراي السبعة في "شمس الزناتي". "راشومون" حالة خاصة. من بوابته الشاهقة خرج كوروساوا "إلى العالم الفسيح كسينمائي". فيه تجريب فني في مديح السينما الصامتة، في مديح بلاغة الصمت، صمت الطبيعة وصمت البشر. في كتاب "كيف تتم كتابة السيناريو"، تشيد إنجا كاريتنيكوفا بجماليات الفيلم: "لقد صوَّروا الشمس فعلًا". يذكر كوروساوا أن فيلمًا عن "الوجوه الخبيئة" للروح تناسبه ثنائية الضوء والظلال: "قررت أن أصور الشمس نفسها". آنذاك، كان التقاط الشمس بالكاميرا مباشرة من المحظورات الفنية؛ لأن تركيز الأشعة يحدث حروقًا في الشريط.
لم تتحمس شركة دايي لإنتاج الفيلم. اعترضوا على العنوان والمحتوى. رئيس الشركة اعتبره "بدعة خرقاء". كان "راشومون" أول فيلم ياباني ينال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي. واندفع كوروساوا إلى الغوص ثانية في الجوانب الخفية للنفس البشرية، عندما عرض التلفزيون "راشومون"، وأجرى مقابلة مع رئيس شركة دايي. لم يصدق كوروساوا أذنيه، والرجل يعلن أنه تشجَّع وأفسح الطريق لتنفيذ الفيلم، "وتحدث طويلًا عن تصويره، وكيف أن الكاميرا صوّبت لأول مرة باتجاه الشمس ولم يأت على ذكر اسمي واسم مياجاوا" أفضل مصوري السينما اليابانية. رأى كوروساوا، "على الهواء مباشرة"، تمثيلًا للعبة الحقيقة والكذب التي انشغل بها الفيلم.
رئيس شركة الإنتاج نموذج للمدَّعي، المسؤول التافه غير المتحقق، يزعم أبوَّة عمل أثبت نجاحه، ويعنيه ربط اسمه بهذا النجاح الذي فاجأه. وما كان الفيلم ليرى النور لولا إيمان المخرج به، ورهانه عليه. الكبار لا ينكرون فضل غيرهم، يترفعون عن انتحال جهود الآخرين. كوروساوا سجل أن المصور كازو مياجاوا "وجّه الكاميرا بشجاعة نحو الشمس". فرح كوروساوا بدخول "الكاميرا بين الأشجار، في عالم الضوء والظل، في أعماق الروح الإنسانية". وعندما انتهى من الفيلم، نسي أن يحيي مياجاوا، حتى أخبره صديقه الممثل تاكاشي شيمورا بأن مياجاوا قلق: لا يعرف هل أعجبك عمله أمْ لا؟ كتب كوروساوا: "فهمت غلطتي وذهبت إليه، واحتضنته: تصويرك رائع".
من بين ممثلين متشابهي الوجوه، حفظت ملامح تاكاشي شيمورا، الطبيب البوهيمي بطل فيلم "الملاك المخمور" (1948). وصاحب الحضور الطاغي توشيرو ميفوني. لا تخطئه العين، يجذب الانتباه، يسرق الكاميرا بمشهد أو مشاهد قليلة. كان أكثر تأثيرًا في "الملاك المخمور" من الطبيب المدمن على الكحول. ميفوني ضحية لغته اليابانية وانتمائه الشرقي في زمن استبداد المركزية الغربية، وخصوصًا بعد هزيمة اليابان. كتب كوروساوا عام 1951: "توشيرو ميفوني. اذكروا هذا الاسم جيدًا". في اختبار أداء للوجوه الجديدة عام 1946، رفضته اللجنة. واستطاع كوروساوا إقناع أستاذه ياما سان بإعادة الاختبار؛ فالشاب واعد. وأجازته اللجنة. ثم منحه كوروساوا في "الملاك المخمور" دورًا أساسيًّا، كعضو في منظمة إجرامية.
يسجل كوروساوا أن الرأي استقر على أنه مكتشف ميفوني. ينقض الإجماع وينفي ذلك تمامًا. ينسب اكتشاف "الممثل الموهوب" إلى ياما سان الذي صقل موهبته، "وأنا كنت شاهدًا فقط على عملية الصقل، وأعطيته إمكانية أن يظهر مواهبه الموَّارة... كان ظاهرة استثنائية... لديه إحساس فريد بحركة الكاميرا... يمثل حرًّا دون أيما قيود، وعنده إحساس قاطع بالإيقاع، لم أره عند ممثل ياباني. إنه غابة من الأحاسيس الرقيقة بشتى الانفعالات". يصمت كوروساوا، كأنه يتلقط نفَسًا، أو يتذكر، ثم يقول: "واضح أنني امتدحته كثيرًا، لكنها الحقيقة". ولو أنه ترك لميفوني إظهار مواهبه كلها، في "الملاك المخمور"، لاختل التوازن مع بطل الفيلم، وتغيرت البنية الدرامية. يؤكد كوروساوا أن تاكاشي شيمورا "ممثل موهوب"، لكن ميفوني "غطَّى عليه... كان جليلًا في أدائه".
في جلسة واحدة، كتب كوروساوا فيلمه الأول "سانشيرو سوجاتا". وصار مخرجًا، "لأن هذه المهنة إما أن تكون عقابًا أو مكافأة على شيء أنجزته في حياتي". ومن دون أن يعلن نظرية سينمائية، بدا مخرجًا فيلسوفًا، تخلو أفلامه من الأفكار المجردة، وينصهر الأرق الذهني في دراما متدفقة. وهذه السيرة الذاتية درسٌ في تواضع الكبار. لا يغار من مشاركيه ومساعديه، يحفظ لكل مقامه ويحيّيه. يسمي الأستاذ أستاذًا والصديق صديقًا. ولا يسمي الوضيع وضيعًا، بل يروي موقفًا ببعض العجب. ينفعل حين يعامله الرقباء كمتهم، ويتمنى أن يحطم رأس أحدهم. ليس حرفيًّا؛ ولهذا ظل طفلًا مشاغبًا، يحب عمله حتى إنه يرى كل فيلم حياة كاملة.
ما لم يقله كوروساوا، في "ما يشبه السيرة الذاتية"، إنه لم يحاول محاكاة السينما الأميركية، ولم ينشغل بتجاوزها. في المحاكاة استلاب. وفي تعمُّد التجاوز شعور بنموذج قاهر يجب التمرد عليه، وقصدية تفسد تلقائية الإبداع. لقد قدَّم كوروساوا نفسه بالصدق الفني الخشن أحيانًا. قال للعالم: هذه ثقافتي، وهذه طريقتي في التعبير الفني عنها، فاكتشف العالم معنى جديدًا، فاجأهم إبداع مغرق في يابانيته، مغرق في إنسانيته. ذلك هو التحدي.