Print
ديزيريه سخاينز

كلاريس ليسبكتور: لو أنّ الكتابة ممكنة بدون كلمات

22 مايو 2026
ترجمات

ترجمة وتقديم: عماد فؤاد


تناولت الناقدة والمترجمة الهولندية ديزيريه سخاينز في دراسات سابقة لها عددًا من الأعمال الروائية للكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور، لكنها اليوم تتّخذ من القصص القصيرة الأولى والأخيرة لهذه الكاتبة موضوعًا تبحث من خلاله عن الواقع الفانتازي الذي يربط بين هذه القصص وعن الأصول الفلسفية الكامنة خلفها. وفقًا لسخاينز، فقد كتبت ليسبكتور لأن "أسئلة كبيرة وعديدة كانت تعذّبها، إلى الدرجة التي تمنّت معها لو كان في استطاعتها استبدال الكتابة بحفر هذه الأسئلة على الخشب". ولكن لأنه لا بديل للكاتب عن استخدام الكلمات، فقد "اضطرت" ليسبكتور إلى الكتابة. هي التي تقول في إحدى هذه القصص: "وتحت الأنامل يكمن كائن ما... وهناك أذهب".



نترجم هنا عن الهولندية دراسة الناقدة والمترجمة ديزيريه سخاينز حول قصص كلاريس ليسبكتور القصيرة، وهي المترجمة المتخصصة التي نقلت إلى الهولندية أغلب أعمال ليسبكتور عن الفرنسية:

في مقال سابق لي عن رواية كلاريس ليسبكتور "العاطفة وفقًا لـ ج. هـ."(1). أبرزت جزءًا من المسعى الفلسفي الذي تقوم به بطلة الرواية داخلها. في هذه الرواية هناك بحث عن الإلهي الذي يتجلّى في الحاضر. تقوم ج. هـ. بطلة الرواية بتنظيف غرفة الخدم استعدادًا لاستقبال خادمة جديدة، وهناك تكتشف حقيقة غير متوقعة في ضوء الشمس الحارق الذي يسطع على الأشياء المهجورة، وتسعى إلى الاتحاد بأكثر الأشياء التي تعرفها إثارة للاشمئزاز: الصرصور. الذي يفاجأها وسط ركام الغرفة فتقضي عليه بضربة سريعة، من خلال هذا الحادث العرضي البسيط، تتمكن ج. هـ. من التوغل أكثر في لحظتها الحاضرة. ومما يتصل بهذا الأمر اقتران المفاهيم التي تبدو متناقضة، وهو أمر شائع في رواية "العاطفة وفقًا لـ ج. هـ.". فالتناقض لدى ليسبكتور مثل "الموت الذي يهب الحياة". من خلال هذه التزاوجات غير الاعتيادية، تخلق ليسبكتور (1925 - 1977) لدى القارئ برزخًا وسطيًا لا نملك له تسمية بعد. وقد حاولت ليسبكتور نفسها من خلال الكتابة الوصول إلى هذه النقطة، فنجدها تقول: "خلف الأذن يوجد صوت، وراء النظرة توجد أشكال الأشياء، وتحت الأنامل يكمن كائن ما... وهناك أذهب".
متأثرة بمحاضراته الثلاث عن السحر والتصوف في الأدب التي ألقاها الكاتب والشاعر الهولندي أندرياس بورنييه في جامعة ليدن، أدهشني مرة أخرى كيف أن أعمال ليسبكتور هي أيضًا سرد لمسعى روحي وفلسفي. بعض جوانبها على الأقل تجعلها أقرب إلى ثوابت السحر والتصوف في الأدب التي ذكرها بورنييه، ومن بينها:

  • خلق منطقة وسطى بين النوم واليقظة، كما تلك الواقعة بين حبّتي رمل، بحثًا عن حقيقة أخرى.
  • الرغبة في التوحّد مع المجهول والمتنافر. بعد التوحّد تنبثق بصيرة جديدة.
  • السعي وراء الخلاص.
  • انتظار لحظة التجلّي، اللحظة التي غالبًا ما تسمّى لدى ليسبكتور بـ"الفرح".
  • البحث عن طبقات أخرى داخل الذات والتعبير عنها.
  • الشعور بعدم معرفة لغة تنصف تلك التجربة الأخرى للواقع.
  • استحضار الأقطاب المتنافرة.
  • المساءلة المستمرة عن سبب وجودنا الدنيوي، وعبثية الوصول الحتمي للموت.

يضمّ نتاج ليسبكتور الكثير من المجموعات القصصية، ومن بينها: "روابط عائلية"، "سعادة سرية"، "أين كنتَ في الليل"، و"طريق الصليب للجسد"، وفيها نلحظ أن ليسبكتور تبحث عن واقع آخر من ناحية، وفي الوقت نفسه تحتضن الحاضر الدنيوي بكل جماله وقبحه، تحبّه وتصفه بتفاصيل دقيقة. ويتردّد صدى كلمة الفرح في بعض أهم نصوصها. يتألّف الكثير من نتاج ليسبكتور من القصص القصيرة، تصف فيها ضمن ما تصف رؤى تستحضرها باستخدام كلمات خيالية. عندما كانت طفلة كانت تعتقد أن القصص مثل الحيوانات أو النباتات: "موجودة مثل المادة الحيّة في الطبيعة ولا تحتاج إلى خلقها".

بدون كلمات
أرادت ليسبكتور أن تتعرّف على نفسها وعلى العالم من حولها بشكل أفضل من خلال الكتابة، هي التي تمنّت لو كانت قادرة على الكتابة من دون استخدام كلمات على الإطلاق. كتبت معلّقةً على قصص مجموعتها الأشهر "روابط عائلية" (1960): "عند الكتابة، هناك دائمًا شعور (يبدو متناقضًا) بأن الكاتب مرتبك بسبب اضطراره لاستخدام الكلمات. هذه هي المشكلة الحقيقية، تمنّيت لو كان بإمكاني الكتابة عن طريق الحفر على الخشب، أو مداعبة شعر الأطفال، أو الشرود بهدوء وسط الطبيعة، لو كنت قادرة على هذا حقًا، لما انتهى بي المطاف في طريق الكلمات، كنت سأفعل ما يفعله الكثيرون ممّن لا يكتبون، بنفس خيبات الأمل العميقة التي لا عزاء لها، وبنفس السعادة والأوجاع التي يفعلها من يكتبون: كنت سأتجنّب استخدام الكلمات".
تقارن ليسبكتور الكتابة هنا بمداعبة شعر الأطفال، والنحت في الخشب، والشرود وسط الطبيعة. تضيء هذه الصور نهج ليسبكتور في الكتابة: حذرة، رقيقة، فضولية، لكنها راغبة أيضًا في ترك أثر ما، كما لو كانت تريد من كتابتها أن تصبح نحتًا على خشب.
لم تستطع ليسبكتور الاستغناء عن الكتابة، لكنّها عانت في الأساس من حقيقة أن الكلمة لم تستطع التعبير عن مشاعرها الأعمق، كانت في صراع دائم مع الكلمة التي لا تُنطق، لذلك استطاعت دائمًا أن تجعل مفارقة اللغة ملموسة في سردها، مفارقة أنك تود أن تتكلم دون كلمات، لكنّك مجبر على استخدام كلمات ليست (أو بالأحرى لم تعد) لك، وبالنسبة لي، هنا يكمن مفتاح أعمالها.



بعد عامين من وفاتها عام 1979، نُشرت مجموعة كلاريس ليسبكتور القصصية "الحسناء والفتاة" متضمّنة ثماني قصص، جمعتها صديقتها أولغا بوريلي وابنها باولو غورغيل فالنتي، والذي قام باختيار عنوان المجموعة. كُتبت القصص الست الأولى بين عامي 1940 و1941، وكان عمر كلاريس آنذاك 15 أو 16 عامًا، فيما كُتبت القصتان الأخيرتان قبل وفاتها في عام 1977. وكانت حينها في الحادية والخمسين من عمرها، لم تُنشر أي من هذه القصص من قبل. يمكنك في هذه المجموعة متابعة تطوّر أسلوبها ومواضيعها، وقد اخترت بعضًا من مجموع القصص الثماني للاقتراب منها في هذه الدراسة، علمًا أن ثلاثًا من القصص الست من أيام مراهقتها، ولكننا نلحظ في جميع القصص كيف تلعب مشاعر الشخصية الأنثوية وأفكارها وملاحظاتها الدور الرئيس. ما أود أن أُظهره في الرؤى التالية هو أن البحث الفلسفي الداخلي كان له دور دائم في كتابات كلاريس ليسبكتور.

امرأة بدون اسم
في قصتها القصيرة "قصة محطّمة" (1940)، تظهر امرأة في الثانية والعشرين من عمرها، تفكر كثيرًا خلال ليالي الأرق. تتحدث في بداية القصة عن كيفية إعادة بناء شيء ما من خلال تدميره، إنها تشبه المرأة الأكبر سنًا في رواية "ماء حي" (1973)، حتى وهي تشعر أن كل لحظة تمر بها ستكون الأولى والأخيرة، تضع ليسبكتور هذه المرأة الشابة في مواجهة رجل أكبر منها سنًا إلى حدٍّ ما، حزين للغاية لدرجة أنه لا يملك أي أمل في الحياة؛ فهو نقيضها. يشبه هذا العاشق، الذي ينبع يأسه من ميله الجامح إلى تحليل واختزال كل ما حوله إلى الصفر، رجلًا آخر في قصة "أين أنتِ في الليل" (1974) لكلاريس ليسبكتور.
في هذه القصة المتأخرة كثيرًا، تترك امرأة زوجها لأنه اعتبر أن حياتهما قد انتهت بموت الحب بينهما. تستقل القطار وتتجه إلى الداخل البرازيلي المجهول. تفكر الشخصيتان بشكل مختلف عن الحقيقة. ففي حين أن الزوج (الذي لا نعرف من اسمه سوى الحرف الأول "و") يبحث عنها طوال حياته، فإن المرأة (التي لا تحمل اسمًا) تعرف بشكل بديهي أن الحقيقة تظهر فجأة وبالصدفة، وبالتالي وفقًا لها، فلا جدوى من البحث عنها بوعي. الزوج يرى زوجته عاطفية في محاولتها الاستمتاع بالحياة بكل ما فيها. وقد فكرت المرأة في الزواج بـ"و" لأنها اعتقدت أن بإمكانها إنقاذه بهذه الطريقة من نفوره من مؤسسة الزواج.
تدخل الزوجة صراعًا مزدوجًا، تتصارع من جهة مع الرغبة في الحاجة إلى عيش اللحظة، ومن جهة أخرى مع متطلّبات المستقبل والحب والخلود والإخلاص. إدراكها لقدراتها كأنثى، وضيق المساحات التي تتيحها بيئتها، جعلاها ترى بالفعل ما هو مطلوب منها بدون جدال. كلمات الخلود والحب والوفاء تسحق مشاعرها الخاصة التي تركز أكثر على الإشارة إلى تفاصيل تبدو غير مهمة. على سبيل المثال، يبدو أنها مغرمة بـ"و" فقط لأنه يمشط شعره دائمًا بطريقة معينة. وفي اللحظة التي تشعر فيها بالسعادة بفضل مشاعر الحب التي تنتابها بعفوية، يرفض "و" الزواج منها، لكن هذا الرفض لا يؤثر عليها، تخبرنا ليسبكتور عبر الخادمة - كما في التراجيديات الكلاسيكية - أن "و" أطلق النار على نفسه، وفجأة تنتهي القصة... لم تكن هناك حتى خاتمة سعيدة!

الكلمة والشعور
انتهت القصة بشكل فظٍّ وغير منطقي مثل صفعة على الوجه، ولكن الحكاية تستمر، إذ تكبر ليسبكتور الشابة وتتحدث الآن بضمير المتكلم في قصصها. وهي الآن متزوجة ولديها ابن. كتبت القصة لأن هناك أسئلة تؤرقها تتعلق بمعنى الأشياء: ما معنى الألم، ما معنى الانتحار، ما معنى الفقر، وما معنى الخلود والحب والله؟

يضمّ نتاج ليسبكتور الكثير من المجموعات القصصية


في رواية "ساعة النجمة" التي كُتبت عام 1977، نرى الكاتب رودريغو س. م. يعاني من الأسئلة ذاتها، فهو أيضًا يكتب لأنه لا توجد إجابة. في هذه القصة الأولى، تبرز بالفعل الأقطاب/الأضداد التي لا يمكن التوفيق بينها، بما في ذلك الأنا والآخر، اللحظة والأبدية، كما يبرز حضور الزمن والله والموت. تستخدم ليسبكتور في قصصها الأولى بالفعل أسلوبها القصصي القصير الذي اشتهرت به لاحقًا، لكنها لا تزال بعيدة عن استخدام الجمل الشرسة التي لا مفر منها والتي ستطبع قصصها اللاحقة، ومن بينها قصة "غيرترود تبحث عن المساعدة".
"غيرترود تودا" بطلة هذه القصة في السابعة عشرة من عمرها، وقد كتبت إلى طبيبتها لأنها لا تستطيع فهم الأفكار والمشاعر الكثيرة التي تغمرها، خاصة في الليل. تشعر تودا باليأس لدرجة أنها لا ترى مخرجًا سوى الانتحار، وتطلب من طبيبتها المساعدة. وأثناء انتظارها عند الطبيبة، تختلق قصة عن شخص أعمى ومقعد، ما يدفعها إلى التساؤل عن سبب سماح الله فعلًا بقدوم الأعمى والمقعد إلى الأرض، ولعل من المثير للاهتمام أن نلحظ في هذا السياق أن والدة ليسبكتور كانت معاقة، وتوفيت عندما كانت كلاريس في التاسعة من عمرها.
وعلى الرغم من أن غيرترود تودا تخبرنا أنها تحررت من صورة الله و"كل القصص التي تدور حوله"، إلّا أنها تعاني من دَين كبير تريد أن تسدّده، فهي تريد إنارة الطريق للبشرية بطريقة صوفية، وذلك من خلال حياة الرهبنة في الدير وممارسة مهنة التمريض ومساعدة الفقراء. لطالما انشغلت ليسبكتور بمسألة الذنب هذه، ويتّضح ذلك بقوة في روايتها "ماء حي". كما يظهر أيضًا الانقسام بين الأنا والآخر في هذه القصص الأولى. فالطبيبة لديها حياة خاصة بها ليست تودا جزءًا منها، ولديها أفكارها الخاصة وانفعالاتها، بينما تأمل الفتاة من الطبيبة أن تكون لها وحدها. ويزداد التباين حدةً في اللحظة التي تقول فيها الطبيبة البالغة للفتاة ذات السبعة عشر ربيعًا "سيمر الأمر". حتى أنها تريد أن تبحث عن حبيب للفتاة. لكن الطبيبة تتعرّف على شيء ما في تودا وتشرح لها أن ما تسعى إليه، أي معرفة الذات والآخر، هو عملية لا يمكن تسريعها. تستخدم ليسبكتور هنا صورة شخص يبحث عن شيء ما في الضباب. في كتابها "خراب الضباب" (1964)، تستحضر هذا البحث بمساعدة الظلام، وينتهي الكتاب على النحو التالي: "وهذه الطريقة غير المستقرّة في الإمساك بتفاحة في الظلام، بدون أن تسقطها".
لا تتحدّث ليسبكتور في قصتها "غيرترود تبحث عن المساعدة" عن الانقسام بين الأنا والآخر فحسب، بل أيضًا عن تعارض الكلمة مع الشعور. فبينما تتحدّث الطبيبة مع الفتاة عن الحياة، تعتقد في الوقت نفسه أن على الناس أن يتركوا البنت وشأنها، لكن تودا تشعر بعد الزيارة بأنها شخص مختلف، إنها تعرف أن كل شيء قد تغير، ولكن لا تعرف كيف أمكن أن يحدث ذلك؟
شعرت تودا أن شخصًا أدرك شيئًا ما فيها، ما سمح لها أخيرًا بالتعرف على نفسها. لقد منحها انفصالها عن الآخر قوة للحياة. تستمد تودا إحساسًا بالفردية والبهجة من حتمية أن كل كائن فريد ومحدود وغير قادر على مساعدة الآخر: "كل كائن يشكل كونًا خاصًا به، كل كائن له مفتاحه الخاص، وبالتالي لا يمكن أن يقدم الآخرون حلولًا، لا ينظر المرء إلى كون الآخر إلّا عندما لا يكون هناك شيء آخر يفعله، بدافع المصلحة أو لسبب آخر سطحي وغير مانح للحياة؛ آلام الآخرين راحة وليست حلًا".

(يتبع)

إحالات:
(1)  نُشرت "العاطفة وفقًا لـ ج. هـ." لأوّل مرة عام 1964، وهي رواية تجريبية يتم الإشارة إليها باعتبارها الركن الأساس في مشروع ليسبكتور الأدبي، وتدور حول امرأة تعثر على صرصور في منزلها وتقتله باشمئزاز، ثم تقضي أكثر من 200 صفحة تفكر في الأمر!