ترجمة وتقديم: عزة حسين
تقديم
منذ انتحار الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث (1932 ـ 1963) وحتى الآن لم يخفت حضورها، ولا الحضور الضدي لزوجها، شاعر البلاط الإنكليزي تيد هيوز، الذي فرّخ صمته أقاويل واتهامات بلا نهاية حمّلت نزقه وإهماله لزوجته المريضة بالاكتئاب المزمن مسؤولية انتحارها، فعلى فتراتٍ متباينة تظهر سيرة هنا، فيلم سيري هناك، قصيدة مخطوطة، رسالة، نبأ ميلادٍ أو رحيل، أو تكريم، ليضع رأس «خليفة ت. إس. إليوت» على المقصلة.
لقد كانت سنوات زواجهما القليلة عجينةً رخوةً للحكايات السائلة المضروبة بالتطرف بين الأسطرة والشيطنة، ورغم أن ديوان "رسائل عيد الميلاد"، الذي نشره هيوز قبيل رحيله بأشهر قليلة، وعندما استشف قرب أجله، كان مقاربة ذاتية للعلاقة الملتبسة بين الزوجين اللدودين، وحمل في طياته كثيرًا من التأسي، الذي يقترب من الندم، من جانب هيوز على سيلفيا وحياتهما معها، إلا أنه ظل في مجمله إحدى روايات الأسطورة، والأمر نفسه ينطبق على رواية "أنت قلت" للكاتبة الهولندية كوني بالمن المروية بلسان هيوز، واتكاءً على سرديته. وفي المقابل، كانت أعمال سيلفيا الأقرب للاعترافية ـ فضلًا عن نهايتها المأساوية ـ روايةً مضادة، بل ووثيقة إدانة طالما استندت إليها بعض الحركة النسوية التي اتخذت من سيلفيا أيقونةً لها؛ ما جعل الباب مفتوحًا على الدوام للمزيد من الأعمال الأدبية والفنية التي تتناول حياة هذين الزوجين الشهيرين التي وصفها الشاعر شوقي بزيع بـ"المعقدة المثخنة بالملابسات التي بدت أشبه بنص تراجيدي ملحمي".
ولعل أحدث هذه الأعمال هي رواية "أيام النرجس" للكاتبة الإنكليزية هيلين باين، وهي رواية تاريخية مؤثرة تروي قصة سيلفيا بلاث خلال عامها الأخير، لكن هذه المرة من خلال عيون من عرفوها خلال إقامتها في الريف الإنكليزي.
وبحسب تقديم الناشر، تقع أحداث الرواية التي "تقدم لمحة مؤثرة عن حياة أعيد تخييلها" في أوائل الستينيات، في بلدة إنكليزية صغيرة تدق أجراس الكنيسة، حيث ينشغل الناس بأمور حياتهم اليومية، ويتبادلون النظرات الخاطفة.
وتصوّر الرواية عامًا محوريًا في زواج أشهر زوجين في أدب القرن العشرين، وبالأخص الزوجة: سيلفيا بلاث. إنها صورة بانورامية لهذه الكاتبة الغامضة تنعكس من خلال الحياة الداخلية الثرية لمجتمع ريفي، ولو للحظة، تحت ضوئها.
وفي السطور التالية مراجعة للرواية الصادرة عن دار "بلومزبري" للنشر، كتبتها المحررة الثقافية لصحيفة "الغارديان" البريطانية ميليسا هاريسون:
يُعد هذا العمل الأول للكاتبة هيلين باين، المعمق بحثيًا والمقنع للغاية، والذي يصور انهيار زواج الشاعرين سيلفيا بلاث وتيد هيوز عبر عيون المحيطين بهما، إنجازًا مذهلًا.
تجري أحداث رواية "أيام النرجس" (The Daffodil Days) في أوائل ستينيات القرن الماضي، وهي تروي قصة زوجين ينتقلان من لندن إلى الريف، حيث يرزقان بطفلهما الثاني، ويحاولان الاستقرار هناك، لكن سرعان ما ينهار زواجهما، ويتحول إلى أشلاء، ويفترقان من جديد.
لكننا بدلًا من وصف الزوجين بشكل مباشر، نلمحهما من خلال عيون المحيطين بهما؛ من طبيب القرية، وعاملة النظافة، وعدد من الجيران، إلى الأصدقاء والزملاء والزوار، مما يقدم للقارئ لوحات أدبية مرسومة من مسافات وزوايا نظر متباينة.
ورغم عدم التصريح بذلك في كلمة الغلاف، فإننا نستنتج أن الزوجين المعنيين في الرواية هما سيلفيا بلاث، وتيد هيوز؛ فبعد ثمانية أسابيع فقط من الفترة التي تغطيها الرواية، كانت بلاث قد عادت إلى لندن لتنهي حياتها.
خلال فترة إقامتهما في مقاطعة "ديفون" ما بين عامي (1961 ـ 1962)، أتمّت بلاث روايتها "الناقوس الزجاجي"، ووضعت طفلها الثاني "نيكولاس" في المنزل، وكتبت القصائد التي نُشرت بعد وفاتها في ديوان "آرييل". فيما كان هيوز قد بدأ علاقته، التي سرعان ما اكتشفتها بلاث، مع الشاعرة آسيا ويفيل.
وبالنظر إلى أن حياة الزوجين طالما كانت مادة خام لصناعةٍ أدبيةٍ كاملة، فقد يُعذر المرء لو ظن أنه لم يتبقَّ كثير مما لم يقل عن فترة إقامتهما في ديفون؛ ولكن عبر مقاربة الموضوع من وجهات نظر الآخرين، يحقق هذا العمل الأول البارع، المعمق بحثيًا، والمحكم للغاية شيئًا استثنائيًا.
في لحظات معينة، تبدو تجربة قراءة هذا العمل أقرب إلى السفر عبر الزمن: "نعم"، ستشعر وكأنك تشاهد بلاث وهي جالسةٌ وفي حضنها ابنتها فريدا في الحديقة، أو وهي تضمد إبهامها المصاب عند الطبيب، أو تلمحها وهي تستيقظ في الرابعة صباحًا لتكتب؛ إذ لا بد وأن الأمور كانت تجري على هذا النحو.
هذا الإبهام المصاب هو بالطبع ما ألهمها قصيدتها الشهيرة "جرح" (Cut)، وفي الرواية نراها وهي تجرب بعض صورها واستعاراتها أمام الدكتور ويب: ("غطاء جلدي ناصع البياض/ يرفرف كقبعةٍ/ ثم ذلك المخمل الأحمر"). هنا أيضًا نجد البدلة ذات اللون الجملي التي وصفتها بلاث في رسالة لوالدتها، والتي يمكن رؤيتها في صورها الملتقطة في خريف عام 1962: فبعدما لم تجد شيئًا في متجر الملابس النسائية المحلي، جعلت هيلين باين البائعةَ تخبر بلاث بأن تجرب متجر "جايغر- Jaeger" الموجود في مدينة إكستر.
وهنا الأرضية الخرسانية التي أبت أن تجف، وغسالة "بينديكس" التي كانت بلاث سعيدة بها للغاية. وهنا رحلتها إلى مبنى الإذاعة لتسجيل مقالها المعنون بـ"مقارنة" إذاعيًا.
عبر الرواية نلتقي بأصدقاء سيلفيا بلاث مثل: كلاريسا روش، وآل ألفاريز، ومارفين وكاثي كين، كما نلمح علاقة الصداقة الشائكة الشهيرة مع ديدو وويليام ميروين ـ بما في ذلك إعادة سرد تلك الواقعة المخزية التي التهمت فيها بلاث الحامل غداء أربعة أشخاص تقريبًا. وبين يدي هيلين باين، لم تعد تلك الواقعة مجرد تصرف أناني طائش، ولا حتى "شراهة أو نهم" كما وصفته ديدو، بل فعل انتقامي مؤذٍ ومتعمد.
تفكيك المأساة
إن بناء رواية تُروى عبر رواة عديدين يفرض صعوبات فنية بالغة؛ إذ لا يكفي أن يمتلك كل شخص صوتًا متفردًا فحسب ـ الأمر الذي نجحت فيه الكاتبة إلى حدٍ كبير ـ بل يجب أن يمتلك كل منهم عالمًا داخليًا خاصًا يجعله يعلق في ذاكرة القارئ، وأن تُرسَم كل شخصية بوضوح كافٍ ليتذكرها القارئ عندما يقابلها مجددًا في فصل لاحق، ومن خلال زاوية نظر مغايرة.
أيضًا يتطلب التحكم في ما يكشفه كل راوٍ عن الخيط المركزي للرواية، من الكاتب، أن يتحسس خطواته ويسلك مسلكًا حذرًا؛ لأنه إذا جعل "الحبكة" المتمثلة في (انهيار زواج سيلفيا وتيد) محور اهتمام جميع الشخصيات، فستبدو النتيجة مسرحية ومصطنعة للغاية، أما إذا بالغ في تهميشها فستفقد الرواية إيقاعها وتوترها.
لكن باين، وفضلًا عن هذه التحديات، تضيف تحديًا جديدًا: فهي تروي القصة بشكل عكسي (Backwards)، بادئةً من كانون الأول/ ديسمبر 1962، من منزل بلاث وهيوز في "كورت غرين بنورث تاوتون"، حيث يتم إخلاؤه وحزم أغراضه بعد انفصالهما ورحيلهما، وتنتهي بهما في فرنسا في تموز/ يوليو عام 1961، وهما يتطلعان بشغفٍ إلى انتقالهما المرتقب إلى مقاطعة "ديفون".
ورغم أن الدافع وراء هذه البنية السردية قد يكون مفهومًا ـ وهو العودة بالزمن لتفكيك الأحداث التي أدت إلى موت بلاث المأساوي ومعاينة كيف وأين تسلل الفساد إلى حياة الزوجين، ولتختتم الرواية بهما سعيدين ومتفائلين ـ إلا أن ذلك أثر بشكل كبير على إيقاع الرواية، وحرمها من قوتها الدافعة، وأضاف صعوباتٍ مركبةً على القارئ، الذي يبذل بالفعل جهدًا كبيرًا لتمييز شكل الأحداث المسرودة عبر وجهات نظر متعددة. ربما كان الكتاب سيصبح أكثر سهولة في الفهم ـ خاصة للقراء غير الملمين بسيرة بلاث ـ لو تم سرده خطيًا من خلال أصوات متعددة، أو عكسيًا من خلال وجهة نظر واحدة عبر تقنية الراوي العليم.
ورغم ذلك، تظل رواية "أيام النرجس" إنجازًا مذهلًا؛ فنثرها سلس وذكي، ودقيق. كما يتجلى أن الكاتبة هيلين باين قد قدمت بحثًا وافيًا مستفيضًا، ليس فقط فيما يتعلق بحياة بلاث وهيوز، بل في تفاصيل دقيقة مثل قرع أجراس الكنائس، والجراحة، وصناعة العسل، وتسجيل الصوت للبث الإذاعي، وغيرها. لكنها طوعت كل تلك المخرجات للتخديم على شخصيات الرواية، ما جعل عوالمها صادقةً فنيًا وغير مثقلة بظلال الجهد المبذول فيها.
في مقال نُشر عام 1993 في مجلة نيويوركر، اقتبست الصحافية الأدبية الكبيرة جانيت مالكولم من الناقد جورج شتاينر، وكتبت تقول: "كيف أصبحت الطفلة، "الممتلئة والذهبية في أميركا" امرأةً نحيلةً وشاحبةً في أوروبا، تلك الشاعرة التي كتبت قصائد مثل "ليدي لازاروس"، و"أبي"، و"حافة"، ستظل لغزًا من ألغاز التاريخ الأدبي". لكن ها هي هذه الرواية الطموحة والعميقة التي كتبتها هيلين باين تقدم جوابًا مقنعًا للغاية.
هامش:
(*) هذا المقال منشور في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 2 آذار/ مارس 2026. بعنوان: The Daffodil Days by Helen Bain review – virtuoso portrait of Ted Hughes and Sylvia Plath’s final year
ويمكن الاطلاع عليه باللغة الإنكليزية عبر الرابط التالي: