ترجمة: دارين حوماني
ست طرق يمكن للذكاء الاصطناعي من خلالها أن يكون شريكًا لنا في الاستقصاء الإبداعي، مستلهمة من منظّر الإعلام مارشال ماكلوهان
تعالج نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) اليوم المعلومات عبر مختلف التخصصات بسرعة غير مسبوقة، وهي تدفع مؤسسات التعليم العالي إلى إعادة التفكير في أساليب التدريس والتعلم وبنية التخصصات.
ومع اضطراب الحدود التقليدية بين المواد الدراسية بفعل أدوات الذكاء الاصطناعي، يواجه المعلمون معضلة: فبعضهم يسعى إلى حظر هذه الأدوات، بينما يبحث آخرون عن طرق لدمجها في الصفوف الدراسية.
كلا النهجين ينطويان على خطر تفويت تحوّل أعمق تنبّأ به المنظّر الكندي للاتصالات مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) قبل 60 عامًا.
يمكن لرؤى ماكلوهان أن تساعد المعلمين - وجميعنا الذين نكافح لفهم معنى واستخدامات وإساءات استخدام الذكاء الاصطناعي - على التفكير في كيفية تنمية عقلية جديدة، عقلية تدمج بين الفاعلية البشرية وقدرات الآلة بشكل واعٍ ونقدي.
"عرّاف العصر الكهربائي"
في منتصف ستينيات القرن العشرين، نشر ماكلوهان كتاب "فهم وسائل الإعلام" (Understanding Media)، مكتسبًا شهرة "عرّاف العصر الكهربائي" (Oracle of the electric age).
في الفصل المعنون "الأتمتة: تعلّم لكسب العيش"، يفتتح ماكلوهان بملاحظة مثيرة: "تموت المدرسة الريفية الصغيرة عندما يُبنى طريق جيّد". فقد اقترح أن التغيّر التكنولوجي لا يكتفي بتعزيز الأنظمة القائمة، بل يغيّرها.
وبينما كانت الطرق في السابق توسّع الوصول إلى التعليم المتخصص، فإن "الأتمتة" (Automation) (*) تعكس هذا المنطق، كما جادل.
وذلك لأن الحدود بين التخصصات تتلاشى، ويُعاد تعريف تقاطع التعلّم والعمل. وقد كتب:
"الأتمتة… لا تنهي الوظائف في عالم العمل فحسب، بل تنهي المواضيع في عالم التعلّم".
تنبّأ ماكلوهان بأن الحوسبة ستُتيح أشكالًا جديدة من التعرّف على الأنماط، مما يستلزم طرق تفكير مختلفة جذريًا - أكثر تكاملًا وترابطًا واستجابة- بدلًا من مجرد تسريع الأساليب القديمة.
الأتمتة تجعل الفنون ضرورة
الأهم من ذلك، جادل ماكلوهان بأن الأتمتة، بدلًا من أن تجعل الفنون والعلوم الإنسانية غير ذات صلة، فإنها تجعلها ضرورية. ففي عصر تندمج فيه ذكاءات الآلة في التواصل والإبداع، تصبح العلوم الإنسانية - بتركيزها على الفهم الثقافي، والتفكير الأخلاقي، والتعبير الخيالي- أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وللتعامل مع هذا المشهد، يمكننا الاستفادة من مفهوم "الممكن المجاور" الذي طرحه الباحث في الأنظمة المعقدة ستيوارت كوفمان، كما طوّره الكاتب وخبير الابتكار ستيفن جونسون في نظريته عن الابتكار.
يشير مفهوم "الممكن المجاور" إلى مجموعة الفرص والابتكارات التي تصبح متاحة عندما يتم استكشاف تركيبات جديدة من الأفكار والتقنيات الموجودة.
وهذا ما يُفضي إلى ما أسمّيه "التجاور مع الذكاء الاصطناعي: "وهو إطارٌ فكري يتعامل مع الذكاء الاصطناعي لا بوصفه بديلًا عن الذكاء البشري، بل بوصفه شريكًا في التعاون الاستراتيجي والاستقصاء الإبداعي".
ست طرق يمكن أن يكون بها الذكاء الاصطناعي شريكًا في الاستقصاء الإبداعي
1. التمييز النقدي
يبدأ التعلم المجاور للذكاء الاصطناعي بالتمييز النقدي: أي القدرة على تقييم القيمة الفكرية والثقافية بغضّ النظر عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي قد شارك في عملية الإنتاج.
عندما فازت صورة مُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي صمّمها مطوّر الألعاب جيسون ألين بعنوان "Théâtre D'opéra Spatial" بالمركز الأول في مسابقة للفنون الرقمية في معرض ولاية كولورادو عام 2022، وشارك ألين تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي، اندلع جدل واسع.
لم يكن المعلّقون متأكدين من كيفية تقييم القيمة الفنية عندما تكون العملية الإبداعية مشتركة مع الذكاء الاصطناعي. ويُذكر أن ألين قضى أكثر من 80 ساعة في صياغة أكثر من 600 توجيه نصي عبر منصة Midjourney، كما أجرى تعديلات رقمية على العمل. ويُظهر هذا الجدل كيف أن التمييز النقدي يتجاوز مجرد الكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي ليطرح أسئلة أعمق حول التأليف، والجهد، والحكم الجمالي.
2. التعاون الاستراتيجي
يتطلب التعاون الاستراتيجي اتخاذ قرارات دقيقة بشأن متى وكيف يُستعان بأدوات الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية. وتشير دراسة حديثة إلى أن "تأثير ChatGPT كأداة للتغذية الراجعة على مهارات الكتابة لدى الطلاب كان إيجابيًا وملموسًا".
وكما قال أحد الطلاب المشاركين في الدراسة:
"عندما تستخدم ChatGPT داخل الصف مع زملائك، فإنك تستخدمه مع عدة أشخاص. هناك الكثير من النقاش يحدث في الوقت نفسه! إنه أمر رائع نوعًا ما. المحادثات ذات معنى كبير، ومن دون أن نشعر، نكون نعمل معًا ونكتب".
تكمن القيمة هنا في تعاون يُيسّره الذكاء الاصطناعي ويشجّع الطلاب على الاهتمام أكثر بتعلّم كيفية التعبير عن أنفسهم من خلال الكتابة.
3. رعاية الصوت والرؤية
تعني رعاية الصوت والرؤية التأكد من أن التكنولوجيا تخدم التعبير الفردي، وليس العكس. ففي كلية بيركلي للموسيقى في بوسطن، ومع تنوع المدرّسين، يُشجَّع الطلاب على استكشاف الاستخدامات المتعددة للذكاء الاصطناعي في تعزيز عمليتهم الإبداعية. وإذا تم استخدامه، يؤكد المدرّسون أن المخرجات يجب أن تعكس أسلوب الفنان الخاص، لا مجرد طلاقة الخوارزمية. وهذا يعزز الوعي الذاتي والتأليف الإبداعي في ظل التعاون مع التكنولوجيا.
4. المسؤولية الثقافية والاجتماعية
أدوات الذكاء الاصطناعي ليست محايدة، لكنها يمكن أن تكون حليفًا قويًا عندما تُطوَّر بروح من المسؤولية الثقافية والاجتماعية. يعمل باحثون في جزيرة فانكوفر على تطوير تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي خصيصًا للغة كواكوالا (Kwak'wala)، وهي لغة أصلية مهددة بالاندثار.
وأوضحت سارة تشايلد، وهي عضوة في قبيلة كواجول وأستاذة في تعليم السكان الأصليين وتقود هذا المشروع، في حديثها لـ CBC أنه من خلال "بناء أداة تكنولوجية، أداة للتعرّف على الكلام، يمكننا الاستفادة من هذا المورد المذهل الذي سيساعدنا على استعادة اللغة واسترجاعها من الأرشيفات".
وعلى عكس الأنظمة الحالية المصممة للغة الإنكليزية، يجب بناء هذا النظام من الصفر لأن لغة كواكوالا تتمحور حول الأفعال بدلًا من الأسماء.
ويُظهر هذا المشروع كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز أصوات الفئات المهمشة. ففي هذه الحالة، تتحكم المجتمعات الأصلية في عملية التطوير، وتبقى المعرفة الثقافية في أيدي أفراد المجتمع.
5. الخبرة التكيفية
تعني الخبرة التكيفية معرفة متى يجب الابتكار خارج الحلول الروتينية. ويعرّفها باحثو التعليم الطبي برايان ج. هِس وزملاؤه بأنها "القدرة على تطبيق الإجراءات الروتينية، وكذلك معرفة متى تتطلب الحالة حلولًا إبداعية مبتكرة".
في عالم مدمج فيه الذكاء الاصطناعي، يجب على الطلاب التمييز بين الحالات التي تكون فيها استجابات الذكاء الاصطناعي مناسبة وتعزّز الإنتاجية، وبين الحالات التي تتطلب تفكيرًا بشريًا أبطأ وأكثر عمقًا وتحليلًا إبداعيًا.
فعلى سبيل المثال، يمكن لطلاب التاريخ استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة المواد الأرشيفية بسرعة واكتشاف الأنماط، لكن عليهم أيضًا تعلم كيفية استخدامه في تفسير الأهمية الثقافية لهذه الأنماط، وهو ما يتطلب مناهج تحليلية مبتكرة تستند إلى تعليم إنساني.
| |
| فازت صورة مُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي صمّمها مطوّر الألعاب جيسون ألين بعنوان "Théâtre D'opéra Spatial" بالمركز الأول في مسابقة للفنون الرقمية في معرض ولاية كولورادو عام 2022 |
6. الفاعلية الإبداعية والفكرية
تمثل الفاعلية الإبداعية والفكرية ركيزة أساسية في تعليم العلوم الإنسانية، وهي متجذرة في المفهوم الألماني Bildung، الذي يعني تطوير الذات من خلال التفاعل النقدي مع الأفكار المعقدة.
ويظل هذا المبدأ، المتمثل في تنمية التفكير المستقل والانتباه العميق للمشكلات الصعبة، ضروريًا في عالم مدمج فيه الذكاء الاصطناعي. ويتمثل التحدي الذي يواجه التعليم العالي في إيجاد طرق لتعزيز هذه الفاعلية الفكرية من خلال التعاون الإبداعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي جامعة ليهاي في بنسلفانيا، يعمل طلاب العلوم الإنسانية مع علماء الحاسوب لتطوير مقررات متعددة التخصصات مثل "الخوارزميات والعدالة الاجتماعية"، التي تتضمن تطبيق رؤى إنسانية خلال عمليات تحليل البيانات.
تحذير ماكلوهان: فقدان الوعي الذاتي
قدّم ماكلوهان أيضًا تحذيرًا قويًا من خلال أسطورة نرسيس في كتابه "فهم وسائل الإعلام".
فعلى عكس التصور الشائع، رأى ماكلوهان أن نرسيس لم يقع في حب نفسه، بل أخطأ في اعتبار انعكاسه شخصًا آخر.
ويكتب ماكلوهان أن هذا "الامتداد الذاتي عبر المرآة"، "خدّر إدراكه حتى أصبح بمثابة آلة خادمة لصورته الممتدة"، أي أن نرسيس أصبح معتمدًا على انعكاسه.
إن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس في أنه سيحلّ محلّنا، بل في أننا قد نفقد وعينا بذواتنا. فنحن نخاطر بأن نصبح مستخدمين سلبيين لامتداداتنا التكنولوجية، تارِكين إياها تُشكّل طريقة تفكيرنا وإبداعنا وتعلّمنا من دون أن ندرك ذلك. وبحسب تعبير ماكلوهان: نصبح أدواتٍ لأدواتنا.
وتقدّم الممارسات المجاورة للذكاء الاصطناعي مخرجًا من هذا المأزق. فمن خلال التعامل الواعي مع التكنولوجيا عبر الأبعاد الستة، يتعلّم الطلاب توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية وإبداعية - بدون التفريط باستقلاليتهم.
*****
(*) الأتمتة هي استخدام التكنولوجيا والبرمجيات لتنفيذ المهام والعمليات بأقل تدخل بشري ممكن.
- غوردون أ. غاو (Gordon A. Gow): أستاذ في الإعلام والاتصالات بجامعة ألبرتا في كندا، ويشغل منصب مديرة وحدة دراسات الإعلام والتكنولوجيا، تركّز أبحاثه على الآثار الاجتماعية للإعلام الرقمي والتكنولوجيا ومحو الأمية الرقمية. لديه اهتمام طويل الأمد بعلم بيئة الإعلام، مع تركيز خاص على أعمال مارشال ماكلوهان.
نُشر هذا المقال على موقع The Conversation بتاريخ 12-6-2025 على الرابط التالي:
https://theconversation.com/profiles/gordon-a-gow-1391532