ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
تقديم
يظهر مصطلح "الواقعية السياسية" في التحليلات الجيوسياسية الحالية ليهيمن على غرف القرار المغلقة في جميع عواصم العالم؛ من واشنطن إلى طهران، ومن موسكو إلى كييف. من صنعاء إلى تل أبيب، ومن برلين إلى بكين، كل الأفواه تنطق الكلمة كتبرير لأفعالها، القوي والضعيف، المُعتدِي والمعتدَى عليه، لكن ما هي الجذور الفكرية لمدرسة "الواقعية السياسية"؟ وما مدى "واقعية" واقعنا السياسي المعاصر في الواقع؟
سؤال يطرحه المؤرخ الهولندي تور ريدين في مقاله التالي كمدخل لفهم الفروق بين "الواقعية السياسية" Political Realism و"السياسة الواقعية" Realpolitik، مستعرضًا التطور التاريخي لمفهوم "الواقعية السياسية" بداية من جذوره الألمانية المهاجرة إلى أميركا، ثم يكشف كيف تحول هذا المفهوم في عصر ترامب إلى "استعراض فجّ للقوة"، يختلف جذريًا عن الواقعية الكلاسيكية. ولذلك يبدأ الكاتب بتتبّع الجذور الألمانية - اليهودية للواقعية السياسية الأميركية، التي تأسست على أيدي مهاجريْن يهودييْن ألمانييْن هما هانز مورغنثاو وهاينز كيسنجر (الذي سيعرف باسم هنري كيسنجر فيما بعد)، وقد تعلّم الاثنان من التجربة الألمانية أن الديمقراطية بدون احتكار قوي للعنف محكوم عليها بالفشل، في إشارة إلى فشل جمهورية فايمار أمام النازية.
كما يقدّم لنا المقال أدلّة تاريخية حيّة على أن "الواقعية السياسية النظرية"، كالتي صاغها وطبّقها هانز مورغنثاو، كانت ردّة فعل على فشل ديمقراطية فايمار وسذاجتها الأخلاقية، لكنها لم تكن "عديمة الأخلاق"، بل كانت تسعى لحماية الدولة من أن يتم اختطاف "مصالحها الوطنية" على أيدي جماعات انتقامية كما حدث مع النازيين. أراد مورغنثاو سياسة "باردة وعاقلة"، لا وحشية. أما "السياسة الواقعية" أو بالأحرى الممارسة الكلاسيكية لفكرة السياسة الواقعية، مثل التي مارسها المستشار الألماني أوتو فون بسمارك في ألمانيا، فهي براغماتية وقاسية، لكنها كانت محصورة في إطار "الدولة القومية وميزان القوى الأوروبي".
كما يكشف تور ريدين عن تحوّل "السياسة الواقعية" إلى مجرّد "استعراض فارغ للقوة" لدى أنصار حركة ماغا الأميركية، ويتتبّع كيف تحوّل مفهوم المدرسة الكلاسيكية المبكّر، بدءًا من مورغنثاو وصولًا إلى كيسنجر، لتصبح "السياسة الواقعية" وسيلة لحماية "المصالح الوطنية للأغلبية"، ولو بوسائل قاسية.
كيسنجر نفسه كان يهتم بـ"المصداقية" كأداة للرّدع في حرب فيتنام، وهي "المصداقية" التي جعلته يمد زمن الحرب إلى ست سنوات كاملة! لكن اليوم، وبعد التحوّلات الجذرية التي أجراها ترامب على السياسة الأميركية منذ ولايته الثانية، نجد أن ترامب نفسه لا يمارس "واقعية" ولا "سياسة واقعية" من الأصل، بل "استعراض فجّ للقوة"، من أهم خصائصه أنه بلا هدف وطني حقيقي، بل يملك أهدافًا فردية تتمثّل في الرغبة في الاستعراض وإذلال الخصوم وكسب الاهتمام الإعلامي، مستخدمًا "الواقعية" كستار خطابي لتبرير التهور والانتقامية.
كذلك يوقفنا المقال أمام مفارقة تاريخية لافتة: طوّر هانز مورغنثاو (اليهودي الألماني الهارب من النازية) مصطلح "الواقعية السياسية" لمحاربة استغلال "المصلحة الوطنية" من قبل مجموعة انتقامية على حساب الأقليات. في حين أن ترامب وأنصاره من حركة ماغا يستدعيان خطاب "القوانين الحديدية" ذاته ويفعلان حرفيًا ما كان مورغنثاو يخشاه بالضبط؛ اختطاف المصالح الوطنية لصالح "غرور الفرد واستعراض القوة وإذلال الحلفاء".
وإذا كان المقال قد بدأ بسؤال حول الجذور الفكرية والتاريخية لمدرسة "الواقعية السياسية"، فإنه ينتهي بأن يوقفنا أمام سؤال أهم وأكثر إيلامًا: هل يمكن أن تتحوّل "السياسة الواقعية" نفسها إلى "أيديولوجيا زائفة" تخدم شهوة القائد لا مصالح الدولة؟ يجيب المقال بنعم، وهذا يعني أن أخطر عدو للواقعية ليس المثالية، بل "المسرح السياسي" حيث تصبح القوة غاية في حد ذاتها، فقط لمجرد الاستعراض والإبهار.
هنا الجزء الثاني والأخير من هذا المقال:
من هارفارد إلى البيت الأبيض
ولد هاينز كيسنجر عام 1923 في بلدة صغيرة على مشارف مدينة نورنبرغ الألمانية. كانت والدته ربة منزل ووالده مدرسًا. كانا وطنيين ألمان متعلمين، مثل الكثيرين من الطبقة الوسطى الألمانية. سئمت الأسرة من العنف المعادي للسامية بحلول عام 1938، وقررت المغادرة إلى نيويورك. في عام 1943، عاد هاينز، الذي كان قد بلغ العشرين من عمره، إلى وطنه ألمانيا، ولكن هذه المرة كأميركي يرتدي الزي العسكري. شارك في معركة الأردين وكان جزءًا من القوات الأميركية التي تقدمت نحو ألمانيا، حيث حررت كتيبته معسكرات الاعتقال بالقرب من هامبورغ، ليتضح لاحقًا أنه فقد 13 شخصًا من أقربائه في تلك المعسكرات.
عمل كيسنجر في معسكرات إعادة التأهيل التابعة للحلفاء بعد استسلام ألمانيا، حيث كُلف بإعادة تأهيل المسؤولين النازيين، وكتب لاحقًا أنه شعر هناك لأول مرة بأنه أميركي. وعاد إلى الولايات المتحدة أواخر الأربعينيات بعدما أتيحت له فرصة الدراسة في جامعة هارفارد. ومع ذلك ظلت اهتمامات كيسنجر منصبّة على أوروبا، إن لم تكن على "أوروبا الناطقة بالألمانية" تحديدًا. قدم كيسنجر كطالب بكالوريوس أطروحة عن الفيلسوفين أوزوالد سبنجلر وإيمانويل كانط، من بين أمور أخرى، وكطالب دكتوراه كتب عن الدبلوماسي النمساوي كليمنس فون ميترنيخ، ودرس سياسة أوتو فون بسمارك الذي أسس الإمبراطورية الألمانية على مفهوم "السياسة الواقعية" (Realpolitik) في الفترة بين 1866 و1871.
التقى كيسنجر في هارفارد بأشخاص كان لهم تأثير كبير عليه، وظل على اتصال بهم طوال بقية حياته المهنية، ويبرز اثنان من هؤلاء بشكل خاص: الأول هو هانز مورغنثاو، الذي ظل كيسنجر يتبادل الرسائل معه طوال حياته. والثاني هو المهاجر البولندي زبيغنيو بريجنسكي، الذي ستنشأ بينه وبين كيسنجر منافسة دائمة. جنبًا إلى جنب مع المهاجرة التشيكية ماري يانا كوربيلوفا التي ستُعرف لاحقًا في الولايات المتحدة باسم مادلين أولبرايت. سيصبح كيسنجر وبريجنسكي أهم دبلوماسيين في الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب؛ أولبرايت وبريجنسكي للديمقراطيين؛ وكيسنجر للجمهوريين!
| |
| أدى اتصال كيسنجر بالزعيم المصري أنور السادات في أوائل السبعينيات إلى تطوير سياسة أميركية تجاه الشرق الأوسط |
بعد إتمام دراسته في الخمسينيات، عُرض على كيسنجر منصب في جامعة هارفارد عام 1954، حيث طوّر ونظّم فكره السياسي بطريقة أكاديمية. وعمل منذ عام 1956 مستشارًا للمرشح الرئاسي نيلسون روكفلر الذي صمم له سياسة خارجية. وفي الأوساط المحيطة بعائلة روكفلر الشهيرة تلك، لفت كيسنجر الأنظار إليه استراتيجيًا، ليختاره الحزب الجمهوري عام 1967 لدعم مرشح رئاسي آخر: ريتشارد نيكسون.
بوجود كيسنجر إلى جانبه، أصبح ريتشارد نيكسون رئيسًا عام 1969، وتبين أن هذا كان زواجًا ناجحًا جدًا، فقد تمكن نيكسون، الانتهازي المعادي للمثقفين، من إضفاء هيبة على سياسته بفضل الاستراتيجي المثقف هنري كيسنجر. ليشغل هذا الأخير منصبي مستشار الأمن القومي الأميركي ثم وزير الخارجية على التوالي في الفترة من 1969 وحتى 1977. كما حصل كيسنجر الأكاديمي على فرصة كاملة لتطبيق أفكاره على أرض الواقع الأميركي. وهكذا كتب كيسنجر، قبيل تنصيب نيكسون، ورقة أكاديمية استشهد فيها مرة أخرى ببسمارك الألماني، وأكد فيها على أن الوضع حرج وأن السياسة الواقعية مطلوبة. رأى كيسنجر أن الولايات المتحدة تمر بظروف صعبة؛ فحرب فيتنام كارثة، فيما يقوم الاتحاد السوفياتي تحت قيادة بريجنيف بتعزيز سيطرته على أوروبا الشرقية، وفي الوقت نفسه، توجه حركة الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي انتقادات شديدة للسلطات التقليدية.
وفقًا لكيسنجر فإن مكانة الولايات المتحدة كانت آنذاك على المحك، وأن الانسحاب المفاجئ من حرب فيتنام لن يؤدّي إلّا إلى تفاقم الكارثة، وإهدار مصداقية القوة الأميركية. وقد قرر مواصلة هذه الحرب المروعة لمدة ستّ سنوات أخرى، مع التركيز بشكل أساسي، وخلف الأبواب المغلقة، على "المصداقية الأميركية". وتحت نفس الشروط "مصداقية القوة الأميركية وتوسيع نطاقها"، ينصح كيسنجر بالتدخل "بطريقة دموية للغاية" في كمبوديا وبنغلاديش وإندونيسيا، من بين دول أخرى؛ بل ويتم تحت قيادته، تشكيل أو دعم أنظمة قمعية في أميركا الجنوبية. كل ذلك لمكافحة التهديد الشيوعي أو قمعه في مهده. في الوقت الذي تم فيه التغاضي عن غرف التعذيب والقتلى المدنيين، ويفضل أن يتم كل شيء في "سرية تامة".
عندما حصل كيسنجر على جائزة نوبل للسلام عام 1973 لإنهاء القتال في فيتنام، استقال عضوان من لجنة الجائزة. ووصف الصحافي الأميركي الشهير سيمور هيرش كيسنجر بأنه مجرم حرب؛ وكذلك فعل المؤرخ الأميركي الشهير غاري باس، واتهمه السناتور الشاب جو بايدن بتطبيق "مبدأ مونرو العالمي". وحتى الجمهوريون يجدون صعوبة في تقبل حقيقة أن كيسنجر لا ينظر إلى الولايات المتحدة كقوة أخلاقية ومسيحية، كما يكتب عالم السياسة والدبلوماسي الفرنسي جيريمي غالون في سيرته الذاتية الحديثة عن كيسنجر.
| |
| سيصبح كيسنجر وبريجنسكي أهم دبلوماسيين في الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب (في الصورة كتاب السيرة الذاتية الذي وضعه إدوارد لوس عن حياة زبيغنيو بريجنسكي) |
تفاخر أيديولوجي
أحد أهم منتقدي سياسة هنري كيسنجر كان زميله في الدراسة المذكور سابقًا زبيغنيو بريجنسكي، الذي أصبح بعد تخرجه دبلوماسيًا بارزًا في الحزب الديمقراطي الأميركي. عندما بدأ كيسنجر التفاوض نيابة عن الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي عام 1975 لتجميد الحاجز الحديدي، كان بريجنسكي في حالة من الغضب الشديد. فهو يرى أن هذه مبادرة نموذجية لأوروبا الغربية. ووفقًا له، فإن سيادة أوروبا الشرقية ستُلتهم نهائيًا من قبل موسكو عبر هذا الاتفاق. لكن في لحظة حاسمة أقنع بريجنسكي كيسنجر بإدراج بند أخلاقي بشأن حقوق الإنسان في كل اتفاق. وافق كيسنجر وقدّم البند إلى السوفيات على أنه مجرّد "تفاخر أيديولوجي" من جانب الديمقراطيين. لكن سيتبين لاحقًا أن هذه الفقرة كانت أساسية بالنسبة لأوروبا الوسطى والشرقية في التحرر من الاتحاد السوفياتي، كما يوضّح إدوارد لوس في السيرة الذاتية التي وضعها مؤخرا عن حياة زبيغنيو بريجنسكي.
بعد وفاة بريجنسكي كتب وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في صحيفة "واشنطن بوست": "مثلما أدخل هنري كيسنجر المنظور الأوروبي الغربي في التفكير الاستراتيجي الأميركي، غمر بريجنسكي هذا التفكير بحساسية أوروبا الشرقية المقموعة".
لا يزال كيسنجر في أوروبا الوسطى والشرقية يمثل رمزًا لأوروبا الغربية أيضًا، ولشيء ما "ألماني". قال كيسنجر لمجلة "دير شبيغل" عام 2009: "يتهمني الناس بممارسة السياسة الواقعية على الدوام، لا أعتقد أنني استخدمت هذا المصطلح قط. إنها طريقة يستخدمها النقاد لتصنيفي، يريدون القول: ’انتبهوا منه، فهو في الحقيقة مجرد ألماني’". ومع ذلك، كان كيسنجر في المقام الأول رمزًا للنظرة الأميركية للعالم في زمن الحرب الباردة. الدراسات حول عمله كثيرة لدرجة أنه يمكن الحديث عن "كيسنجرولوجيا" حقيقية.
كان للصراع على السلطة مع الاتحاد السوفياتي، تحت قيادة كيسنجر، نتائج بناءة أيضًا. فقد كان من أوائل من استغلوا الفرص التي نشأت بين مصر والصين من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، وأدى اتصاله بالزعيم المصري أنور السادات في أوائل السبعينيات إلى تطوير سياسة أميركية تجاه الشرق الأوسط، وهي منطقة لم تكن الولايات المتحدة تتدخل فيها قبل ذلك. كما كان هنري كيسنجر أول مسؤول حكومي أميركي يسافر إلى الصين للقاء الزعيم تشو إن لاي، ما أدى إلى إقامة علاقات جديدة ودافئة مع أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم. وفي الوقت نفسه، ظل كيسنجر على اتصال دائم بمعلّمه وصديقه مورغنثاو.
يتم اليوم الحفاظ على إرث وسمعة كيسنجر ومورغنثاو في الولايات المتحدة من قبل مؤلفين اثنين على وجه الخصوص: جون ميرشايمر، المرتبط بجامعة شيكاغو، وستيفن والت، الأستاذ في جامعة هارفارد، والذي يقول إن الفرق بين مورغنثاو وكيسنجر جوهري ومهم لما يمكن فهمه من الواقعية القوية. ويؤكد في مقابلة أجريت معه مؤخرًا: "على عكس مورغنثاو ومعظم الواقعيين، كان كيسنجر يعتقد أن المصداقية مهمة للغاية، وأن فيتنام كانت مهمة بسبب قيمتها الرمزية، وليس بسبب القوة العسكرية أو الموارد الطبيعية، أو أي شيء من هذا القبيل". وبالنسبة للواقعيين في مدرسة كيسنجر، وفقًا لوالت، فإن الحدّ الفاصل بين المصلحة والرمز غير واضح. ففي النهاية يجب الدفاع عن المصالح، والردع هو وظيفة للمصداقية، يقول: "يمكنك أن تمتلك كل وسائل القوة في العالم، ولكن إن لم يكن في مقدورك التجرؤ على استخدامها، فإن هذه الوسائل تكون أقل إثارة للرعب".
الأكثر إثارة وبروزًا هو عمل جون ميرشايمر، الذي طور منظوره "الواقعي" ليصبح مفسرًا مؤثرًا لجيوسياسة فلاديمير بوتين ومؤيدًا لسياسة حركة ماغا الخارجية. صرح ميرشايمر في مقابلة حديثة، كما فعل مرارًا في أماكن أخرى، أن هجوم بوتين على أوكرانيا كان ضرورة واقعية للسلطة، وهو إطار يفضل الرئيس الروسي نفسه الترويج له. قال ميرشايمر إن بوتين رأى توسع الناتو، وعضوية أوكرانيا المرتقبة فيه، كتهديد وجودي: "لقد أوضح الروس مطالبهم منذ البداية، ولم يحيدوا عنها لحظة واحدة، وبالتالي كان على روسيا "بالضرورة" أن تحبط انضمام أوكرانيا إلى الناتو، ولو بالحرب". كان ذلك أمرًا لا مفر منه كما يقول ميرشايمر، لأن: "المخاطر التي تواجهها روسيا في أوكرانيا أكبر من تلك التي تواجهها أوروبا".
لا تظهر حجج ميرشايمر هنا أنه لا ضرورة للدفاع عن أوكرانيا أو التخلي عنها، لكن استنتاجه يوضح أن الواقعية القوية، إلى جانب كونها تفسيرًا للواقع، يمكن تحويلها إلى أداة سياسية. ووفقًا له، لم يعد هناك داعٍ لمناقشة التخلي عن أوكرانيا، ذلك لأن الأمر كان "قانونًا حديديًا". كما لو أنه لا وجود لبدائل أخرى.
| |
| من خلال تقديم سياسة حركة ماغا الخارجية على أنها "تقليد واقعي"، والسهولة التي يهين بها ترامب الحلفاء ويبعدهم بها عنه، خلق ترامب الثاني "حجة لإمبريالية أميركية صريحة، وذرائع للحروب" |
واقعية ماغا المنحرفة
إذا نظرنا إلى "الواقعية" في تنوعها، كما قال عالم السياسة الأميركي جوناثان كيرشنر في مجلة Foreign Affairs بعد فترة وجيزة من تنصيب ترامب للمرة الثانية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى تعتبر سياسة ماغا الخارجية "واقعية" بالفعل.
في مقال بعنوان "سياسة "أميركا أولًا" ليست واقعية"، جادل كيرشنر بأن حركة ماغا (اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى-MAGA- Make America Great Again)، من خلال تعليقها المستمر والأحادي الجانب لشروط الاتفاقات السابقة، تضر بنفسها: "حتى الدول التي لها مصالح مشتركة تتردد في إبرام اتفاقات مع الولايات المتحدة، وبذلك تفقد الولايات المتحدة أداة قيّمة من صندوق أدواتها الجيوسياسية. لأن ما يتبقى في الصندوق هو الإكراه، والإكراه ليس مكلفًا فحسب، بل يخلق أعداءً".
كتب كيسنجر في كتابه "النظام العالمي" (2014): "إن السلام المستقر لا يمكن أن يقوم على "الكره المؤسسي"، فالتعاون الطوعي والانطباع بالشرعية يزيدان من القوة". وبالتالي، فإن "أميركا أولًا"، وفقًا لكيرشنر، لها علاقة أكبر بـ"الاقتصاد" منها بالمصالح الوطنية الفعلية، أو ما يُفترض أن يكون كذلك. "أميركا أولًا" تجعل السياسة منبرًا يُعتبر فيه التخلي عن الاتفاقات وعقدها أمرًا يستحق النشر، ويؤدي إلى جذب الانتباه، ويُصوّر الآخرين على أنهم مجرد طفيليات، ويفترض أن يزيد من "هيبة الذات". من هذا المنظور يخلص كيرشنر إلى أن "المصلحة الوطنية" لحركة ماغا لها علاقة أكبر بمنطق الإعلام واقتصاد الهيبة أكثر من منطق القوة الواقعي. إنها وسيلة لتوليد الاهتمام، وأداة لإقناع الآخرين، في الداخل والخارج، بشيء ما.
مثال حديث على ذلك: تتمتع الولايات المتحدة منذ عام 1951 بوصول غير محدود إلى غرينلاند من الناحيتين العسكرية والاقتصادية. إذا شعرت بتهديد ما فيمكنها التصرف؛ وإذا رأت فرصًا اقتصادية ستفعل الشيء نفسه. يمكن تلبية جميع المصالح الواقعية الكلاسيكية للبلاد في ظل الظروف الحالية. فالتهديدات بضم غرينلاند لا تتعلق بـ"المصالح الوطنية" التقليدية بقدر ما تتعلّق بالهيبة والسلطة.
إذًا ما الذي سيربحه ترامب من ضم غرينلاند؟
إن قيام ترامب "الثاني" بالتمهيد لضم غرينلاند المحتمل (وبالتالي الهجوم على الاتحاد الأوروبي) على أنه نتيجة حتمية لـ "القوانين الحديدية لسياسة القوة" أضرّ بالوصول الأميركي إلى غرينلاند بدلًا من تسريعه، وصار الاتحاد الأوروبي ينظّم نفسه اليوم ضدّ الولايات المتحدة، وهناك حلفاء سابقون مثل كندا والمملكة المتحدة وألمانيا يسعون إلى تعاون أوثق مع الصين.
لطالما قال أنصار الواقعية القوية إن المُثُل ليست سوى ستار من الدخان يخفي المصالح السياسية؛ أما الآن، فيبدو أن "سياسة القوة" صارت ستارًا من الدخان يخفي المكانة الشخصية وسياسة الاستعراض، وهذه السياسة الاستعراضية لها منطقها ووظيفتها الخاصة. لكنها ليست منطق الواقعية القوية. كتب لورانس فريدمان، أحد أشهر الواقعيين في مجال القوة: "ألم يكن غريبًا الإصرار على اتخاذ إجراءات اعتُبرت أساسية لأمن الغرب، ولكنها قوضت بذلك أهم مؤسسة أمنية غربية"؟
للـ"واقعية"، لا سيما بسبب مكانتها التاريخية، وظائف مختلفة. إنها نظرة للعالم، وعملية يمكن من خلالها لحكام السلطة صياغة سياساتهم، وهي، ثالثًا، أداة بلاغية لاكتساب الشرعية وإقناع الدول الأخرى وقاعدة الناخبين المحلية. الطريقة التي تستخدم بها حركة ماغا "الواقعية" مختلفة، كما أوضحت مؤخرًا المؤرخة والقانونية ليندا كينستلر في صحيفة "نيويورك تايمز": "سياسة القوة التي ينتهجها ترامب هي واقعية انحرفت تمامًا عن مسارها، وهي من النوع الذي كان من المفترض أن تمنعه (الواقعية) في الأصل"!
من خلال تقديم سياسة حركة ماغا الخارجية على أنها "تقليد واقعي"، والسهولة التي يهين بها ترامب الحلفاء ويبعدهم بها عنه، خلق ترامب الثاني "حجة لإمبريالية أميركية صريحة، وذرائع للحروب". فـ"واقعيته" هي "أداة بلاغية" في المقام الأول.
طوّر مورغنثاو واقعيته السياسية أصلًا كرد فعل على ماضيه الألماني، عندما اختطفت سياسة انتقامية "المصلحة الوطنية" على حساب الأقليات. كانت "واقعية" مورغنثاو تهدف إلى ربط الدولة بالمصالح الوطنية الحقيقية بقوة، مصالح جميع المواطنين. كان مفهوم مورغنثاو غير الأخلاقي للسلطة، كما كتب كيسنجر لاحقًا في نعي لصديقه، قائمًا على: "التزام خاص بمقاومة التعصب والكراهية، كان يدرك أنه لا يجوز له أبدًا في هذه المعركة أن يلجأ إلى الأساليب التي كان يحاربها".
إن سياسة حركة ماغا الخارجية هي سياسة قوة لم تعد مرتبطة بالمصلحة الوطنية، إنها "استعراض قوة" لعدد قليل من الأشخاص يتوقون إلى الشهرة والاعتراف، ويضعون حتى الأصدقاء على منصة الإعدام إذا كان ذلك يظهر القوة الأميركية على المدى القصير. هذه ليست واقعية القوة، لا.. إنها واقعية الإعلام، ونرجسية القوة.
(*) تور ريدين: باحث ومؤرّخ هولندي درس في أمستردام وكامبريدج ولوفين وأوبسالا. يشغل حاليًا كرسي أستاذ تاريخ الثقافة في جامعة أوتريخت الهولندية. ينشر مقالاته بانتظام في أهم الصحف الهولندية، ومن بينها: "ده خرونه أمستردامر" و"NRC". أصدر عام 2023 كتابه الأول بالإنكليزية تحت عنوان " أعمال وأزمنة يوهان هويزينغا (1872–1945): كتابة التاريخ في عصر الانهيار"، والذي نشرته جامعة أمستردام، وفيه يتتبع ريدين حياة المؤرّخ الهولندي الشهير يوهان هويزينغا التي اتسمت بتحولات جذرية في أوروبا، باحثًا في كيفية تأثير هذه التحولات و"تجارب الخسارة" على وجهات نظر هويزينغا التاريخية وكيفية تشكيلها لشخصيته الاستثنائية.