ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
تقديم
في الذكرى المئوية لولادة الممثلة مارلين مونرو، التي رحلت عن عالمنا عام 1962 عن عمر ناهز 36 عامًا فقط، تعيد الناقدة الهولندية ماريا كاخر إحدى أشهر صور مونرو وأكثرها جدلًا إلى الواجهة من جديد: صورتها وهي تقرأ رواية "عوليس" لجيمس جويس، التي التقطت عام 1955 من قبل المصورة الأميركية إيف أرنولد. وهي الصورة التي نالت أكبر عدد من تعليقات التنمر والسخرية على الإطلاق في مسيرة مونرو السينمائية الخاطفة، ولم لا وقد اشتهرت رواية "عوليس" وسط المثقفين أنفسهم بأنها "أصعب عمل أدبي كتب على الإطلاق". لكن بالنظر إلى ردود الفعل المتنمرة على هذه الصورة تحديدًا، تعيد كاخر في مقالتها التالية الأمور إلى نصابها الصحيح؛ لتثبت أن مونرو لم تكن أبدًا تلك المرأة التافهة التي سخرت منها الصحف في أثناء حياتها ووصمتها بالغباء والسطحية، بل كانت فتاة بسيطة علَّمت نفسها بنفسها، وكانت قارئة حقيقية نهمة:
كنت في دبلن قبل بضع سنوات للمشاركة في "ندوة أبحاث جيمس جويس"، وهي ندوة بحثية امتدّت لأربعة أيام نظمّتها جامعة دبلن لطلّاب الدكتوراه. وكان من بين المتحدثين الأستاذ البارز في الأدب الأيرلندي بجامعة دبلن، ديكلان كيبيرد، الذي ألقى محاضرة بعنوان "اليوم الطويل يتلاشى: نهاية عوليس"، في مناسبة صدور كتابه الأخير: "عوليس ونحن: فنّ الحياة اليومية". على الغلاف الأمامي للكتاب كانت هناك صورة لمارلين مونرو (1926 - 1962) وهي تقرأ رواية "عوليس" في متنزه للأطفال. وأثارت الصورة التي لم أكن رأيتها من قبل فضولي: ماذا سيكون لدى كيبيرد ليقوله عن جيمس جويس ومارلين مونرو؟ موضوع ممتع، وأكثر إثارة بكثير من المحاضرات التقليدية التي اضطررنا للاستماع إليها خلال أيام الندوة.
كان كيبيرد قد كتب محاضرته بخطّ يده وبدا متوترًا بشكل واضح؛ ما جعلني أتعاطف معه على الفور. جادل في محاضرته بأن "عوليس" تندرج ضمن "أدب الحكمة"، وهو نوع من الأدب الذي يريك كيف تعيش وكيف تروي نكتة وكيف تعدّ وجبة. تُعتبر "عوليس" في جوهرها كتابًا معاديًا للفكر؛ فهي تتناول الحياة العادية لأناس عاديين، وكان جويس نفسه يتوقّع أن يقرأ هؤلاء العاديون روايته يومًا ما. ويرى كيبيرد أن السبب في عدم حدوث ذلك، وفي اكتساب "عوليس" سمعة "العمل الصعب" الذي لا يصلح إلّا للأشخاص الأذكياء جدًا، وخاصة المثقفين وذوي التعليم العالي منهم، هو خطأ جويس نفسه، إذ كان عليه ألّا ينشر كل تلك المخطّطات الشهيرة التي تحتوي على شرح مفصّل لمعنى كل شيء؛ الرموز العديدة والألوان والأشكال الفنية وتقنيات السرد والتوازيات الهوميرية، إضافة إلى الإشارات الأخرى التي أدرجها في فصوله، وبسبب من ذلك كلّه أصبحت "عوليس" رواية يجب فكّ شيفراتها العديدة بدلًا من قراءتها.
تقوم فرضية كتاب "عوليس ونحن" على أن "عوليس" ليست صعبة على الإطلاق كما ادعت ما سُمِّيت بـ"صناعة جويس". وقد طردت تلك "الصناعة" القرّاء العاديين. وهذا ما رآه أيضًا حفيد جيمس جويس، ستيفن جويس، الذي كان يغضب بشدة من الأكاديميين حين يتظاهرون بأنهم في خدمة عمل جده "الاستثنائي". أفكّر الآن: ماذا عن الملايين من القرّاء الذين أخافوهم بكلّ هذا الهراء الذي يكتبونه عن تعقيد "عوليس"، في حين أنها، كما يقول كيبيرد: "رواية صعبة، لكن أي شخص لديه القليل من الذكاء يمكنه قراءتها"؟
في هذا السياق يبدو أن صورة مونرو تقول: "انظروا أيها الناس، إذا كانت حتى مارلين مونرو تستطيع قراءة ’عوليس’، فأنتم أيضًا تستطيعون ذلك"!
ملاك الإغراء
ربما تكون الصورة الأكثر شهرة لمارلين مونرو هي تلك التي تظهر فيها وهي تقف فوق شبكة تهوية مترو نيويورك مرتدية فستانًا أبيض تنتفخ تنورته الواسعة بفعل الهواء. كانت هذه الصورة ضمن حملة دعائية لفيلم "The Seven Year Itch"، تم التقاطها أمام جمهور من آلاف الفضوليين؛ تقف مونرو في أبهى ثيابها، تصفيفة شعر ومكياج مثاليان، مرحة ومبتسمة أمام العدسات بنظرات مبتهجة.
أما الصورة التي تظهر فيها مونرو وهي تقرأ "عوليس" فمغايرة تمامًا؛ نراها في معظم الصور الصحافية بملابس مثيرة وألوان فاتحة، واللون الأبيض تحديدًا، كانت تقول: "أحب أن أشعر بأنني شقراء بالكامل". لكننا نراها في صورتها مع "عوليس" ترتدي قميصًا بسيطًا مخططًا وفضفاضًا ملونًا بالأحمر والأصفر والأزرق، وبنطالًا قصيرًا؛ ملابس مريحة، وليست بالضرورة مثيرة. إنها هنا لا تتلاعب بالكاميرا؛ بل يبدو أنها لا تدرك حتى أنها تُصوَّر، إنها منشغلة بذاتها، وقد وضعت يدها حول ركبتيها في حركة دفاعية، ولا تغازل جمهورها، إنها فقط... تقرأ.
هذا هو ما يجعل هذه الصورة مختلفة بشكل خاص؛ مونرو مع كتاب؟ الشقراء الأكثر غباءً على الإطلاق، تجسيد التفاهة المبهجة، تنحني على "عوليس"، أصعب كتاب كُتب على الإطلاق؟ لا بدّ أن هذه مزحة!
ما لا يعرفه أحد هو أن مارلين مونرو ظلّت طوال حياتها تعمل على تحسين قدراتها، وتتعلّم ما كانت تتوق إليه وحُرمت منه في طفولتها. كانت اللغة الإنكليزية مادتها المفضّلة في أثناء دراستها؛ وفي أوائل الخمسينيات التحقت بالجامعة وبدأت بحضور محاضرات مسائية في الأدب، كان الناس يتساءلون لماذا لم تكن تظهر أبدًا في الحفلات أو العروض السينمائية الأولى؟، لكنها ردت على الجميع في إحدى المقابلات: "الأمر بسيط، كنت أذهب إلى الجامعة".
كما ظلّت مونرو طوال حياتها قارئة نهمة، كانت من الأشخاص الذين يضعون دائمًا كتابًا في حقائبهم قبل الخروج من البيت: "لأنه لا شيء أسوأ من أن تصادف بضع دقائق ثمينة للقراءة ولا تجد معك كتابًا". لا أعرف أي نجمة سينمائية شهيرة أخرى تم تصويرها وهي تقرأ بهذه الكثرة؛ هناك المئات من الصور لمونرو وهي تحمل رواية أو ديوان شعر في يدها، ويتذكر العديد من زملائها أنها كانت دائمًا تقرأ في مواقع التصوير.
بعد وفاتها أعلن أن مونرو كانت تمتلك مكتبة تضم أكثر من 400 عنوان (بيعت بمبالغ طائلة في مزاد).
هناك أمران يلفتان الانتباه في مجموعتها:
أولًا، اهتماماتها الواسعة للغاية: مجموعات شعرية، روايات، مسرحيات، إضافة إلى كتب في التاريخ والسياسة وعلم النفس والدين. كانت تقرأ في كل المجالات، من أفلاطون إلى أرسطو، ومن ويلا كاثر إلى توماس مان. من غوستاف فلوبير إلى لويس كارول، ومن إليزابيث بوين إلى مارسيل بروست، وصولًا إلى لويجي بيرانديللو. هذه، برأيي، مكتبة عقل فضولي ومهتم ومتعطّش للتعلّم، لشخص لا يثنيه نقص تعليمه، بل يتبع حدسه الأدبي، ويقرأ كل ما يقع أمام عينيه.
ما يلفت الانتباه أيضًا هو أن مونرو كانت تشتري عدة كتب لنفس الكاتب، رغبة منها في الغوص بشكل أعمق في مجمل أعماله ومعرفة تفاصيل أكثر عن حياته، قرأت روايات د. اتش. لورانس، ثم قصائده. قرأت مقالًا لفرويد، ثم رسائله، وصولًا إلى سيرته الذاتية. ويتذكر الشاعر نورمان روستن، والذي كان صديقًا مقرّبًا لمونرو، المرّة الأولى التي زارته في منزله. لم تكن تضع أي مكياج، ولم يتعرّف عليها باعتبارها النجمة السينمائية الشهيرة، لكن ما لفت انتباهه أن أول ما فعلته مونرو حين دخلت شقته كان التوجه إلى خزانة الكتب المكتظة لترى ما يوجد على رفوفها، فحصت الكتب سريعًا ثم أخرجت ديوان شعر وبدأت تقرأ.
كان روستن يعيش في بروكلين هايتس، وهناك أيضًا كان يقطن الصحافي والكاتب المعروف ترومان كابوتي، الذي كان أيضًا مقربًا لمونرو. يُعد كابوتي مصدرًا غنيًا بالقصص الطريفة عن صديقته، وهنا إحداها: "في أحد الأيام، وبعد انتهاء جنازة صديقة مشتركة، طلبت مونرو من كابوتي مساعدتها في تجنب المصورين الذين ينتظرون في الخارج، فلم يكن لديها الوقت لصبغ شعرها وتريد منع التقاط صور قريبة فتظهر جذوره الداكنة. رد كابوتي: ’يا لي من مسكين بريء، وطوال هذا الوقت كنت أعتقد أنك شقراء حقيقية’. أجابته مونرو: ’لا أحد منّا يبدو في حقيقته كما يراه الناس أيها اللعين!’".
نعم، مارلين مونرو لم تكن غبية أبدًا، ولا حتى شقراء من الأصل. في صورها القديمة، مثل صور يوم زفافها، أو الصور الأولى لها كعارضة أزياء، كان شعرها بنيًا كستنائيًا، ويحكي دونالد سبوتو، أحد كُتّاب السيرة الذاتية العديدين لمونرو، أن مديرة وكالة العارضات التي التحقت بها مونرو في بداية مشوارها، طالبتها بأن تصبح شقراء، إذ يمكن تصوير الشقراء في أي نوع من الملابس وتحت أي نوع من الإضاءة، على عكس صاحبات الشَّعر البني، وفوق ذلك فإن الرجال يفضّلون الشقراوات.
صناعة الأيقونة
كانت هذه بداية حياة مونرو كشقراء، حتى أصبحت تلك الأيقونة السينمائية الأكثر شهرة. وقد شاركت مونرو في صياغة مظهرها الجديد والصورة العامة المرتبطة به، وبفضل مصفّف شعرها آلان سنايدر، صقلت مونرو مظهرها كأيقونة شقراء من دون كلل، وتلاعبت بتسريحة شعرها، وتجربة تقنيات مكياج جديدة، حتى صنعا سوية الصورة التي نعرفها لمونرو اليوم، وكان الأمر يستغرق من خمس إلى ست ساعات لتصبح مارلين مونرو؛ فبدون مكياج، وبدون شعر مصمم بعناية، كان من الصعب التعرف عليها في الشارع. حتى سئمت مونرو في النهاية من مظهرها الأيقوني، قالت في إحدى المقابلات: "لقد صرت رمزًا للإغراء، أي ’مجرد’ شيء، وأكره أن أكون شيئًا".
كانت غير راضية عن الأدوار السينمائية التي كانت تُسند إليها في تلك الفترة، وحين ألمحت ذات مرة خلال مؤتمر صحافي إلى أنها ترغب في لعب دور غروشينكا في رواية "الأخوة كرامازوف"، صرخ أحد الصحافيين: "تعلمي التهجئة الصحيحة للاسم أولًا مارلين... Grushenka"!
تبيّن لمارلين مونرو أن من المستحيل التخلّص من صورتها العامة لدى الناس مهما فعلت. فقد انتقلت من هوليوود السطحية إلى استوديو الممثلين المرموق في نيويورك، وأقامت صداقات مع كتّاب وشعراء وصحافيين ونقاد وفلاسفة، قرأت الكتب وتزوجت من الكاتب المسرحي آرثر ميلر، لكن مهما فعلت، كانت النتيجة الدائمة هي السخرية منها والتنمر عليها، قالت ذات مرة: "يسخر الجميع مني ويتنمرون عليَّ... هذه الغبية الشقراء! أليس في مقدوري أن أكون شيئًا آخر"؟.
تقول سارة تشيرشويل في دراستها "الحيوات المتعدّدة لمارلين مونرو"، بأن مونرو واحدة من "أكثر الأشخاص الذين كُتب عنهم في القرن العشرين". وهذا صحيح، ولكن بالنظر إلى الكم الهائل من السير الذاتية والدراسات العلمية والروايات والمقالات التي نُشرت عن مونرو، من اللافت قلّة ما كُتب عن صورة مونرو مع "عوليس". ومن اللافت أيضًا أنه حتى لدى النقاد الذين يناقشون الصورة بطريقة رزينة (أو الذين يعتقدون أنهم يفعلون ذلك)، يتردد في صوتهم نبرة متعالية، سواء عن قصد أو عن غير قصد.
في كتاب "الرؤية الحقيقية: الأدب في عصر الإعلام"، يخصّص الناقد الهولندي باس هاينه بضع صفحات لمونرو وهي تقرأ "عوليس". يصف هاينه الصورة بأنها "مضحكة ومؤثّرة"، ويرى كيف تنظر مونرو إلى الكتاب "بعينين تنمّ عن تركيز طفولي"، ويضيف: "ربما استعارت مونرو ’عوليس’ من آرثر ميلر". وهذا يعني، كما يواصل، أنها في الصورة: "تبذل قصارى جهدها من أجل آرثر ميلر، وتريد أن تثبت له أنها صحيح شقراء، ولكن ليست غبية"!
يقترح كيبيرد شيئًا مشابهًا في مقابلة، عندما سُئل عن اختياره هذه الصورة تحديدًا لتكون غلافًا لكتابه، تأمّل الصورة قائلًا: "أفترض أن الصورة التقطت حين كان ’نصفها الآخر’ هو الكاتب المسرحي آرثر ميلر". يفترض كيبيرد بنفس التلقائية أن اختيار مونرو لـ"عوليس" لا بدّ أن يكون له علاقة بميلر. فهل هما على حق؟ هل حصلت مونرو على "عوليس" من ميلر، أم استعارتها؟ وهل يمكنني معرفة ذلك بعد كل هذه السنوات؟
| |
| قرأت مارلين مونرو الكتب وتزوجت من الكاتب المسرحي آرثر ميلر، لكن مهما فعلت، كانت النتيجة الدائمة هي السخرية منها والتنمر عليها (Getty) |
مكتبة ميلر موجودة في حوزة "مجموعة بيرغ" التابعة لمكتبة نيويورك العامة. أرسلت رسالة إلكترونية إلى أمينة المكتبة وسألتها عما إذا كانت هناك نسخة من رواية "عوليس" ضمن المجموعة؟ بعد بضعة أيام تلقيت ردًا: "تتألّف مجموعة ميلر مما يقرب من 700 كتاب، لكن لا توجد نسخة لـ’عوليس’ بينها".
حسنًا، لا بأس. لكن لا يزال من الممكن أن تكون مونرو قد استعارت نسختها من ميلر ولم تعدها أبدًا. أرسلت أمينة المكتبة ردًا عبر البريد الإلكتروني على الفور، أوضحت فيه أن نسخة "عوليس" الصادرة عام 1934 التي تظهر مونرو معها في الصور، موصوفة في كتالوج مفصّل للمزاد الذي نشرته دار كريستي، بعنوان "الممتلكات الشخصية لمارلين مونرو"، والذي أقيم في 27 و28 أكتوبر/ تشرين الأول 1999.
قبل أن أتمكّن من الردّ عليها، أرسلت لي رسالة أخرى: "لا توجد أي ملاحظة تشير إلى أن نسخة ’عوليس’ كانت ملكًا لشخص آخر. ونظرًا لأن مونرو كانت تمتلك أيضًا ’أهالي دبلن’ لجويس، بالإضافة إلى كمية كبيرة من الروائع الأدبية الأخرى"، فإنها "لا ترى أي سبب للاعتقاد بأن آرثر ميلر كان يمتلك نسخة مطابقة من عوليس". بل إن: "مكتبة ميلر لا تحتوي على أي شيء لجويس. لا ’أهالي دبلن’ ولا ’صورة الفنان في شبابه’، ولا رسائل أو مقالات لصاحب ’عوليس’. لا شيء يشير إلى أن ميلر كانت لديه أي اهتمامات بجويس أصلًا". والأدهى: "من بين 692 كتابًا في مكتبة ميلر، هناك 69 كتابًا فقط لا تتناول شخصيته أو لم يكتبها بنفسه. يا له من فرق كبير مع مجموعة زوجته السابقة. هل كان آرثر ميلر مثل الهولندي هاري موليش: ’أنا كاتب ولست قارئًا’"؟...
مارلين القارئة
الصورة التي تظهر فيها مونرو وهي تقرأ "عوليس" التقطتها المصورة الأميركية إيف أرنولد (1912 - 2012)، والتي كانت أوّل امرأة يتمّ قبولها عام 1951 ضمن مجموعة "ماغنوم" المرموقة للتصوير الفوتوغرافي، بعد أن أعرب المصوّر الفرنسي الشهير هنري كارتييه- بريسون (1908 - 2004)، أحد المؤسسين الرئيسيين لماغنوم، عن إعجابه بأعمالها، وهي أيضًا واحدة من المصوّرات القلائل اللاتي صورن مونرو.
سأل ريتشارد كونواي إيف أرنولد عن ظروف التقاط الصورة، كما يكتب في مقالته "مارلين مونرو تقرأ عوليس". كتبت أرنولد إلى كونواي في رسالة من عام 1993 تقول: "عندما ذهبت لأقلّها، سألتها عما كانت تقرأ، أردت أن أتعرّف على ما تفعله. قالت إن لديها نسخة من ’عوليس’ في حقيبتها وأنها تقرأها منذ فترة طويلة. كانت تحب جُملها وتقرأها بصوت مرتفع لتفهمها، لكنها وجدتها صعبة ولم تستطع قراءتها دفعة واحدة".
كلّ من قرأ "عوليس" يعرف أن هذه هي أفضل طريقة لقراءتها، على الأقل في المرّة الأولى: قراءة أجزاء منها بصوت عالٍ لفهم ما هو مكتوب بشكل أفضل، وعدم قراءة الرواية من البداية إلى النهاية، بل التعامل معها بشكل مجزّأ، ثم ملاحظة كيف تظهر الأنماط ببطء. يخلص ريتشارد كونواي إلى أنه لا يوجد أي سبب لرؤية هذه الصورة على أنها شيء آخر غير "صورة احترافية لمارلين وهي تقرأ ’عوليس’".
ماذا لو كانت مونرو لا تزال تحتفظ بلون شعرها البنِّي الكستنائي الطبيعي؟ مؤكّد كانت صورتها مع "عوليس" ستكون مختلفة تمامًا، متحرّرة من كل الدلالات الجنسية المتعالية التي نربطها بالشقراوات، كانت ستبدو لنا ببساطة: شابة تقرأ كتابًا، كتابًا يمثّل تحديًا ممتعًا للقرّاء المتمرّسين، مثل مونرو.
أو ماذا لو كانت مونرو تقرأ شيئًا آخر هناك؟ شقراء، نعم، لكن لنفترض أنها كانت تحمل في يدها رواية "كبرياء وتحامل" (1813) للكاتبة الإنكليزية جين أوستن؟ أو "إلى المنارة" (1927) لفيرجينيا وولف؟ من المؤكّد أنها كانت ستتعرّض لقدر أقلّ من السخرية والتنمّر، لأن "عوليس" صارت رمزًا لـ "عبقرية أدبية متطلّبة"، و"قمّة من قمم الإنجاز القرائي".
تحكي المصورة إيف أرنولد في رسالتها إلى ريتشارد كونواي فتقول: "عندما بدأنا التصوير في متنزه للأطفال، أخرجت مونرو ’عوليس’ وبدأت تقرأ فيما كنت أقوم بتحميل الفيلم، وبالطبع قمت بتصويرها. كان الأمر دائمًا تعاونًا بين المصور والنجم". إذًا، لا تلتقط الصورة مجرد (أو ليس فقط) لحظة استراحة قبل بدء الجلسة الرسمية، التي تزحف فيها مونرو عبر العشب مرتدية فستانًا منقوشًا على هيئة جلد النمر؛ بل كانت تريد، وتأمل، أن تصورها أرنولد وهي تحمل الكتاب.
أعتقد أن مونرو لم ترغب في التقاط صورة مع "عوليس" بدافع الغرور، بل كانت تأمل بأن يراها الناس "على حقيقتها"، كشخصية تتجاوز مُجرّد الجسد، كشخصية تحبّ القراءة والكتب، كشخصية ذات شعر مصبوغ... وروح.
(*) ماريا كاخر (أمستردام، 1978): روائية وناقدة أدبية هولندية متخصّصة في الأدب المقارن وتدرسه في جامعة أمستردام حتى اليوم. فازت روايتها الأولى "تربية فريدا وولف الناجحة بشكل استثنائي" بجائزة "البومة البرونزية" الأدبية عام 2024، وفي عام 2026 فازت بجائزة «الكتاب الجدد» التي تمنحها جمعية الأدب الهولندي. نشأت كاخر في هارلم وتخرجت بمرتبة الشرف في علم الأدب المقارن من جامعة أمستردام، وحصلت على درجة الدكتوراه في علم الأدب من جامعة روتجرز في الولايات المتحدة، وعلى درجة الدكتوراه من جامعة أنتويرب البلجيكية.