Print
ضفة ثالثة ـ خاص

قصائد لشعراء أميركيين من الشعوب الأصلية: لقد سُحقت عظامنا

17 أغسطس 2026
ترجمات

اختارها وترجمها عن الإنكليزية: أسامة إسبر

جوي هارجو

جوي هارجو 


جوي هارجو شاعرة وكاتبة وموسيقية أميركية تنحدر من شعب الموسكوجي (كريك)، وتُعد من أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة في الولايات المتحدة. نشأت في بيئة غنية بإرثها الثقافي، وتعلّمت منذ طفولتها أن الحكايات والأغاني ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية، ووسيلة لنقل الحكمة عبر الأجيال. شكّلت هذه الجذور هويتها الأدبية والفنية، وكانت مصدر الإلهام الأول في تجربتها الإبداعية.
بدأت هارجو بدراسة الفنون البصرية، قبل أن تتجه إلى الكتابة الإبداعية، حيث اكتشفت في الكلمة المكتوبة وسيلة للتعبير عن التجربة الإنسانية، والدفاع عن الكرامة والعدالة والهوية.
تمزج في شعرها بين التاريخ والذاكرة والأسطورة والطبيعة، مستلهمةً تجارب الشعوب الأصلية، ولا سيما النساء. وهي ترى أن الشعر قادر على وصل الماضي بالحاضر، والإنسان بالأرض، والفرد بمجتمعه، كما تسعى من خلاله إلى إبراز غنى الثقافات الأصلية، وتحدي الصور النمطية عنها. بالإضافة إلى الشعر، تمارس الموسيقى، وتعزف على آلة الساكسفون، وقدمت عروضًا تجمع بين الموسيقى والشعر. وتؤمن بأن الإيقاع والكلمة وجهان لتجربة فنية واحدة، وأن الموسيقى تمنح القصيدة بُعدًا أدائيًا يزيد من أثرها وقربها من الجمهور. وتدعو هارجو إلى احترام التنوّع الثقافي واللغوي، وإلى الإصغاء إلى قصص الآخرين بوصفه سبيلًا إلى توسيع آفاق الفهم وتعزيز التعاطف بين البشر. كما ترى أن الأدب والفن قادران على منح الأمل، والإسهام في الشفاء والمصالحة.
حققت هارجو إنجازًا تاريخيًا عندما أصبحت أول امرأة من الشعوب الأصلية تتولى منصب شاعر الولايات المتحدة الرسمي، وشغلت هذا المنصب ثلاث ولايات متتالية بين عامي 2019 و2022. ونالت عددًا من أرفع الجوائز الأدبية، من بينها جائزة بولينغن للشعر (2023)، ووسام روبرت فروست (2024)، وجائزة "روث ليلي" للإنجاز الشعري، وجائزة "والاس ستيفنز" سنة (2015).من أبرز دواوينها: "شروق شمس أميركي"، و"خريطة تقود إلى العالم التالي"، و"كيف أصبحنا بشرًا"، الذي يضم مختارات من شعرها، واخترنا منه القصائد التالية:

النار

لا تستطيع المرأة أن تحيا
بأنفاسها وحدها.

عليها أن تعرف أصوات الجبال،
وأن تتلمّس أبدية السماء الزرقاء.

عليها أن تنساب مع الأجساد المراوغة
لرياح الليل،
تلك التي تحملها إلى أعماق ذاتها.

انظروا إليّ:

لستُ امرأةً منفصلة،
أنا امتدادٌ للسماء الزرقاء.

أنا صوتُ الجبال،
حنجرتها الصادحة.

أنا ريحُ الليل،
أشتعل مع كل نَفَسٍ أستنشقُه.

مرسى

صُنعت هذه المدينة من الحجر والدم والأسماك.

تمتدّ جبال تشوغاتش شرقًا،
وفي الغرب ثمة حيتانٌ وفقمات.

لم يكن الأمر دائمًا على هذه الشاكلة

فالأنهار الجليدية،
تلك الأشباح الجليدية كوّنت المحيطات،
نحتت اليابسة،
وشكلت هذه المدينة هنا عند الخليج الضيق.

ولم تزل تسبح إلى ماضي الزمن.

في يوم من الأيام، شقّت عاصفةٌ من ترابٍ يغلي
الشوارع، ومزّقت البلدة.

يخيّم سكون الآن،
غير أنّ الأرض، تحت الإسمنت،
ما تزال تطهو.

وفي الأعلى الجو محيطٌ آخر،
تسكنه أرواحٌ لا نراها،
ترقص، تتبادل الدعابات،
وتشبع من لحم الرنة المشوي،
فيما تتواصل الصلاة بلا انقطاع.

أسير أنا ونورا في الجادة الرابعة

وندرك أن كل شيء يحدث الآن.

نرى على مقعد في الحديقة جدةً أحدهم وهي من شعب أثاباسكان

منكمشة على نفسها، تفوح منها رائحة مئتي عام

من الدم والبول، تُغْمض عينيها في وجه ظلام

لا يمكن تخيله، وتغوصُ في ألمٍ مبهم.

نواصل التنفّس والسير بخطى أكثر رفقًا
فيما السحب تدور في الجو فوقنا.

ما الذي يمكن أن نقوله
ويمنحنا فهمًا أعمق مما لدينا

سوى أن نتحدث عن وطنها،
وندافع عنها ونعتبرها جزءًا من تاريخنا نحن أيضًا،
وأن ندرك أن أحلامنا لا تتوقف هنا،
على بعد شارعين من المحيط، حيث ما تزال قلوبنا
تخفقُ بقوة على الشاطئ الذي تغمره المياه.

أفكّر في سجن الجادة السادسة،
الذي يتألف معظم نزلائه
من أميركيين ينحدرون من الشعوب الأصلية ومن أصل أفريقي حيث

روى هنري أنهم أطلقوا عليه النار
ثماني مرات، خارج خمّارة في لوس أنجلوس

لكن حين انطلقت السيارة هاربة، ذُهل لمّا أدرك
أنه ما يزال حيًّا، لم تمسس جسده رصاصة واحدة.

ولم يبقَ على الرصيف إلا رجل وثماني طلقات فارغة.

ضحك الجميع، لا من استحالة الحكاية فحسب،
بل من صدقها أيضًا.

فمن ذا الذي سيصدّق تلك القصة الخيالية المريعة
لنجاتنا جميعًا

نحن الذين لم يكن مقدرًا لنا أن نبقى على قيد الحياة.


إلى آلفا بينسون، ومن تعلّمَ الإصغاء للكلام

نطقت الأرضُ ساعة وُلدتْ.

سمعتْها أمّها،
وأجابتْها بلغة النافاجو،
بينما كانت تلد جاثيةً على التراب.

هكذا حدث الأمر.

كانت الأرض تلد نفسها
مرة تلو أخرى من بين ساقي النسوة.

أو لعلّ ذلك كان في مستشفى الشعوب الأصلية في جالوب.

هناك أيضًا كانت الأرض تتكلم من تحت الملاط والإسمنت.

تعبت في السرير المعدني.

ثبتوا يديها،
وحين واصلت صراخها كتموه

لكن جسدها ظلّ يتكلم.

وُلد الطفل بين أيديهم،
وتعلّم أن ينطق بكلتا اللغتين.

نشأت وهي تتحدث لغة النافاجو والإنكليزية،
وترى الأرض من حولها
تتبدل، بينما كان الناس،
في البلدات والمدن، يتعلمون
ألا يصغوا إلى الأرض
وهي تدور تحت أقدامهم

أما هي فتعلّمت أن تحاورها

وكان صوتها يصعد عبرها كما تصعد الجذور.

دام عطشها للماء طويلًا

ثم ولدت ابنتها.

وكما حدث معها،
وُلدت الطفلة في أحد الأمكنة، أو في كل مكان.

وكان في وسعها أن تغادر، أن تقفز
إلى ذلك الصوت الذي لطالما كانت تسمعه؛

صوت يشبه الماء، ويشبه الآلهة وهي تنسج
عند الغروب ضوءًا قرمزيًا.

الطفلة الآن تسمع أصواتًا في نومها.

تتحول إلى اسم،
ثم إلى اسم آخر،
ثم إلى آخر.

إنها الأرض تهمس

وجبل القديسة هيلين يثور

وفي بطن أمها تدور طفلة
بحركتها الوادعة،
بانتظار الولادة،

كي يبدأ زمنٌ آخر.

أما نحن فنواصل الإنجاب،
ونراقب أنفسنا نموت
مرةً إثر أخرى.

فيما الأرض تواصل دورانها
وكلامها.

***

لويز إيردريك

لويز إيردريك 


لويز إيردريك شاعرة وروائية وُلدت عام 1954 في مدينة ليتل فولز بولاية مينيسوتا. تنتمي إلى أصول مختلطة، وخاصة إلى شعب الأوجيبوي (الشيبيوا)، وانعكس هذا الإرث الثقافي بوضوح في أعمالها الأدبية التي تستكشف موضوعات الهوية والأسرة والذاكرة والتاريخ، والعلاقة بين الشعوب الأصلية والمجتمع الأميركي.
برزت إيردريك على الساحة الأدبية بعد روايتها الأولى "دواء الحب" التي نالت شهرة واسعة وأسست مكانتها كأحد أهم الأصوات في الأدب الأميركي المعاصر. ومن أبرز أعمالها أيضًا "ملكة البنجر"، و "آثار"، و "البيت المستدير" و"الحارس الليلي".
نالت لويز إيردريك عددًا من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة بوليتزر للأدب عام 2021 عن روايتها "الحارس الليلي"، كما نالت الجائزة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة. وتتميز أعمالها بأسلوبها الشعري العميق، وشخصياتها المركبة، وقدرتها على مزج الواقعية بالتقاليد الشفوية والأساطير المرتبطة بثقافات الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية. وتُعد من أبرز المدافعين عن التراث الثقافي واللغوي لهذه الشعوب من خلال الأدب والتعليم. وتركّز على موضوعات الهوية والانتماء والعائلة والذاكرة والعدالة، والعلاقة بين الإنسان والأرض، إلى جانب الآثار المستمرة للاستعمار على مجتمعات السكان الأصليين.
ومن أهم دواوينها الشعرية ديوان "نار أصلية" الصادر في 2004 الذي يضم قصائد مختارة، وأخرى جديدة، وقد اخترنا منه القصائد التالية:

مصباح الصيد

في لغة شعب التشيبيوا كلمةٌ واحدة تعبّر عن الحب وصيد الطريدة. وهنالك كلمةٌ أخرى تعني، في آنٍ واحد، الإكراه في الجماع، وقتلَ الدب بيدين عاريتين.
ر. دبليو. داننغ، التغيّر الاجتماعي والاقتصادي بين الأوجيبوا الشماليين (1959)


جئنا إلى حافّة الغابة.

خرجْنا من بين الأعشاب البنية
حيث رقدنا كي لا يرانا أحد.

خرجنا من الأغصان المعقودة،
ومن الأوراق التي صرّت عند انغلاقها
بينما كنا نغادر مخابئنا.

في البدء ارتجف الضوء،
وألقى علينا نظرةً عابرة.

ثم استقرّ في قبضةٍ أشارت إلينا.

فَتَّشنا. فَرَّق بيننا.

وكان كلّ واحدٍ منا يتلقّى الشعاع
كما لو أنه ضربةٌ مباشرة،
فيستجيب لها القلب،

ثم يمضي وحيدًا.

جئنا إلى حافة الغابة.

انتزعتنا شمسُ هذا الليل من أنفسنا.

هـذا المصباح الذي تغذّيه بطاريةٌ حمضية،
ويفوق القمر سطوعًا

من خلفه شممناهم.

لا وجوه لهم

كانوا لا مرئيين.

شممْنا الفولاذ الخام
لسبطانات بنادقهم

وزيت المنك على جلودهم

وحموضة الشعير في أنفاسهم.

شممنا أمهاتهم،
مدفوناتٍ في الوحل حتى الذقون.

شممنا آباءهم،
بعظام مفاصلهم المجوفة،
وبأسنانٍ تشققت من نخاع العظام الساخن.

وشممنا أخواتهم في رائحة القرانيا المهشمة،
والتفاح المرضوض، والأكواب المكسورة،
والخطافات المحترقة وهي ترتجف.

شممنا بخار أنفاسهم يرتفع خفيفًا
خلف مصباح الصيد

وشممنا الحكة المختبئة
تحت الأحشاء المتورمة في ثيابهم.

وشممنا أذهانهم، المشدودة للخلف
كزنادٍ فضي،
ينتظر أول من يخرج منا إلى العراء.

هربنا إلى حافة الغابة.

خرجنا من بين الأعشاب البنية حيث رقدنا
حتى لا يرانا أحد.

خرجنا من بين الأوراق التي صرّت عند انغلاقها.

غادرنا مخابئنا

وانتهى بنا المطاف إلى هذا المكان منذ أمدٍ بعيد.

والآن...

حان دورهم.

حان دورهم
ليطاردونا.

أصغوا.

ها هم يضعون عتادهم على الأرض.

فهو لن ينفعهم في هذا الدغل المتشابك.

ها هم يخطون خطواتهم الأولى،

وقد أدركوا أخيرًا كم أنّ الغابة عميقة،

وكم هي سحيقة ومظلمة.

صلاة الجواميس

يا سيدتنا،
يا سيدة عظام الجاموس،
صلّي لأجلنا.

يا سيدتنا،
يا سيدة أكوام الجلود،
والهياكل التي تعفّنت
بعد أن اقتُلعت منها
ألسنتنا،
صلّي لأجلنا.

يا سيدتنا،
يا سيدة اللحم المسموم،
والذئاب التي نهشته
فانتفخت ألسنتها حتى انفجرت،

 صلّي لأجلنا.

يا سيدة النسور الهابطة من السماء.

يا سيدة الثعلب السقيم،
والصقر المترنح.

ويا سيدة الصيادين
الواقفـين على تخوم يلوستون،
ينتظرون أن تمطر السماء رعدًا
على آخر من تبقى منا.

صلّي لأجلنا

يا سيدة النجم القطبي

يا سيدة زلّاجات الثلج

ويا سيدة الخراب
أينما حلّ.

لقد سُحقت عظامنا
حتى غدت سمادًا،
نُثر على تراب الشرق المنهك.

أُحرقت عظامنا
حتى صارت فحمًا،
يُصنع منه السكر،
والغراء، وكعوب أحذية الراهبات والقساوسة.

يا سيدة تيستيكل توباكو بوش،
ويا سيدة عربات الجماجم، صلّي لأجلنا،

نحن الذين سمّدت عظامُهم
حقول الذرة المرتبة في صفوفها المنتظمة،

بعد أن حلّت محلّ الأعشاب البرية،

الأعشاب التي أطعمتنا،
وأعالتْنا، كي نحيا.

الغابات

كان يكفي، في زمنٍ مضى،
أن تلمسني لأكتسي.

أما الآن فقد تغيّرتُ بين هذه الأشجار.

أنا… أرتدي الغابة.

أُسدل غطاء رأسي المجدول من الأغصان المقوّسة،
وأحكم ربطه. وأضع على جسدي درعًا

من لحاء ذي مخالب مشدودٍ بالحبال.

وألبس أوراق القيقب السكري العريضة،
قفازاتٍ تلطخها الدماء.

والآن، حين أقول لك: تعال

وتدخل الغابة، لتصطاد
ذلك الكائن الذي يشبه المرأة
التي كنتُها، أجد نفسي أنا من يطوّقك.

ينزف الليل من الأرض
التي جُرّدت من أشجارها.

تنهض الجذور

ويشتعل العفن المخطط بالأخاديد،
أزرقَ، في الضوء الآفل.

وأنت أيضًا تعرف
تلك الوحدة التي علّمني إياها جسدك.

وحين تتمدد في قبر شجرةٍ مقطوعة،

أغطّيك، كما كنت أفعل دائمًا.

لكنك هذه المرة، لن تغادر.

الغرباء

الظباء مخلوقاتٌ غريبة وعجيبة. وهي جميلة، لكنها مراوغة، ولذلك لا نأتمنها. فهي تظهر وتختفي كظلالٍ تعبر السهول. وكثيرًا ما يطاردها الشبان، مفتونين بجمالها، فيتيهون إلى الأبد. وحتى إن وجد أولئك المساكين طريقهم وعادوا، فإن عقولهم لا تعود معهم.

بريتي شيلد، طبيب من شعب الكروز
دوّنها وحررها فرانك ليندرمان (1932)

أنا الظبية

أتنفّسُ اسمه طوال الليل في حقلٍ متجمّد
وضباب الكلمة، الضئيل، يسبقني دائمًا.

سمعتهُ مرةً أخرى

فاندفعتُ، محمومةً، كي أبحث عنه

وامتلأت عيناي بنارٍ زرقاء،
حين اجتاحهما ضوءُ مصباح الصيد

وقفز قلبي في صدري كحجرٍ محمّى

ثم رُميتُ ككيس فارغ،
في مؤخرة شاحنته الصغيرة.

مسحتُ رجسَ الموت عن فمي

وجلستُ أضحك وأصرخ في قبري
الذي كان يمضي بي مسرعًا.

ولما بلغ مرآبه، وأحكم إغلاق الباب،

راح يشحذ سكينه،
موقنًا أنه سينالني أخيرًا.

لكنني تقدمت نحوه، كساحرةٍ رماديةٍ نحيلة،

عبر الرصاصات التي كانت تخترقني وتذوب.

جلستُ في بيته.

شربتُ القهوة حتى الفجر.

وغادرتُ حين احمرّ الصقيع
على أغطية عجلات الشاحنة،

عائدةً إلى جسدي الظّل.

نمتُ طوال النهار،
بين الأعشاب الطاهرة،

وحلمتُ بمن يستطيع حقًا أن يجرحني

لا بسلاحه

ولا بقبلة

ولا بنظرة

ولا حتى بلطفه.

إذا حدث ووجدتُ رجلًا لا يكذب عليّ

رجلًا لا يكذب،

أقسم أنني لن أُفلته أبدًا.

***

راي يونغ بير

راي يونغ بير 


راي يونغ بير شاعر وروائي وُلد عام 1950 في ولاية آيوا، وينحدر من قبيلة الميسكواكي. نشأ في مستوطنة الميسكواكي في ولاية آيوا، وكانت جدته مصدر إلهامه الأول، إذ علّمته لغة القبيلة وأساطيرها وتقاليدها، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في كتاباته. كتب باللغتين الإنكليزية والميسكواكية، ويُعد من أبرز الأدباء الذين أسهموا في الحفاظ على لغة وثقافة السكان الأصليين من خلال الأدب.
اشتهر راي يونغ بير بتصوير الحياة المعاصرة للأميركيين الأصليين، وما يواجهونه من تحديات في الحفاظ على هويتهم الثقافية وتراثهم في عالم سريع التغير. وتمتاز أعماله بدمج الأساطير والرؤى والأحلام والذاكرة الجماعية والتقاليد الشفوية مع تفاصيل الحياة اليومية، في أسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية، ويستلهم رؤيته الشعرية من الإرث الروحي والثقافي لشعب المسكواكي الذي ينتمي إليه. كما تتسم كتاباته بإيقاع تأملي وصوت شخصي يعكس ارتباطه العميق بالأرض والهوية والذاكرة الجماعية لشعبه.  كما عُرف باهتمامه بالموسيقى والرقص التقليديين، وأسهم مع زوجته في تأسيس فرقة "راقصي ومغنّي وودلاند" لإحياء الفنون التقليدية لقبيلته.
من أشهر مؤلفاته "في انتظار أن يتم إطعامي"، و"شتاء السمندل: حارس الأهمية"، و"العازف الخفي"، و"نادي المشي في روك آيلاند"، ورواية "الطفل النسر الأسود" و"بقايا الأرض الأولى".
نال راي يونغ بير جوائز عديدة، من أبرزها الجائزة الأميركية للكتاب عام 2016، كما نال منحة المؤسسة الوطنية للفنون تقديرًا لإبداعه الأدبي، بالإضافة إلى جائزة  "روث ساكو" عن روايته "بقايا الأرض الأولى". ويُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أهم الأصوات الأدبية التي نجحت في نقل تراث وثقافة الشعوب الأصلية في الولايات المتحدة إلى جمهور عالمي من خلال الشعر والرواية.
صدر كتاب يضم أعماله الشعرية الكاملة بعنوان "تجلي الولفرين"، سنة 2015، اخترنا منه القصائد التالية:

جدتي

حين أراها من على بُعد ميل،

أعرفُ على الفور أنها هي،

بوشاحها البنفسجيّ،
وكيس التسوّق البلاستيكي في يدها.

وحين أشعر بيدين تلامسان رأسي،

أعرف أنهما يداها الدافئتان والرطبتان،
اللتان تفوح منهما رائحة الجذور.

 
وحين أسمع صوتًا يخرج من صخرة،

أعرف أنه صوتها.

وتظل كلماتها تدور في داخلي،

كالنور الذي يتولّد

حين يحرّك أحدهم رماد ناره المنطفئة ليلًا.


رؤى مرسومة

تئنّ القطارات في البعيد،

معلنةً مرور الزمن.

نقف في الطرف البارد
من قوس قزحٍ صغير،

كنسورٍ وحيدة،

منكمشين على أنفسنا،

نشتهي موقدًا يبعث الدفء والطمأنينة،

وصورةً تعكس مكاننا في عالم البشر.

كنا جميعًا في غرفةٍ تعمّها الفوضى،

بعيدًا عن أصوات مخالبنا
وهي تكشط الجليد عن وجه الأرض.

التفتنا إلى الناس، وتمتمنا كلماتٍ
عن طفلةٍ صغيرة،

قالت إنها تستطيع أن تحبس أنفاسها
إلى الأبد، وإنها تعرف
بماذا يفكر الشحرور،

ورأت، في حلم يقظةٍ،

أنه سيقفز إلى حبلٍ ممدود على الرصيف.

ذات مرة حملتني سنواتُ الأنهار الصاخبة إلى مكانٍ
تعيش فيه الدببة داخل أقفاصها.

وهناك أنشدت لنا أغنيةً لا تنتهي،

عن الدروع التي خلت من رؤانا المرسومة.

 كونوا كما عرفناكم:

ذوي قلوبٍ صادقةٍ وصريحة.

فذلك وحده يكفي ليردَّ سكين المرارة.

في الصيف المتوهج،

تؤدي الأرض طقوس الحياة والموت.

ويقف البيت، بخشبه العاري، بلا طلاء.

ونحن نقف على جسرٍ

شيّدته آلهة الصخر البارد

وآلهة المياه الباردة في الأعماق.

نجمع قوس قزحٍ ضاع منا

ونسير قرب البرق، بينما تتخيل قلوبنا
أنها أشجارُ حورٍ قطنيّ أحرقتها النار.

في الشمال، خلف جدار هذه الغرفة، تتوهج نارٌ ليلية
بنفسجية، عظيمة، يغذيها جهلنا، ويبقيها حية.

أرجع طفلًا كما كنتُ

ولا أعود قادرًا على تسمية الناس من حولي،

ولا على تمييز ما يفصل بين حيواتنا.

ولا أعرف تلك الأشياء التي تبقينا
ندور في دوائر، أو تلك الشظايا التي كانت
يومًا ملكًا لنا.

الغيوم ألقت هذا الضوء

كانت الخيول صفراء،
كأنها مصبوغةٌ بالضوء،

حين جاء الفجر ببرده الأول،

وجعلني أتنفّس كشيخٍ
يخرج، في حذر،

من تحت بطانيته، مبللًا
بشموسٍ صغيرة حمراء.

تحوّلت أصوات
مطر الليلة الماضية

إلى همسةٍ سوداء،

نسجت ذيلها،

ومضت تتبع أسلافي،

الذين ما زالوا يدخنون
القرابين التي قدّمتُها لهم
حين كانوا هنا.

ألقت الغيوم هذا الضوء

فدبّت الحياة في الخيول،

وأيقظ الرعد عظامها.

أقف محتضنًا بندقيتي.

وأسمع النهار يدندن.

فأهدهد شقيقتيَّ، كي تناما،

جيئةً وذهابًا، داخل البيت القديم.

تذكّري ما هو أصغر

أنصتْي إلى ما يقوله شيوخنا.

قالوا لنا إن دم الحياة في عروقنا
يجفّ، ويتقشّر ببطء،
كلما بالغنا في التظاهر،
وتوقفنا عن مواجهة حقيقتنا.

وهـذا ما يحدث حين تتعب سيقاننا بسرعة،
وتخذلنا كأنها خُلقت لتنهار،
ونحن نهرب من الأرواح الزاحفة،
تلك التي لا روح لها

والتي ترى أننا لا نعلّق
أقدام السلاحف حول أعناقنا،
فتكشر عن أنيابها لتنهشنا،
وتستخرج من أجسادنا
الأكاذيب التي غذّيناها بها،
ذلك الفائض من الحياة
الذي لا يحتاج إليه أحد.

ذلك هو الجواب الذي أسمعه.

أحاول أن أجعل عينيك
تغوصان عميقًا في عينيّ،
كي تريا أين نقف، بعيدين عن أمكنتنا الحقيقية،
متشبثين بأذرعنا الشبحية،
وكأنها العزاء الوحيد الذي بقي لنا.

أسأل عن اسمكِ كلما جاءك ذلك الإحساس
ليخبرك بهذا، لكنّك تظلين غائبة،
أو تظنين أن الأمر لا يستحق الإصغاء،
فضلًا عن أنه جاء متأخرًا.

أحيانًا أتحدث معك، وأحسب أنك تتحدثين معي أيضًا،
أرى ذلك في وجهك
حين تتكلمين عن شراييني،
وتربطينها بالفجر،
وأبقى معلقًا فوق الأرض،
رافضًا أن ألتهمها
كما فعلتُ من قبل.