}

عن شعرية الجسد في النص الديني

وارد بدر السالم وارد بدر السالم 11 يوليه 2024

 
(1)

هذا الكتاب- شعرية الجسد من خلال "نشيد الأنشاد" و"إنجيل لوقا" (*)- بحث أكاديمي في الدراسات الدينية المقارنة من خلال شعرية الجسد بين نصوص "نشيد الأنشاد" و"إنجيل لوقا" اجتهدت فيه الباحثة هدى بحروني أن تضع النصوص الدينية في دراسة حضارية مقارنة، متجنبة المنهج التاريخي، كونه تفصيليًا يستدعي أوليات النشآت والتركيبات الإنجيلية وتطوراتها والاختلافات التي نتجت عن العصور المتلاحقة، لذلك فضّلت الاعتماد على منهج مقارن لكي تتم مواجهة النصوص ببعضها، في نسقين ثقافي وديني كمنهج ملائم لمثل هذا البحث التفصيلي في موضوعته الأثيرة: الجسد.

ما يهمنا ليس التفصيلات الكثيرة التي توقفت فيها الباحثة، بقدر ما ننظر إلى الكيفية التي عالجت بها النص الديني في محاورته للجسد بتفصيلاته الظاهرة بطريقة علمية وأدبية، إذ أن النصوص الدينية لا تكون في العهدين القديم والجديد مختلفة عن بعضها إذا حسبناها من ناحية المغذيات التاريخية والأسطورية لها، غير أنها تفترق في كثير من الأحيان عن بعضها بسبب زمنية أحداثها أو وقوعها في دائرة التاريخ الأسطوري، الذي يكتبه بشر ذوو صلة بمجرياته المتداولة على مر الزمن. ومن هذا سنرى أن نص "نشيد الأنشاد" قائم على معطيات متعددة في القص والسرد والحكاية والحوار والوصف، في حين اكتفى "إنجيل لوقا" بسردياته النثرية الطويلة التي لا تخرج عن سرد الأحداث ومعطيات القصص الكثيرة التي حفل بها النص في افتراقاته والتقاءاته الفنية.

وفي النصوص مجتمعة؛ بين الإنجيلين؛ نجد "الجسد" يفترع أحداثهما النصية المكتنزة بالحب الإنساني والجمال الديني عبر شخصية يسوع التاريخية - الدينية التي ما تزال تحظى بالجدل والتحليل. وما جاورها من معطيات إلهامية كثيرة، تتجلى في الجسد الإنساني، كونه حافظة على الروح في تجلياتها العجائبية المتعددة. لذلك نجد حضور الجسد في تلك النصوص المقدسة قويًا ولافتًا للأنظار.

(2)

عندما يكون "الله هو المحبة" يكون المقدّس في أعلى درجاته الروحية التزامًا، ويكون مفتاحًا لمطالعة الأناجيل كلها في ضوء هذه الفاصلة التي تحتل أرواح المؤمنين، فإذا كان "إنجيل لوقا" يسرد حياة يسوع حتى قيامته الرمزية، فإن "نشيد الأنشاد" معنيٌّ بالسمو الشعري والجمالي في إعلاء شأن الحب الإلهي، عبر التسريد الوصفي والحواري والقصصي والحدثي. وهذا يحتّم إيراد قصص الحب ورمزياتها الكثيرة التي تستدعي الجسد بوصفه (ساحة اللقاء بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي) لذلك فالنص الإنشادي بطريقته الدينية اهتم بأدبية الجسد من داخل النص المقدس، متطلبًا إيراد الخرافة والأسطورة لإملائه وإعماره بالشواهد التاريخية وتفصيلها فـ (الأساطير كانت مادة رئيسة في تشكيل نصوص الكتاب المقدس عمومًا) وبالتالي سنرى الجسد موضوعًا ليس سهلًا حين يوصَف بأنه موطن الخطيئة والفساد، أي وجود المدنس في المقدس. وهذا طبيعي في نصوص قديمة تداولتها صحف زمنية على مر العصور والتواريخ. ومن ثم فإن الشواهد الأسطورية تأتي لتعزيز سرديات القصص الكثيرة التي تملأ النص وتغذّي مساماته بكل ما هو مثير في تفصيلات الجسد التي تؤدي أدوارها البصرية والسمعية والشمّية والرؤيوية والغريزية.

{من أمثلة التاريخ ما قبل الإسلامي أن الشاعر الجاهلي انتبه إلى ثراء العالم الأسطوري فجعله مقومًا من مقومات شعرية قصيدته... والمصريون القدماء ينسبون إلى طوط  Thoth اختراع الكتابة، كما عند شعراء الجاهلية الذين يعتقدون بأن الجن ملهمهم في كتابة القصائد وأشهر الجن العربي- الجاهلي هبيدو ولافظ بن حافظ وهاذر، وكأنما الشاعر تختاره كائنات خفية غير مرئية، تلقّنه الشعر... لهذا كان الاعتقاد القديم بأن مهمة الشعراء تشبه مهمة الأنبياء عندما تلتبس شخصية الشاعر بشخصية النبي... فالأناشيد والتسابيح تمثل وجهًا من وجوه النبوة...) 

هذا التصور القار في الذهنية القديمة انسحب من زمن ما قبل الميلاد إلى العصر الجاهلي، قبل أن يُعد الإلهام مصدرًا خفيًا من مصادر الإبداع عند الأشخاص، وبالتالي فإن مصادر النبوة السماوية ليست هي مصادر الشعراء والكتّاب، بالرغم من عدم وضوحها عند الأشخاص غير الأنبياء، لكن الفارق الأساسي هو الفارق بين مصادر السماء ومصادر الأرض، وعليه فإن الأناجيل، حتى وإن كانت من وضع بشري تتبعت فيه سيرة يسوع ومعجزاته، لكنها نشأت عن واقعيات ملموسة عن نبي حقيقي سبق لوقا ومتّى اللذين كتبا العناصر اللاهوتية بدلًا من التسلسل الزمني التاريخي لولادة المسيح ومعجزاته الكثيرة. لذلك فالباحثة أعطت أولويات وتعريفات قاموسية وأدبية في معنى الشعرية/ الجسد/ النص الديني/ المقدس/ مع إقرارها بوجود صعوبات نهائية في التعريفات المطلوبة، كون الباحثين بشكل عام يتناولون دلالات المفردات أحيانًا من جذورها الأساسية، وأحيانًا ما يكون دارجًا في التوصيفات العامة لمعانيها وتأويلاتها المتعددة.

الشعرية ثقافيًا منذ عهد أرسطو هي "الشاعرية" و"الأدبية" وفن النظم" و"علم الأدب" و"الجمالية" ومع توسع الدلالات التعريفية للمفردات ومعانيها، لكن الباحثة ترى بأن التعريفات يجب أن تنطلق من النص ذاته (باعتباره إنجازا إبداعيًا نسجت حبكاته من اللغة) وإن (معنى النص الأدبي كامن في بنائه الداخلي، مستنبطَة قوانين النص من النص ذاته) وترى بشكل نقدي أن المقدس (يدخل النص من كل الجهات يحتضنه ويتخلله ويسكن فيه سطحًا وعمقًا)، وفي هذا الفهم النقدي تتخطى التعريفات الجاهزة التي يعتمدها الباحثون الأكاديميون عادةً في بحوثهم. وتلتقي مع نصوص الإنجيلين، عبر الجسد لما فيه من تأويلات سبقت عصر الحداثة النقدية باتساعها وشموليتها. فالجسد (ليس بنية منغلقة على ذاتها، بل هو انفتاح مستمر على ذاته وعلى جسد الآخر والكون) وهو الواقع بين المقدس والمدنس، بين الديني السماوي والشهوي الأرضي، فيلزم التعامل معه على أنه منظومة معقدة من خلال الشعر والنثر بوصفهما (مقدسين) هما أيضًا، فالنبي يصوغ (مناجاته ومواعظه أشعارًا وترانيمَ وتسابيح) فيقع ما يقوله في أبواب الشعر والنثر، وبالتالي يتوجب التعامل معه على أنه مقدّس بعرفانيته الصوفية، كونه كلامَ نبي مرسَلًا يتوفر على الحكمة والموعظة والتوجيه والإرسال إلى العامّة. حتى وإن كان الكتبة ليسوا أنبياء، انما هم رسل يتبعون الوحي النبوي في تجلياته السماوية التي تأتي قصصًا وأناشيدَ وأشعارًا وكلماتٍ طيبة.

(3)

(في البدء كانت الكلمة) فاتحة تحيل إلى العلم والمعرفة، فالكلمة هي مفتاح المعرفة والثقافة، والنصوص المقدسة توحي بهذا كثيرًا. أما الجسد بمضمونه العام فهو أكثر صلة بالمعرفة التي أتاحتها لنا الأديان السماوية، لذلك خضع إلى الكثير من التأويلات والتفسيرات إنجيليًا وقرآنيًا، أي أصبح مقدسًا من وجهات نظر الشعوب القديمة، التي أخضعته بدورها إلى الأعمال السحرية والدينية في شريعتها الاجتماعية، وأحاطته بالتبجيل والتوقير والمراجعات التي لها طابع السحر أو الجمال على مر الوقت في تطور الحضارات البشرية المتعاقبة، لتوليد حزمة من المعاني التي ما زال بعضها قائمًا عند الشعوب كتراث محلي.

الكتابة على الجسد بالحنّاء (تضفي على الجسد متعة بصرية) والحفر الطوعي على الجسد زينة المرأة والرجل، ومن قديم الكتابة عليه هو الوشم الذي قد يتسم بالعنف. أما حركات الجسد باليدين والرجلين والعينين والأعضاء الأخرى فكثيرة. فالإنسان (يتكلم بأعضاء جسده كلها...) والكتابة الجلية والخفية هي من معطيات الجسد المنفرد، قبل أن يتشكل جماعيًا، حتى الرقص يُعد (من أهم أساليب الكتابة التي تتوسل بالحركات المدروسة والمتناسقة لخلق فتحة تتسرب منها الرغبات المقموعة والمعاني المسكوت عنها من الداخل إلى الخارج) لذلك فحضور الجسد في أسفار العهد القديم حضور (كثيف) في تعاليم وإشاراتٍ وثقافة مجتمعية أيضًا.

تضع الباحثة أسئلة في صلب الديني المقدس (هل يجوز لنا أن نتحدث عن اللذة في نصوص دينية؟ وإن جاز لنا ذلك هل اللذة دوران في فلك الجسد أو هي تحليق في فلك الروح؟ 


(4)

خضع الجسد الأنثوي إلى إدانات واضحة بوصفه (الجسد النجس) والإغوائي، ونُعتت المرأة جنسيًا في العهدين القديم والجديد نعوتًا مختلفة (تتفق كلها على دنسها) كغواية شريرة وطاقة شهوانية وزينة وفخ يقع الرجل فيه. لأن اللذة (موصولة بالجسد) والجسد صندوق للمتعة والشهوة والشهية وما إلى ذلك. لهذا تضع الباحثة أسئلة في صلب الديني المقدس (هل يجوز لنا أن نتحدث عن اللذة في نصوص دينية؟ وإن جاز لنا ذلك هل اللذة دوران في فلك الجسد أو هي تحليق في فلك الروح؟ أي هل هي اشباع فيزيقي أم هي إشباع ميتافيزيقي؟ هل هي رحلة بين الجسد والجسد الآخر، موضوع رغبته، أو هي رحلة بين الجسد والكون عمومًا؟)

هذه الأسئلة الإجبارية هي الجوهر الشرعي المتاح في شرعيتها الطبيعية، فالجسد محاصر (بالرغبات) وهي بشرية- أرضية لكن النص الديني عمومًا (يبشّر المؤمنين بالجنة) فالملذات الأرضية لا تخلو من الشهوات العابرة، والجسد المحرم هو الجسد الشهواني. الجسد نظافة وقربان، عند المسلمين واليهود. يكون فعل الختان للذكر (طقس عبور من الدنيوي إلى المقدس) وفي نشيد الأنشاد ثمة جسد مختوم وعذرية مغرية، بينما العذرية ذات (بُعد اجتماعي... شرط إدماج الجسد الأنثوي في المؤسسة الثقافية بوجهيها الأسري والاجتماعي) فكل نص من النصوص الدينية المقدسة منسوج بعناية لافتة في التحذير من غواية الجسد وشرّانيته عند الأنثى (النص المنسوج شبيه بالجسد) والجسد أعضاء متقاربة ومتباعدة بوظائف وإن كانت عضوية- بيولوجية- سيكولوجية، فإن دلالاتها أعمق من ظاهرها.

النصوص المسيحية في عهديها القديم والجديد تفضّل الرأس على باقي أعضاء الجسد (الرأس هو موطن العلم والحقيقة) ويُعد في نشيد الأنشاد (أول كوة ننفذ من خلالها إلى جسد النص) وفي إنجيل لوقا (قيمة الرأس تتجلى بصفة أدق أثناء سرد حدث صلب يسوع فقد تم بالفعل في مكان يسمى "الجمجمة")، أما العين فإنها تحيط بمسرح جمالي مشهدي في اتساع رؤيتها (بل هو مسرح كوني يشمل الأرض والسماء) وإنها (تعطي للأشياء هوية جديدة تنخرط بفضلها في الكون بشكل جديد...) وتتشكل العين من رؤيا مباشرة. إنها الحاسّة التي تقرر الجمال، مع أنها غير مسؤولة عن تفاصيل الجمال بشكل عملي، لكنما الإحساس الذي تلتقطه تنقله إلى الروح في عاطفتها الحساسة:

(عيناه حمامتان عند مجاري المياه، مغسولتان مستقرتان في موضعهما- نشيد الأنشاد 12. 5)

(عينك هي مصباح الجسد -36-33. 11 - إنجيل لوقا)

(اجعلني كخاتم على قلبك، كوشم على ذراعك، فإن المحبة قوية كالموت- نشيد الأنشاد 14,1)

تقرر الباحثة بأن عين المسيحي ربما تقتصر على وظيفة الفاعلية؛ في إنجيل لوقا (فهي قناة الرؤيا) وهنا تحدثنا الأناجيل بأن من معجزات يسوع إبصار العين بعد العمى شريطة الإيمان بالسماء، وإن تكثفت معجزاته بإذن الله، إذ أن مرض الجسد في العهد الجديد عضوي وروحي- يسوع يشفي الجسد، لكن المفارقة أن يسوع كانت أضحيته (جسده) في الصلب الأسطوري الذي نعرفه، وربما هذه المفارقة هي ربانية لها دلالات وتأويلات ومعارف قد لا ندركها.

(5)

معطيات الجسد كثيرة في عناصره الظاهرة في أقل تقدير، تلك التي لها أدوارها الحساسة في تفاعلات الجسد البشري، فحساسية الأنف مثلًا تكمن في شم الرائحة. والرائحة لذة، ولذتها حسية وروحية، فـ (معجم العطور كان أكثر حضورًا وكثافة في نص نشيد الأنشاد منه في إنجيل لوقا) وانفتاح الفم لَذوي شرابًا أو طعامًا (وللكلمة أيضًا نصبيها من اللذة) فالبدء كانت كلمة ردّدها الفم وحفظها القلب، لذا يكون دور الفم اللذوي دورًا استثنائيًا، مع أنه يتكلم ويقبّل أيضًا، وتحسبه الباحثة بأنه (متورط في اللذة) منذ الطفولة (أول جسد يلتقيه فمويًا جسد الأم- المرأة) وعلى مدار تجسيد الجسد بوصفه نظامًا عقلانيًا يتحسس الأنف الروائح، كما للأذن أن تسمع أصوات الطبيعة في الطيور، وصوت الحبيب الملهم في مسارين (أحدهما بين العالم المقدس والعالم الدنيوي) والآخر أفقي (يجلو العلاقة بين يسوع والمجموعة...) وفي هذين المسارين؛ الأفقي والعمودي؛ تفعّل الأذن حساسيتها، ملتقطة الأصوات والمناجاة والأناشيد الدينية وغيرها.

(*) "شعرية الجسد من خلال نشيد الأنشاد وإنجيل لوقا" - هدى بحروني - مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث- المملكة المغربية – الرباط - 2016

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.