}

في ذكرى محمود مرسي: التمثيل أيضًا فن نهضوي

فاضل الكواكبي فاضل الكواكبي 24 يوليه 2024


تصادف هذا العام الذكرى العشرون لرحيل الفنان المصري محمود مرسي، وهو الذي تبوأ مكانًا بارزًا في فن التمثيل المصري والعربي، سينمائيًا وتلفزيونيًا، طوال ثلاثة عقود من القرن الماضي. فمنذ استقالته مع زملائه المصريين من عملهم كمذيعين ومعدين في هيئة الإذاعة البريطانية إثر العدوان الثلاثي على مصر، عاد مرسي إلى وطنه بعد أن كان قد درس على نفقته الإخراج السينمائي في معهد الإيديك في باريس، وذلك قبل أن يعمل في بي بي سي. وعندما عاد إلى مصر، بدأ يعمل في البرنامج الثاني للإذاعة المصرية، وهي المحطة الإذاعية التي أمر بتأسيسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكلف مجموعة من كبار المثقفين، وعلى رأسهم د. حسين فوزي، بإنشائها لتكون متخصّصة في نشر الثقافة الرفيعة وخاصة الموسيقى الكلاسيكية. لذا كان من الطبيعي أن يشارك مرسي في إنشائها. فهو المثقف المتقن للغات وذو الصوت الرخيم والمعرفة الرفيعة باللغة العربية، ولكن شهرته الحقيقية بدأت تظهر كممثل سينمائي وليس كمخرج، ولعل هذا عائد إلى عدّة أسباب أهمها قلة الفرص المتاحة للسينمائيين الجدد في ظل احتكار القطاع الخاص للإنتاج السينمائي حتى أواخر الخمسينيات. ومن الواضح أن مرسي الذي درس في أحد أهم معاهد السينما في العالم، لم يكن ليرضى أن يبتدئ عمله في الإخراج كمنفذ تقليدي لرغبات المنتجين والنجوم، خاصة أنه - كما عرف عنه- صاحب كبرياء عالية وتقدير عال للذات.

من جهة أخرى، فإن السينما المصرية كانت، وفي كل المراحل، تبحث عن وجوه جديدة ذات مواصفات خارجية جذّابة وكاريزمية. فإذا أضيفت إلى هذه المواصفات تلك القدرات العالية في التقمص والتجسيد التي تكشّفت بالتدريج لدى مرسي، فإنه كان من الطبيعي أن تجتذبه تلك السينما إلى نتاجها. ولم يتطلب الوصول إلى هذه السوية لدى مرسي تراكمًا طويل الأمد، فمنذ أفلامه الأولى تكشفت قدرات مميزة في التجسيد العميق لأعقد الحالات الأدائية مرفقة ببساطة وسلاسة غير مسبوقتين في ذلك الزمن.

وقد عاد مرسي إلى مصر في وقت كان المعهدان العاليان للسينما والمسرح (في صيغته الجديدة) على وشك النشوء، فيما كان رائد التمثيل أداءً وتعليمًا زكي طليمات وقبله جورج أبيض وعزيز عيد يتبعون الأساليب التقليدية العتيقة في تدريس التمثيل والتدريب عليه. وهي أساليب لا بد منها أحيانًا للتأسيس.، علمًا أن يوسف وهبي مثلًا كان قد كرّس منهجًا شديد الميلودرامية والوعظية كالشكل "الأكثر جدية" في الأداء.

كان العالم ومعاهد التمثيل فيه قد تجاوز هذه المدرسة منذ بدايات القرن العشرين. فظهرت مدرسة المنهج لستانيسلافيسكي وتلاميذه، بريخت والمدرسة الملحمية، مايرخولد ومدرسة البيوميكانيك وغيرها الكثير. وكان منهج ستانيسلافيسكي هو الأقرب والأصلح للأداء السينمائي وهذا ما تدرّب عليه مرسي وآخرون عادوا من أوروبا بعد أن درسوا المسرح وأتقنوا المناهج الحديثة كأمثال سعد أردش، أحمد عبد الحليم، كرم مطاوع، نجيب سرور وآخرين.

بدأت هذه المناهج تتسلل إلى المسرح المصري إثر إنشاء مسارح القطاع العام وعلى رأسها المسرح القومي. أما في السينما، فقد أدخلها المخرجون بالتدريج عن طريق ممثلين كبار استطاعوا أن يستوعبوها بخبرتهم وموهبتهم، أمثال زكي رستم، حسين رياض، عماد حمدي، محمود المليجي، شكري سرحان وآخرون. أما مرسي، فقد استطاع أن يؤسس لهذا المنهج انطلاقًا من المعرفة والموهبة في آن.

لم تكن سماته الخارجية كالحضور والجمال الذكوري النبيل هي التكأة التي اعتمدها مرسي لتبوء الصدارة، وإنما "النهضة الأدائية" التي عكسها. وهي نهضة بدأت تتطلبها السينما المصرية بشدة منذ النصف الثاني من الخمسينيات ووصلت إلى ذروتها في الستينيات. وقد توازى هذا الخط التصاعدي مع تصاعد في الأدوار الأساسية والهامة التي أداها مرسي والتي وصلت إلى ذراها في أفلام "السمان والخريف" لحسام الدين مصطفى (1968)، "شيء من الخوف" لحسين كمال (1968)، "زوجتي والكلب" لسعيد مرزوق (1970)، و"أغنية على الممر" لعلي عبد الخالق (1970). وقد سبقتها أدوار مهمة في فيلمي هنري بركات "الباب المفتوح" (1963) و"أمير الدهاء" (1964). وتبعها دوران لا ينسيان في "ليل وقضبان" لأشرف فهمي (1970) و"الشحات" لحسام الدين مصطفى (1971).

لقد كانت أدواره في هذه الأعمال هي ذروة نضوجه الأدائي إذ أدّى أدوارًا مركّبة متعدّدة المستويات بسلاسة وانفعال داخلي عميق. ولم يكن حضوره الطاغي ظالمًا للممثلين الذين عملوا معه، بل كان فرصة لكي يتجوهر أداؤهم أيضًا (مثلًا فاتن حمامة في "الباب المفتوح"، ناديا لطفي في "السمان والخريف"، شادية في "شيء من الخوف"، ونور الشريف في "زوجتي والكلب"). وفي آخر أدواره الهامة سينمائيًا، فيلم "سعد اليتيم" لأشرف فهمي (1985)، حيث خاض مرسي مبارزة إبداعية كبيرة مع عملاقين هما فريد شوقي وأحمد زكي.

منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، قلّ الطلب سينمائيًا على مرسي وحيث لم تعد الأدوار تناسبه كموهبة وحضور. وأنقذته في هذه الفترة الدراما التلفزيونية التي رغم ضعف لغتها البصرية بدأت تقدّم أعمالًا ذات أثر بسبب اعتمادها على عنصرين قادرين على تجاوز هذا الضعف (في التلفزيون فحسب) وهما السيناريو والتمثيل. هذه الدراما قدّمت فرصة جديدة لمرسي كي يتعملق ويحضر في الذاكرة من جديد في أدوار أضحت من كلاسيكيات الأداء التمثيلي. يكفي أن نذكر منها أعمالًا مثل "أبو العلا البشري"، "عصفور النار"، و"سفر الأحلام". والذروة كانت في أدائه لشخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ التي كتبها للتلفزيون محسن زايد وأخرجها يوسف مرزوق. وأخيرًا، من الأدوار الأساسية والهامة التي أداها مرسي في خدمة الثقافة والسينما المصرية والعربية، هو دوره كأستاذ في المعهدين العاليين للسينما والمسرح في القاهرة، حيث تخرّجت على يديه مجموعة من أبرز مخرجي وممثلي العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.