(1)
توجد العديد من التراجم والأجزاء من سير ذاتية خطّتها أقلام مجموعة من فقهاء وعلماء وأدباء المغرب منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وهم: محمد بن الحسن الحجوي، عبد الله كنون، محمد داوود، المختار السوسي، محمد المنوني، وقدّور الورطاسي. وهي نصوص جمعناها من أجل تقديمها للقارئ مجتمعة في كتاب واحد (يصدر قريبًا).
توجد الترجمة الذاتية لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري في الجزء الرابع من كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي"، الصادر سنة 1930 بمدينة فاس، وهو كتاب يدخل في دائرة أصول الفقه. أمّا عبد الله كنون، وهو أحد رواد إرساء القواعد الأدبية والثقافية في المغرب، فأخذنا نصه "وداعًا فاس" من كتابه "مذكرات غير شخصية". أمّا نص محمد داوود فمُقتطَفٌ من كتابه "على رأس الأربعين"، ونصّ المختار السوسي هو محاضرة بعنوان "أنا والأدب" كان قد ألقاها سنة 1936، وقدّم فيها بدايات تعلّمه في قريته، وانتقاله إلى الجامعة، ثم البذور الأولى من ولعه بالأدب ونظم الشعر. أمّا الترجمة الذاتية لقدور الورطاسي فقد حصلنا على مخطوطتها من المكتبة الوطنية، وهي مكتوبة تحديدًا لأبناء الأديب وبناته للتعرّف على جذور السلالة.
ونحن نختار هذه النصوص، لم نتبنَّ أي تعريف من التعريفات التي شاعت منذ سبعينيات القرن الماضي، مع فيليب لوجون ومن عاصره أو جاء بعده من المنظّرين المنشغلين بسؤال الذات والكتابة. وبفضلهم أصبح الحديث عن السيرة الذاتية اليوم حديثًا يجري داخل إطار محدّد، أو على الأقل داخل قانون معروف، بفضل تنظيرات فيليب لوجون، خصوصًا في كتابه "ميثاق السيرة الذاتية". لذلك اكتفينا بتبنّي تحديد واضح للسيرة الذاتية بناء على العناصر الثلاثة التي اجتمعت فيما بينها وكونت مصطلحًا من أهم وأخطر المصطلحات في النظرية الحديثة من حيث التحديد النظري. بعكس مفهوم آخر أصبح شائعًا اليوم، هو التخييل الذاتي، الذي بقي جنسًا أدبيًا بعيدًا عن الاعتراف والتداول، وذلك بسبب قوته الاستعارية التحويلية للحياة الملفوظة، رغم أنه يقوم بما تقوم به السيرة الذاتية أيضًا، أي: "تحويل حياة معينة من كونها تجربة إلى كتابة سيرية، ومن كونها عملية تجريب إلى عملية كتابة سيرية"، حسب رأي ج. هيو سلفرمان.
لقد أصبحت الخطاطة واضحة: الذات هي أنا في كل الحالات؛ والحياة هي الحياة كيفما كانت؛ والكتابة هي أنا دائمًا، إنها يدي. مع الاحتفاظ طبعًا بإمكانية نقد هذا الجنس الأدبي حين يفتقد إلى الروح ويتجرّد من التموجات التاريخية ومن السحر الشعري. ولن يكون كذلك إلا حين يكتبه غير الأدباء، فتصبح السيرة الذاتية كلمة قبيحة وجب نقدها بشدة وبدون توقّف، حتى تستعيد شعريتها وتستحق منّا جهدًا تأويليًا، كما نفعل مع جميع الأجناس الأدبية.
(2)
حين يكتب الفقيه عن ذاته فإن المتلقي، من حيث العُرف، يستبعد وجود أي تخييل أو "تزييف". هذا المتلقي يعتقد أن المؤلف/ الفقيه حين يقول "أنا" ويجعلها مهيمنة على السرد، فإنه يؤكّد مقصديّة: "إنني سأحكي حياتي من دون التواءات ولا تمويه". مع التأكيد على أن هذا الفقيه، على غرار القدماء، كتب عن ذاته بدون أن يصنّف ما كتبه ضمن خانة نوع مخصوص. وما كان شائعًا من المصطلحات لم يكن يتجاوز مصطلحين اثنين: "الترجمة" (الآرامية الأصل)، وتدل على "تاريخ الحياة الموجز للفرد"، و"السيرة" للدلالة على معنى "تاريخ الحياة". ثم تطوّرت دلالتها وأصبحت تدلّ على "التاريخ المسهب للحياة". لكن بشكل عام فـ"السيرة" عند العرب كانت دومًا صورة من صور مختلفة للتأريخ للأفراد.
لكننا مضطرّون إلى النظر إلى "دون التواءات ولا تمويه" من زاوية التحريف. إن المنتظَر من كاتب السيرة الذاتية ليس العلاقة التاريخية المطابقة تمامًا لأحداث خارج أدبية، بل ما ليس له في النهاية أي وجود إلا في الأدب. فالسيرة الذاتية تولد انطلاقًا من تلك العناصر التي تنتمي إلى وجود الكاتب وتمّ تحويلها بالكتابة والتخييل، وتحريفها بالتذكّر. وهنا تنشأ العملية الأخيرة، الأكثر تحريفًا بلا شك، أي الكتابة. إنها الوحيدة القادرة على صناعة النص انطلاقًا من الشذرات والنُّتف. وفي هذه الحالة يكون النص أكثر أهمية من العناصر التي يتكوّن منها. فالتجاوب القوي مع نصوص السيرة الذاتية لا يرجع إلى كونها كُتبت بضمير المتكلّم "أنا"، ولا إلى تصريح المؤلف بأنه سيعرض حياته في شكل مكتوب، كما يقول الحجوي في الأسطر الأولى من ترجمته، بل لكون النص السير ذاتي له طبيعة مختلفة عن النصوص الأخرى، فتكون الاستجابة أساسًا مع التخييل الذي تحتويه السيرة الذاتية، مع نص يصبح تحت سلطة الكتابة والتلقي أهمّ من الحياة التي يستند إليها ويؤول وقائعها وأحداثها. والاستناد في ذلك إلى مسار كلاسيكي في السرد حسم مسألة ضمير المتكلّم، التي أصبحت تُفهم طبيعته كإحالة على شخصية مختلفة عن المؤلف. هنا يكون القارئ قد دخل طواعية إلى ميثاق التخييل.
| |
| أصبح الحديث عن السيرة الذاتية اليوم حديثًا يجري داخل إطار محدّد، أو على الأقل داخل قانون معروف، بفضل تنظيرات فيليب لوجون، خصوصًا في كتابه "ميثاق السيرة الذاتية" |
لقد أصبح مسلّمًا به، مع نظرية "السيرة الذاتية الجديدة"، أننا نتخيّل طريقة ما نعيش بها الماضي أو نسترجع بها الماضي. وبما أن "الذاكرة موهبة كبيرة" حسب تعبير بول ريكور، فإنها ككل المواهب إمّا أن تكون خارقة أو عادية. فهناك من يستخدم التذكّر بشكل معتدل، وهناك من يستعمله بشكل خارق أو حالم. والتذكّر الحالم هو تذكّر بلا ضفاف، حرّ وجامح.
السيرة الذاتية مجرد جرد واقتسام. هذا ما تؤكده هذه النصوص المختارة في الكتاب. جرد ماذا؟ واقتسام ماذا؟ لكنها أيضًا تؤكّد أمرًا آخر، هو علاقة الطفولة بالكتابة. وهذا يُعتبر من أكبر القضايا في الأدب. الطفولة عالم آخر، أو نصّ مفقود نبحث عنه جميعًا، لكن كُتّاب السير الذاتية يبحثون عنه بشكل أفضل. والأمر في نهاية المطاف لا يتجاوز البحث عن صورة لهذه الطفولة من خلال الكتابة الروائية والسير الذاتية، كما جاء في مشروع شومبار دي لاو، التي بحثت عن صور هذه الطفولة في الكتابة الأدبية الفرنسية بين 1850 و1960. وهو ما أثار إعجاب فيليب لوجون، وعبّر عنه في المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها في ندوة عن "سرد الطفولة"، المنظّم بجامعة بوردو سنة 1992.
هل هناك سيرة ذاتية من غير حديث عن مرحلة عمرية مهمة هي الطفولة؟ أو ماذا يبقى من السيرة الذاتية إذا حُذفت الطفولة منها؟ فالطفولة تمثل لحظات نموذجية في حياة كل كُتّاب السيرة الذاتية، هذا الجنس الأدبي الأقرب إلى رواية التعلّم، التي تتأسّس على مراحل تكوّن الفرد واندماجه في العالم. الطفولة هي البلاغة النموذجية التي تكشف عنها التراجم والسير الذاتية.
يطرح كاتب سيرته الذاتية نفسه كما لو أنه يقف إراديًا أمام محكمة تحقق معه وتريد أن تسمع قصة حياته منذ البداية: أي طفل كانه؟ كيف كان يتفاعل مع محيطه؟ كيف كان يتصوّر المستقبل؟ ما هي الاضطرابات التي كان يشعر بها وهو في سن العاشرة مثلًا؟ وماذا بعد هذا العمر؟ كيف تعلّم؟ ومن علّمه؟ وكيف بدأ يتعاطى الكتابة؟ ما هي اعتزازاته وغروره كطفل؟ ما هي أنواع فضوله؟ ما هي الأشياء التي كان يتلقّنها؟ فهذه الأسئلة تلحّ على الأهمية القصوى للحظة السرد الأولى؛ محكي الطفولة.
إن الذات التي تكتب السيرة الذاتية محرجة، أكثر من أي ذات أخرى، أثناء إطلالتها على مراحل التكوّن الأولى. فكتابة النص الذاتي ليست مونولوجًا، بل هي حوار الذات مع آخرها. فالـ"أنا" هنا يتكلم باسم من يكتب السيرة الذاتية، ويستخدم إمضاءه. واستخدام الإمضاء ينطوي على المسؤولية، ومن هنا منشأ التردد الذي أشرنا إليه.
السيرة الذاتية لا تُكتَب بأي معنى شمولي، إذ أنه لا يتعين عليها أن تقدّم وصفًا تامًا لحياة المرء الخاصة. يسرد جان بول سارتر، مثلًا، في سيرته الذاتية "الكلمات" السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حياته، وتناول إدوارد سعيد في "خارج المكان" طفولته وصباه. وهذا بالضبط ما قام به فقهاؤنا في الكتاب الذي سنضعه بين يدي القارئ. وبالمقابل، هناك سير ذاتية تجاوزت هذه المرحلة وبحثت في مراحل النضج والعمل والتفكير. ومع ذلك، تعتبر هذه النصوص مؤهلة للسرد السير ذاتي الذي يقدّم وصفًا عن هوية الكاتب الذاتية.
يتضمن محكي الطفولة، مثل السيرة الذاتية، عدة عناصر متواترة تتكرر في هذا النص أو ذاك، حسب سلسلة نموذجية لخّصها برينو فيرسيي كالآتي: "ولدت، والدي ووالدتي، البيت، باقي أفراد العائلة، الذكرى الأولى، اللغة، العالم الخارجي، الحيوانات، الموت، الكتب، الموهبة، المدرسة، الجنس، نهاية الطفولة". إن غياب أي عنصر من هذه العناصر ينبغي أن يثير الانتباه بل ويتطلب شرحًا. وحسب تعبير أندريه مالرو: "كل الكتاب الذين أعرفهم يحبون طفولتهم".
حين نقرأ هذه النصوص فمن أجل الاقتراب من مضامينها بطريقة منهجية، خصوصًا وأنها بقلم علماء قلّما تحدثوا عن طفولاتهم. وحين فعلوا، كما هنا، فمن أجل إبراز أهمية قضية التنشئة الأسرية والتحصيل العلمي في حياة الشخص في بدايات القرن العشرين. وهي، بطبيعة الحال، اعتمدت السكوت، بدون شك، عن الكثير من القضايا التي يضمرها المجتمع التقليدي، مثل: اللهو واللعب والحب والعلاقات الجنسية. لكنها لا تتردّد في التطرّق إلى قضايا أكثر خطورة مثل الموت.
وتحضر إلى جانب هذه المواضيع قضايا أخرى مجاورة لها، مثل الحديث عن الأماكن والقرى والمدن، والنبوغ المبكر للأطفال في تلك المرحلة، والشيوخ الذين وصلوا بهم إلى أعلى المراتب العلمية السامية، ومنهجيات التلقين في ذلك الزمن، والتربية الجماعية التي يخضع لها الطفل من طرف الجد والجدة والأخ الأكبر، والخال والخالة، والعم والعمّة. وقد كُتبت على هذا المنوال العديد من نصوص السرد الذاتي والتراجم، وكأنها تروم الالتزام تمامًا بالنص الموروث من القرون الماضية، الذي ظل لفترات من الزمن نصًا ممتعًا، لأن صاحبه كتب عن مولده وأسرته ونشأته، ولم ينس شيوخه الذين أجازوه. لقد صاحب ذلك، بدون شك، انتشار الأفكار العلمية والفقهية والصوفية، وملازمة المدارس والمساجد صباحًا وعشية ومساء، وما لها من دور في التربية الجيدة للأولاد، وبناء الشخصية المغربية بناءً متينًا، من دون نسيان دور الوالد، وهو في الغالب رجل ورع. لقد أدّى ذلك كله دورًا رئيسيًا في تنظيم الأسرة، الشيء الذي انعكس، من جانب آخر، في تنظيم حقل نصوص السرد الذاتي ووضع قانون ملزم لها.
تؤكّد هذه الظاهرة إيلاء الاهتمام لحيوات عادية ومجهولة، في توازٍ تام مع اكتشاف الهوية الشخصية، ويمثل ذلك في النصوص التي جردنا ما يؤكّد البحث المحموم عن نص ضائع فريد، هو الطفولة: الحجوي، محمد داوود، المختار السوسي، عبد الله كنون، الورطاسي. فمنذ الطفولة تكتشف الذات هويتها وهي وسط محيط من النساء والرجال والأطفال المجهولين والعاديين. ونموذج ذلك، إلى حدّ جزئي، نص المختار السوسي "أنا والأدب"، الذي ظل يكتشف هويته الشخصية وهو رفقة الآخرين، وهم من جانب شيوخه وأساتذته، ومن جانب آخر أتراب يضاهونه أو يتفوقون عليه في التحصيل العلمي. وهذا ما يجعل قارئ مثل هذه النصوص يطرح السؤال الآتي: ما السبب الكامن وراء ذكر أناس مجهولين وعاديين لا يدخلون في دائرة اهتمام أحد غير المؤلف نفسه؟ إن دورهم بكل بساطة هو إضفاء سلطة المرجع.


تحميل المقال التالي...