}

المقهى والأدب المصري: نظرة هولندية على قاهرة الثمانينيات

ريشارد فان ليوين 3 ديسمبر 2025
استعادات المقهى والأدب المصري: نظرة هولندية على قاهرة الثمانينيات
يرصد فان-ليوين حراك الكتّاب المصريين إثر فوز محفوظ بنوبل

 

ترجمة وتقديم: عماد فؤاد

 

تقديم

أمضى المترجم الهولندي ريشارد فان ليوين عدة أشهر في مصر في صيف عام 1988، وكان شاهدًا على لحظة حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب في العام نفسه، وحال عودته إلى أمستردام، حيث كان يدرّس حينها في جامعتها ويعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للأبحاث في العاصمة الهولندية، كتب هذا العمود لإذاعة "كاميرا أوبسكورا" ونشر في 28 كانون الثاني/ يناير 1989
.

يرصد فان ليوين حراك أجيال الكتّاب المصريين إثر حصول محفوظ على جائزة نوبل، من خلال غوصه في المشهد الأدبي لقاهرة 1988، ولقائه بإثنين من أمهر كتّاب القصة القصيرة في مصر، وهما الكاتبان الراحلان سعيد الكفراوي ويوسف أبو رية، وينتقل معهما إلى المقاهي، مستقصيًا أسماء أدبية أخرى تسيّدت المشهد الأدبي المصري سلطة وحضورًا في تلك الفترة مثل جمال الغيطاني.

يحتلّ فان ليوين مكانة كبيرة في حركة ترجمة الأدب العربي، وكان أوّل من ترجم "ألف ليلة وليلة" كاملة من العربية إلى الهولندية مباشرة، وصدرت في نحو 20 جزءًا خلال عقد التسعينيات، كما نقل رحلة ابن بطوطة، وصولًا إلى ترجمته لأعمال كبار الكتّاب العرب مثل: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان وعبد الحكيم قاسم وبهاء طاهر وإبراهيم الكوني ورضوى عاشور وسحر خليفة.

حصل فان ليوين على درجة الدكتوراه عام 1992 من جامعة أمستردام، وهو محاضر أوّل في الدراسات الإسلامية في الجامعة منذ عقود. إلى جانب ترجماته من الأدب العربي المعاصر، له العديد من المؤلّفات في تاريخ الشرق الأوسط والأدب العربي والإسلام، من أهمها: "الأعيان ورجال الدين في جبل لبنان" (بريل، 1994)؛ و"الأوقاف والهياكل الحضرية" (بريل، 1999)؛ وموسوعة "الليالي العربية" التي صدرت في مجلدين عام 2004، و"ألف ليلة وليلة: الفضاء والسفر والتحول" (2007)؛ و"سرديات ملوكية في الإمبراطوريات الأوراسية" (بريل، 2017).

كما حصل فان ليوين على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2020 عن كتابه "ألف ليلة وليلة ورواية القرن العشرين: قراءات متناصّة"، الصادر عن دار بريل للنشر (ليدن) عام 2018، ويكشف فيه كيف أن المجموعة القصصية العربية وفّرت موردًا لا حدود له لبعض أهم الكتّاب العالميين في القرن العشرين الماضي.

فان ليوين

 

هنا مقال كتبه ريشارد فان ليوين عن علاقة الأدب المصري بالمقاهي... وعن نجيب محفوظ ونوبل وتدخين الحشيش وسط مقابر القاهرة المملوكية نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

المقهى والأدب المصري

قد يبدو غريبًا أن نبحث عن الأدب في بلد مثل مصر، التي تتوازن على حافة الانهيار منذ سنوات، إن لم يكن منذ قرون. فهناك دائمًا أزمة اقتصادية، وفقر، ومعدّلات الأمّية مرتفعة، وتبدو السياسة خليطًا مبهمًا من محاولات إبقاء السفينة الغارقة طافية. وبالتالي فإن المناخ الثقافي أبعد ما يكون عن المثالية، ولكن على الرغم من كل هذه العقبات، يزدهر الأدب المصري كما لم يحدث من قبل؛ وتكاد الصحف والمجلّات ودور النشر غير قادرة على استيعاب المعروض عليها من مجموعات الشِّعر والقصص والروايات، فيما لا يهدأ النقاش الأدبي للحظة واحدة. وعلى الرغم من أن قليلين هم الذين يستطيعون شراء الكتب، ويشكو بعض الناشرين من أن عدد الكُتّاب في مصر يبدو أكثر من عدد القرّاء، إلّا أنّ الأدب حيّ وبخير.

تجري الحياة الأدبية المصرية جزئيًا في المقاهي. كانت المقاهي أماكن التقاء تقليدية للمناقشة والإلقاء والموسيقى. وعلى هذا النحو غالبًا ما كانت تتعرّض لهجمات المتربّصين بالأدب من القادة والحكام "الذين كانوا يعتبرونها أماكن للخراب وبؤرًا للاضطرابات السياسية". أثبتت هذه النظرة التقليدية عدم قابليتها للاستمرار، ولا تزال المقاهي أماكن اجتماع الكتّاب والفنّانين والصحافيّين يتناقشون فيها ويتسامرون، ويستقبل فيها العظماء مريديهم وتلاميذهم، ويضع فيها الحرس الشاب خططه الهجومية.

سرعان ما قادني استطلاعي الأدبي إلى مقهى "زهرة البستان" حيث يجتمع أدباء الجيل الشاب بعد ظهر أيام الآحاد. إنهم أقلّ من "آلهة صغيرة"، متثاقلون، وفي ثياب رثّة لأن حياة الفنان رثّة، يلوحون بمجموعات من القصص والمجلّات الأدبية، وبعضهم يحمل تحت ذراعه آخر ما كتبه في شكل أوراق مكتوبة على الآلة الكاتبة أو بخط اليد، ينقسم الجمع إلى دوائر صغيرة تضم جماعات يتنقل بينها الكتّاب والنّقاد والمعجبون بالأدب ذهابًا وإيابًا. يعرف الجميع بعضهم بعضًا، يتبادلون آخر الأخبار ويتناقشون حول أحدث مقالات الصحف والمجلات، وفوق كل ذلك يكثر الضحك.

فان ليوين: لا يتحدث سعيد الكفراوي (يسار) ويوسف أبو رية عن شيء آخر سوى الأدب... الأدب هو شغفهما


يحاورني الكاتب "غير المهم كثيرًا" سعيد الكفراوي الذي غالبًا ما يتحدّث بأعلى صوته، ورفيقه يوسف أبو ريّة، وهو شاب ممتلئ الجسم يرتدي نظّارة. يأخذني سعيد ويوسف إلى "مدينة الموتى"، المقبرة المترامية الأطراف التي تعود إلى عصر المماليك، والتي تحوّلت الآن إلى حي فقير كبير بين آثار المماليك وبقايا القبور والأضرحة. ندخل إلى مساحة مقبّبة تشبه القبو في مقابل مسجد قايتباي بالروضة، وهو عبارة عن مقهى تم إنشاؤه فوق مقبرة قديمة من مقابر المماليك. يجلب صبي صغير شايًا غارقًا بالسكر وشيشة، وفحمًا متوهجًا في قصعة فخارية. يقوم الكفراوي شاردًا بلصق قطع صغيرة من الحشيش على سطح الطاولة الرخامية وهو غارق في التفكير، قبل أن يرصها فوق الفحم المتوهج واحدة تلو الأخرى.

الشيشة مدمرة، والتدخين صراع حياة أو موت، يظهر ذلك في الجدية التي يتم بها استنشاقه. تدريجيًا، ينضم كتّاب آخرون إلى الرفقة، يتبادلون المخطوطات، كانوا يقرأون في صمت بينما يمر خرطوم الشيشة من يد إلى يد. عندما ينتهون من القراءة، ينظرون إلى بعضهم البعض بنظرات ثاقبة، وبهدوء شديد، يثني كلّ منهم على الآخر، ثم ينتقدون كلمة أو جملة بحذر، وسرعان ما تندلع مناقشات حامية يدور فيها الصياح والضحك وإعادة القراءة، لتتحوّل الحلقة بعد حين إلى مسابقة في البلاغة ورواية الحكايات.

لا يتحدث سعيد ويوسف عن شيء آخر سوى الأدب، الأدب هو شغفهما، يلتفتان إليّ بين الفينة والأخرى ليشرحا لي أنهما - أدباء جيل الشباب - يكتبان بشكل مختلف عن جيل الستينيات الذي أنتج مواهب كبيرة. من الظواهر المصرية المعتادة أن الأدباء ينقسمون إلى أجيال، أي أن الأديب يُصنّف حسب الفترة التي بدأ فيها النشر، ويتمّ تحليل الحركات الأدبية حسب الأحداث السياسية. وهذا أمر مريح للنقاد، لكنه يخلق أيضًا ارتباكًا عندما لا يستطيع المرء أن يتذكر بالضبط متى ظهر كاتب معين لأول مرة. ويستفيد كاتب مثل سعيد الكفراوي من هذا الارتباك: فهو دائمًا ما يصعد جيلًا بعد جيل، بحيث يبدو أنه كان بين المواهب الشابة الواعدة لسنوات، وبالتالي يبدو أنه اكتسب شبابًا أبديًا في الكتابة.

وبالطبع، فإن التقسيم إلى أجيال أدبية لا يستند إلى مجرد الملاءمة، فقد استجاب الأدب المصري باستمرار للأحداث السياسية طوال القرن. فالكفاح ضد الاحتلال البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين، وحصول عبد الناصر على الاستقلال والثورة في عام 1952، والهزيمة أمام إسرائيل في عام 1967، وسياسة الباب المفتوح التي انتهجها السادات في السبعينيات، كلها أمور تركت بصماتها على الأدب. الأدباء المصريون ليسوا حالمين منفصلين، فهم يشاركون في كل ما يحدث، بل نصّبوا أنفسهم متحدثين باسم الشعب وكأنه شيء تقليدي، يراقبون مَنْ في السلطة السياسية ويندّدون بالفساد والغشّ. لأنهم "الممثلون الشرعيّون" للشعب المصري وليس زمرة السياسيين. لذلك فإن الجدل الأدبي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنقاشات الأيديولوجية، ولا تُعتبر "الرواية" ذات "أهمية" إلّا حين ترتبط بالنقاش حول الوضع السياسي أو تفسير فترة من فترات التاريخ الحديث.

تجاوز جمال الغيطاني دائرة المقاهي وجلس في مكتب حديث في مبنى الجريدة التي يحرّر الصفحة الأدبية فيها  


يرى الكتّاب المصريون أن من واجبهم الدفاع عن حرية التعبير والنزاهة السياسية وحقوق الشعب. إنهم يريدون أن يكونوا "ضمير الأمة"، ويحذرون من التهديدات الداخلية والخارجية، ويساهمون في معالجة المشاكل المجتمعية التي تسببت فيها مراحل مؤلمة في التاريخ القريب، مثل وعود ثورة عبد الناصر التي لم تتحقق، والهزيمة أمام إسرائيل في 1967. هذه المشاركة، من بين أمور أخرى، هي التي يستمدّ منها الأدب المصري قوّته وحيويته.

الروائي جمال الغيطاني من أهم الكتّاب الذين برزوا في جيل الستينيات، تجاوز الغيطاني دائرة المقاهي وجلس في مكتب حديث في مبنى الجريدة التي يحرّر الصفحة الأدبية فيها. هنا يستمع إليه الجمهور، ويدخل عليه زملاؤه من الكتّاب والصحافيّين والفنّانين وبسطاء القرّاء والمعجبين. يجسد الغيطاني الأديب المصري الراسخ الذي يحتل مكانًا مركزيًا في شبكة الحياة الثقافية والفكرية، ويتدخل في النقاش السياسي من موقعه هذا. وقد جمع نتاجًا أدبيًا حافلًا، وعمل بالصحافة لسنوات طويلة، وأصبح واحدًا من أكثر المثقفين المصريين تأثيرًا.

يشن الغيطاني على صفحته الأدبية حملات ضدّ الجماعات الإسلامية التي يقول إنها تهدد حرية التعبير وممارسة الفن. لكن هجومه موجه أيضًا ضد طبقة المنتفعين الاقتصاديين الذين لا ثقافة لهم والذين ظهروا في السبعينيات في ظل حكم السادات، وضد التغريب الزاحف غير المنظم الذي يحدث من خلال التدفق الكبير للأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأميركية.

نشأ الغيطاني نفسه في بيئة إسلامية تقليدية، ولكنه استفاد أيضًا من تأثير العقليات الغربية، وهو التناقض الذي يميز الثقافة المصرية إلى حد كبير. فالهوية المصرية، وهو مصطلح كثيرًا ما يتم ترديده في المناقشات الأدبية، هي مزيج من التأثيرات التقليدية والغربية، ويجب حمايتها من الاختراق الغربي المفرط في التمسك بها، وكذلك من تلك الجماعات الإسلامية التي تحمل نظرة فاسدة للجذور الثقافية المصرية.

"التأثير الغربي" في مقابل "الإسلام"، والبحث عن جذور الثقافة المصرية، وتفسير تاريخ مصر المضطرب، كلها قضايا يجب أن يتّخذ الكُتَّاب موقفًا منها. إنها موضوعات لها بُعد سياسي واضح، وهي أيضًا موضوعات محورية في النقاش الأدبي. فهي تُطرح على جميع المستويات؛ في النقاشات الساخنة في المقاهي وفي المجلات الأدبية والثقافية، وليس أقلها في الأدب نفسه.

نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل عام 1988، كاتب يضم الكثير من عناصر الأدب المصري الحديث. فهو مؤرخ للمراحل المختلفة التي مرّت بها مصر خلال هذا القرن، وقد جدّد نفسه باستمرار، وعلّق على التطوّرات السياسية الجديدة، وحاول أن يضفي على أعماله طابعًا مصريًا لا تخطئه العين رغم التأثيرات الغربية. علاوة على ذلك، ظلّ دائمًا مخلصًا لتقاليد المقاهي. ولكن على الرغم من أهمية أعماله، إلا أن الكُتَّاب الشباب فتحوا آفاقًا جديدة تحدّد الآن وجه الأدب المصري.

أثناء إقامتي في مصر في صيف 1988، سألني كثير من الأدباء عن سبّب قلّة الاهتمام بالأدب العربي في أوروبا. هل بسبب الخصومة التاريخية التي تعود إلى زمن الحروب الصليبية؟ أم بسبب الوضع السياسي في الشرق الأوسط؟ أم بسبب الاختلافات الشاسعة في اللغة والثقافة؟

سؤال ليس من السهل لي الإجابة عليه، لكن مهما يكن من أمر، فبحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل أخيرًا، وهو تقدير يستحقه، من المأمول أن يزداد الاهتمام في أوروبا بالأدب العربي عامة والمصري خاصة. ومن المؤكد أن تفاني الأدباء المصريّين لن ينقصه شيء.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.