}

غونتر أندرس: هيمنة التكنولوجيا تنزع إنسانيّة العالم

جورج كعدي جورج كعدي 22 يوليه 2025
استعادات غونتر أندرس: هيمنة التكنولوجيا تنزع إنسانيّة العالم
غونتر أندرس
ظلّت أعمال الفيلسوف والكاتب الألماني ذي الأصول اليهودية غونتر أندرس (1902 - 1992) مجهولة لمدة طويلة في العالم الناطق بالإنكليزية، ربما بسبب ما وصفه هربرت ماركوز بـ"تشاؤمه النقديّ الجامح"، مع أنه تنبّأ بمسائل جوهرية تناولها لاحقًا الفلاسفة جان لوك نانسي وبرنارد ستيغلر وجان بيار دوبوي وزيغمونت باومن ونالت رواجًا واهتمامًا كبيرين. فهو السبّاق إلى التحذير من الآثار المدمّرة للتطور التكنولوجيّ، إذ حوّل ظهور العصر النووي السلام إلى استعداد دائم للحرب، على نحو ينقض مقولة كارل فون كلاوسفيتش من أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. فالعصر النووي الحديث ألغى السياسة تمامًا من خلال ضمان التدمير المتبادل للأطراف المتحاربة، وبالتالي لا أحد يعلم تمامًا ما يمكن أن تكونه حرب نووية، ولا يوجد أحد كفؤ في هذا المجال، ولذلك فإن نهاية العالم هي بطبيعة الحال في أيدي غير الأكفّاء. بحسب أندرس، طمس الاستخدام الحديث للطاقة النووية الفرق بين الاستخدامين المدنيّ والعسكريّ، وجعل احتمال وقوع كارثة أمرًا واردًا في كل زمان ومكان. هيّأت البشرية الظروف لفنائها الذاتيّ.

يرى غونتر أندرس أن كوارث القرن العشرين كانت نتيجة منطقية لاختراع القنبلة النووية، الرمز المقلق للتكنولوجيا المعقدة، فكلما نمت قوّتنا التكنولوجية بشرًا، صغرنا، وكلّما قيّدتنا الآلات صرنا قابلين للاستبدال. وعلى غرار زوجته الأولى، حنه أرندت، توقف أندرس ليتأمّل في تراجع الأخلاق الإنسانية، وفي تخلّي الإنسان عن حساسيته وتعاطفه. ولم تكن هناك بالنسبة إليه مهمة أكثر إلحاحًا من دراسة ما هو جارٍ في صميم حداثتنا التقنية، وهذا يعني أنّ تكرار الوحشية ليس ممكنًا فحسب، بل محتمل. ليتك عشت سيد أندرس لترى الوحشية التي أشرت إلى إمكان تكرارها مجسّدةً في إبادة غزة. أدّت التكنولوجيا في البداية إلى تفاقم الاغتراب والاستلاب الإنسانيين عند البشر، وتهدّد اليوم بفنائهم. في مؤلّفه البارز "زوال الإنسان" عام 1956 يقدّم أندرس لائحة اتهام لاذعة للواقع التكنولوجي الاستهلاكي الحديث، فرغم فوائدها، قيّدت التكنولوجيا آفاق التجربة الإنسانية، مقدّمةً عوالم جاهزة وأنماطًا محددة تحدّدها بعناية الشركات وقطاعات الإعلان، وتتمثل طاعة البشر في استهلاك ما هو سريع التلف، فالأشياء مصمّمة لا لتدوم، بل لتُستهلك كمواد قابلة للتلف تستبدل بسرعة جنونية في دورة لا نهاية لها من الصنع والتدمير (زاد الأمر مائة ضعف منذ خمسينيّات أندرس). تحوّل العالم إلى "شبح" مجرّد من الواقع بسبب وفرة المنتجات المقلّدة والواقع المصطنع الذي امتد إلى حياتنا الخاصة على هيئة ما وصفه أندرس بـ"المنتجات المرحة" (التلفزيون مثلًا) التي يتمّ إيصالها مجانًا إلى المنازل. "الإمبراطورية التكنولوجية الشمولية" تهدّد بتصفيتنا وتحويلنا إلى مجرّد "تروس" (براغي) في آلة عملاقة. حرم الإنسان تدريجيًا من استقلاليته وقدرته على خلق عالمه الخاص وأخضعه للعبودية الاستهلاكية.

بحسب أندرس، ينبغي عدم فهم تقدم التكنولوجيا على أنّه بالضرورة تقدّم للبشرية، بل على العكس من ذلك، لا يترافق التقدم التكنولوجي مع تقدّم في الفكر والتأمل والمسؤولية، بل يجعله مستحيلًا في معظم الأحيان. فرضت الحداثة التكنولوجية استسلامنا الأحاديّ الجانب للآلات، ما جعل قدراتنا على الفهم والشعور والتصرّف فائضة عن الحاجة وغير ضرورية، في انتظار أن نصبح "متماثلين تمامًا" مع الآلات ومتحرّرين من "عيوبنا" بفضل "كمالها"، فهي مصمّمة باعتناء، في حين أن أجسادنا "متيبّسة وعنيدة ومحدودة" بحسب تعبير أندرس.

لم تعد القدرة على قتل آلاف البشر بضغطة زرّ (كما هو حاصل اليوم في غزة المأساة) توازي القدرة على إدراك حجم الكارثة المحدثة، بما في ذلك قدرتنا على الخوف من الخطر الذي يهدّدنا، لسبب بسيط هو أننا لا نستطيع معرفة ما لا يسعنا فهمه أو تمثّله على نحو ملموس أو أخلاقيّ. حفّزت فينا قيود التكنولوجيا إحساسًا باللا مسؤولية، شكلًا من أشكال عدمية الفعل. تستشرف تنبؤات أندرس كيفية سيطرة الأجهزة والآلات على أفكارنا ومناقشاتنا وعلاقاتنا، على نحو يملأ عقولنا بتفاهات تجلب الإدمان والارتخاء. يُحبس الأفراد في ملايين وحداتهم المعزولة، وتُملأ عقولهم بما هو تافه وممتع، ويُمنع العقل من التفكير من خلال الثرثرة المتواصلة، ويوضع الجنس في صدارة الاهتمامات كمهدّئ اجتماعيّ، فلا شيء أفضل منه لنبذ الجدّية من الحياة والسخرية من كل ما هو ثمين والتمسك الدائم بالعبثية، حتى تغدو الإعلانات معيارًا للسعادة البشرية ونموذجًا للحرية. جزء كبير من سيطرة التكنولوجيا الحديثة على حياتنا يستند إلى أسطرة أنها مرادفة للتحرّر والتقدم، لكن بدلًا من "تنوير" الإنسان، انتهى التقدم التكنولوجيّ إلى ترسيخ جهله وعزله من التاريخ.

في مقالة له بعنوان "نهاية العالم بلا مملكة" يعود غونتر أندرس إلى جذور ثقافته اليهودية ليرى أنّ "المجيء الثاني" لن يكون كارثة إلهية بل حدثًا بشريًا، نوويًا تحديدًا


نعيش، بحسب غونتر أندرس، فيما أسماه "عصر انعدام الخوف"، فحتى مع إدراكنا الموضوعيّ للأخطار المتصلة بأزمة المناخ، وانهيار التنوّع البيولوجيّ، وتناقص الموارد، فإننا نؤثر الاستمرار في التظاهر بالمسؤولية لتجنّب مواجهة تلك الأخطار مباشرةً. إنها جاذبية الفناء. تعيش البشرية في زمن مستعار. يجب، بحسب أندرس، أن نصمّم أخلاقًا جديدة قادرة على مداراة وخلق أشكال من المقاومة لأي نظام يديم المجازر ويقلّل من قيمتنا بشرًا، ويفتّت المجتمعات، ويعرّض وجودنا للخطر. عندئذ يمكن، ربما، أن نأمل في إنقاذ الإنسان من ثقافة الاستلاب. في كتابه "المنظر من القمر: تأملات فلسفية في السفر إلى الفضاء"، وقبل عقود من محاولة جيل المليارديرات (أمثال إيلون ماسك) استعمار الفضاء، تخيّل أندرس النظر إلى الأرض من القمر.

تتفاقم التوترات التي حدّدها أندرس في ظلّ الآلات "الذكية" ذاتية التشغيل، التي تملأ حياتنا على نحو متزايد. ففقدان إشارة الهاتف، أو بطء اتصال الإنترنت، أو نفاد البطارية، قد تجعلنا نشعر بالضياع والارتباك، بل تعطينا انطباعًا بأننا فقدنا يدًا أو أصبحنا عراة. تُبرز هذه المشاعر مدى تأثير الآلات على صورتنا الذاتية، ومدى سهولة خلطنا بين الفاعلية التي تمنحنا إيّاها التكنولوجيا وفاعليتنا، وكم نتنازل عن قرارات بالسر للأشياء، لكونها تقدّم إلينا حلولًا وتبدو مسهّلة للحياة. نعيش فيما يسمّيه أندرس "يوتوبيا معكوسة"، فمشكلتنا ليست في عجزنا عن صنع العالم الأفضل الذي نتخيله، بل في عجزنا عن تخيّل العالم الذي صنعناه، أو ما يسمّيه "الجودة العالية المُهينة للأشياء التي صنعها الإنسان" في مقاله عن "العار البروميثي". يميل الإنسان الحديث إلى تغطية عيوب الآلات وجعلها أكثر كفاءة مما هي عليه، وهو مهووس بـ"أيقونات العصر" كالإدمان على صورة الذات، والوحدة السعيدة التي نادرًا ما نقرّ بها بل نخفيها عمدًا. نقدّس أجهزتنا وآلاتنا لأنّها تسمح لنا برؤية أنفسنا كآلات قابلة للتحسين والتعديل والإصلاح. هكذا تجسّد الآلات أملنا في الهرب من جحيم الولادة، ومن واقعنا الجسدي، ومن الجهد المباشر الذي يلزمنا لنكون على طبيعتنا. يُنظر إلى العار البروميثي بكونه تعبيرًا عن الحرج من أننا وُلدنا بدلًا من أن نكون خُلقنا.

جميعنا اليوم غرباء، متفرّجون، مشاهدون، مستهلكون، مفتونون بالصور وعلى رأسها موجزات مواقع التواصل الاجتماعي بأخبارها وإعلاناتها. إنها "الأبخرة" التي أشار إليها ماركس وإنغلز عام 1848 في بيانهما الشيوعيّ: "جميع العلاقات الجامدة، بما تحمل من تحيّزات وآراء قديمة ومبجّلة، تمحى، وكل ما هو مقدّس يدنّس، ويجبر الإنسان أخيرًا على مواجهة ظروف حياته الحقيقية، وعلاقاته مع بني جنسه، بوعي وإدراك". يسلّط أندرس الضوء على التحوّل إلى عتيق بفعل الأشباح والظلال في وسائط الصورة. نحمل أدوات اغترابنا معنا في "روبوتات جيب". بعد أن يغلق الإنسان الباب خلفه يصبح العالم الخارجي مرئيًا له. يقول أندرس: "فقط بعد تحوّلنا إلى وحدات بلا نوافذ ينعكس الكون فينا".

الجانب الآخر من العار البروميثي، على ما يذهب أندرس، غير مقتصر على قلقنا التكنولوجي، أو رغبتنا في أن نكون الآلة أو أن نضاهيها، بل يشمل أيضًا تحمّل المسؤولية. فأفعالنا الاستهلاكية تُديم الوضع المدمّر للحياة وللبيئة. نحن نجعل أنفسنا مستهلكين، لكننا نصنع أيضًا الظروف المادية للعديد من المشاكل الأخرى التي تُنتج دمارًا عالميًا. يتأمل أندرس في طريقتنا بالوجود والامتلاك، فامتلاك الأشياء يصبح هويتنا، وطموحنا لأن نكونها؛ هذا هو عارنا البروميثي. إننا نقيس أنفسنا بأدواتنا. نطمح إلى أن نكون مثلها. في اللغة الراهنة، ما بعد أندرس، نطابق أنفسنا مع الذكاء الاصطناعي. نجعل أنفسنا على صورة أدواتنا.

في مقالة له بعنوان "نهاية العالم بلا مملكة" يعود غونتر أندرس إلى جذور ثقافته اليهودية ليرى (من رؤيا) أنّ "المجيء الثاني" لن يكون كارثة إلهية بل حدثًا بشريًا، نوويًا تحديدًا، فنحن "لا نزال ندّعي أنّ فكرة نزول العالم إلى العدم المحض فكرة فادحة، والأمر المحيّر أنّنا أوّل من يُضطر إلى التدرّب على هذه الفكرة، لأننا محاصرون بالعدمية منذ نحو قرن، أي أننا محاطون بحركة تدفع بالعدمية إلى الصدارة، إلى حدّ أنّها عوّدتنا على أفكار الفناء (...) لن يكون هنالك أمر أكثر كارثية من ظهور عدم اليقين بشأن ما إذا كنّا نحسب أن الكارثة لا تزال أمامنا ونتصرّف وفقًا لذلك (...)". يقال: "لا، ليس علينا أن نتوقع وقوع الكارثة فورًا، على الإطلاق. إن حقيقة أنها لم تحدث بعد، والفترة الزمنية التي مررنا بها بالفعل، تثبت أننا قادرون على العيش مع الخوف (من القنبلة النووية) وإبقائه تحت السيطرة (...) كان الخطر المروع أكثر حدّة في بداية وجود القنبلة مما هو اليوم. كان ثمة احتكار للأسلحة النووية (...) لدينا اليوم مبدأ الدمار المتبادل المؤكد (...) لطالما فُهم مسار الزمن دوريًّا وعُدّ أمرًا محتومًا أن نصل إلى نقطة البداية من جديد، باستمرار، وأن نسلك المسار نفسه مجدّدًا. كان مفهوم النهاية مستحيلًا. عندما ظهر في نظرية الرواقيين المتضادة للكون، كانت النهاية مرادفة للبداية. من خلال توقّع النهاية الحتمية، ومن خلال الخوف والأمل الأخروي، أصبح التاريخ طريقًا أحاديّ الاتجاه يستبعد التكرار. لكنه لم يكن قادرًا على الوصول إلى أيّ من نقاط بدايته القديمة فحسب، بل لم يستطع أيضًا الوصول إلى نهاية. ونتيجة لذلك، أصبح التاريخ، الذي لم يكن ممكنًا إلّا من خلال التفكير في مفهوم "النهاية"، سائرًا بمبدأ: ‘وهكذا دواليك‘. لقد هيّأ التاريخ نهاية مبدأ ‘النهاية‘. لم يكن هناك ضمان أبديّ مثل ضمان استمرار الزمن إلى الأبد. هذا الضمان أصبح الآن مفلسًا".

أفلس إذًا ضمان عدم حدوث نهاية التاريخ، أو نهاية العالم. هذه النهاية باتت أمرًا ممكن الحدوث، بل وربما مرجّحًا حدوثها، وهذا خبر سيّئ لمهلوسي "المجيء الثاني" ومنتظري "المملكة اليهودية الجديدة"، فنهاية العالم على ما يطمئنهم المفكر والفيلسوف اليهوديّ أندرس ستكون بلا مملكة، وبلا ملك يهوديّ. وإن العالم بحسب منطق الصراع والوضع البشري ماضٍ إلى نهايته الحتمية، إلى نهاية للتاريخ غير تلك التي هذر بها فوكوياما.

* ناقد وأستاذ جامعي من لبنان.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.