}

في الذكرى الخامسة لرحيله: إلياس فركوح المهجوس بالأدب والكتابة

عمر شبانة 23 يوليه 2025

 

"ولدتُ في سنة النكبة!

خرجتُ من رحمها!" (إلياس فركوح)

 

عاش الياس فركوح حياته الممتدّة بين (1948- 2020) مهجوسًا بالثقافة والأدب والكتابة، ومنشغلًا بها في درجة تبلغ "درجة الصفر" بحسب تعبير رولان بارت، كتب القصّة القصيرة (سبع مجموعات قصصية)، والرواية (ثلاث روايات)، والدراسة والمقالة والرسائل. وإلى ذلك مارس فركوح نشاطًا سياسيًّا ونقابيًّا بارزًا في رابطة الكتّاب الأردنيّين، وكان فاعلًا في انتخاباتها. ولم يكتفِ فركوح بإنتاج الأدب والإبداع، بل انتقل ليكون ناشرًا لهما في محطّتين، الأولى عبر دار "منارات"، بالشراكة مع الشاعر طاهر رياض، والثانية في دار "أزمنة" التي حقّق من خلالها نجاحًا كبيرًا، حيث استقطب حينها، منذ بداية التسعينيات، أبرز الأصوات الإبداعية القصصية الناشئة. ولم يكن يكتفي باختيار الكتب، وتدقيقها، بل كان يقوم بإخراجها وتصميمها وصُنع أغلفتها، وهو ديدنه مع كتب الدار جميعًا تقريبًا!

كانت روايته الأخيرة هي "أرض اليمبوس"، بعد روايتين مهمّتين هما "قامات الزبد" و"أعمدة الغبار"، وكانت ثلاثتها عناوين لافتة في الإشارة إلى العالم الهشّ الذي نعيش فيه، الزبد والغبار ودلالاتهما، واليمبوس وما يعنيه من "أرض وسطى". ولكنّ إصداره الأخير الذي لم يشاهده قبل رحيله، هو مخطوط كان قد سلّمني إيّاه ليصدر في دار "العائدون"، وهو بعنوان لافت "فاكهة الرجل الأخيرة"، مختارات قصصية، وكأن العنوان يشير إلى أنه كان يودّع بفاكهته الأخيرة، وصدرت المختارات بعد رحيله بأيّام، ولم ينتبه إليها أحد!

عرفتُ فركوح منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، حين بدأتُ التردد على رابطة الكتاب، عند قبولي عضوًا فيها. كانت الرابطة مركزًا في الحياة الثقافية الأردنيّة، وكانت محلّ صراع بين القوى "الوطنية" في ساحة العمل الوطني والحزبي الأردنيّة، التي كانت في غالبيّتها تنتمي إلى اليسار العربي، الشيوعي والديمقراطي واليساريّ الفلسطينيّ، فقد ترأسها كتاب ونقّاد من أمثال عبد الرحمن ياغي وفخري قعوار، وكاد فركوح يترأسها، غير أنه دفع بصديقه ورفيقه البعثيّ والقوميّ فكرًا، ولكن اللامنتمي لجهة حزبيًّا، مؤنس الرزّاز، ابن الرمز منيف الرزّاز (حيث كنّا نعقد بعض لقاءاتنا "الانتخابيّة" في بيته أو بيت الرزاز وغيرهما أيضًا) الذي لم يكن قادرًا على حمل "العبء" فقدّم استقالته منها بعد شهور قليلة. فلم يكن أي منهما رجلَ سياسة بالمعنى العمليّ، فهما كانا يقدّمان العمل الأدبيّ على السياسيّ، بينما الساحة الثقافية محكومة بالعمل السياسيّ أوّلًأ وأخيرًا. هذه كانت سمة العمل الثقافيّ في الأردن. الرابطة المناهضة لسياسات الحكومات.

كان الياس قد أصدر بعض أعماله القصصية، وتحديدًا "الصفعة" و"طيور عمّان تحلّق منخفضة" و"إحدى وعشرون طلقة للنبيّ"، ثمّ تتالت مجموعاته: "مَن يحرث البحر؟" و"أسرار ساعة الرمل"، و"الملائكة في العراء"، وصولًا إلى "حقول الظلال". ولاحقًا، في عقد الثمانينيات أيضًا، صرت أزوره في مكتبه في دار "منارات" التي عرفنا من خلالها الكثير من الأدب المترجم، لكن ما ظلّ في ذاكرتي من منشوراتها كتاب الناقد الفلسطيني- السوري يوسف سامي اليوسف "رعشة المأساة" وهو دراسات في أدب غسان كنفاني. ولكنّ الأهمّ من عمله وانشغالاته الثقافية والأدبية هو شفافيّة شخصه ورقّته والهدوء فوق الطبيعيّ الذي يميّز سلوكه. كان هو مَن ربطني في عام 1988 بالكتابة لصحيفة "الحياة"، في ملحقها الثقافي، حين كنتُ بلا عمل آنذاك.




ثقافات ورؤى

تعدّدت البيئات التي نشأ فيها الياس فركوح وترعرع، من ولادته في قريته "زبدة فركوح" (نواحي مدينة إربد الأردنيّة)، من أصول يونانية وعربية أردنيّة، وتلقّي دراسته في مدينة القدس، في مدرسة "الفرير"، حين كانت القدس تحت الحكم الأردنيّ، ثم انتقاله إلى بيروت للدراسة الجامعيّة، وبين الأدب والفلسفة والسياسة، قريبًا من حزب البعث، من دون أن نلمس الانتماء الحزبيّ في شخصيته أو كتاباته، فهو مجرّد تقارب مع تيّار منيف الرزّاز في الحزب، فقد كان على الأغلب ذا توجّه قوميّ عروبيّ، ويقترب من الوجوديّة والماركسيّة. ومن هنا كانت علاقته الوثيقة، بل اللصيقة، مع الكاتب مؤنس الرزّاز. علاقة تجسّدت لاحقًا في عدد من الرسائل التي تلقّاها فركوح من الرزّاز، لكنّه ردّ عليها بعد غياب صاحبها (الرزّاز) بسنوات، وبنصوص نثرية غريبة، وقد صدرت لاحقًا في كتاب جدير بالاهتمام.

من هذه التعددية الفكرية، ومن قراءاته في الأدب والفلسفة، وتأثّراته بأدباء كثر، وخصوصًا بأدب المصريّ إدوار الخرّاط، والأرجنتيني بورخس، كما كان يعلن دون وجَل، تشكّلت كتابات فركوح. ولكن فركوح الذي كان حريصًا على رصد هموم الناس وآلامهم، في البيئات الشعبية، رغم انتمائه إلى طبقة ثريّة نسبيًّا، من "دخلة" مطعم هاشم، وسط عمّان، حيث كان بعض أملاك عائلته، وحتى سقف السيل والمدرّج الروماني وشارع الشابسوغ الشركسيّ الشهير، كان حريصًا في الآن ذاته، على "نحت" لغة خاصة به، فقد رصدها جميعًا بعين العاشق الناقد، كما رصد آثار حرب أيلول الأسود وما خلّفته في النفوس، والتحوّلات التي شهدتها البلاد بعد ذلك. فقد كان فلسطينيًّا بقدر أردنيّته، هو الذي عاش صِباه في القدس، وشبابه في بيروت واختلط بقوى المقاومة وتشرّب روحها، من دون الانتماء إليها سياسيًّا وعسكريًّا. لكنّ فلسطين كانت قضيته هو المولود سنة النكبة، وظلّ يربط حياته بهذه الذكرى الأليمة.

السيرة في السرد

لم يكن الياس في حاجة لكي يكتب سيرته الذاتية، فقد كتب هذه السيرة في  سرديّاته القصصية والروائية. كتب الزمان والمكان كما عاشهما منذ طفولته المبكرة. وقد لفت هذا الأمر انتباهَ بعض النقاد، فتوقّفوا عنده باهتمام وتركيز كبيرين، ولعلّ من أبرز من كتب عن هذا الجانب الناقد الدكتور محمد عبيد الله، فقد خصّ كتابات الراحل فركوح بقراءة موسّعة ومعمّقة، كان مضمونها أن أدب الياس ينطوي على سيرته، وركّز قراءته على آخر روايات فركوح وهي "أرض اليمبوس"، ولن نستغرب أن يكتب الياس العَلمانيّ هذه الرواية بعنوان من الكتاب المقدّس، عن المنطقة الثالثة ما بين الجنّة والنّار، فقد كان يُعلن مسيحيّته، الناعمة والمحبّبة، من خلال صليب ذهبيّ يعلّقه بصدره، وليس بأكثر من ذلك.

وللتمثيل بما يربط بين كتابة فركوح وحياته وواقعه، يقول عبيد الله إن "فركوح يسير في طريق مغاير لما نقرأ لدى بعض الروائيين، يتمثل في الإقرار بالصلة المباشرة بين رواياته ومرجعياتها الواقعية والسِّيرية، فيقول مثلا في عتبة تنبيهية في رواية "أعمدة الغبار" أنّ "جميع الشخصيات حضرت من أرض الواقع وبنيت من وقائعه ابتداء. لكنها ليست هي، أبدًا، في حركتها وتفاصيلها وملامحها ضمن السياق الروائي (مَن غيري يمكنه التأكيد أو النفي؟) لذا؛ أي شبه أو تماهٍ - إن وقع- فإنه من مستتبعات حالة تفاعل النص مع مرحلته بأوجه مدلولاتها". فهذا التماهي بين شخص الكاتب وشخوصه هو تماهٍ مقصود، ما يشكّل رغبة في سرد الذات والتعبير عنها".

ويتناول عبيد الله الهوية الثقافية لفركوح، بمعنى الانتماء، والهوية الأدبية التي تتمنّع إزاء سَجن الكاتب في جنس أدبي واحد... أصوله اليونانية غير البعيدة، إذ جدّه المباشر طبيب يوناني/ عثماني اسمه باسيل سيدراكودس، كان قدِم إلى دمشق ضمن إحدى وحدات الجيش التركي، تزوّج فتاة حمصية عربية كانت هي عفيفة جدّة الياس، ثم غاب عنها بعد أن خلّف لها ابنا هو جورج، والد إلياس، وابنتين هما عمّتا إلياس (أولغا، وخركليا) اللتان حملتا اسمين يشهدان بالأصل اليوناني. "لكنّ "فركوح" هي - كما يذكر النسابون- من أصل عربي غسّاني تسكن في حمص من أرض الشام وما حولها، وانتقلت بعض فروعها إلى دمشق وإربد وعمان، وما زال لها وجودها في حمص ودمشق وعكا. كما أنّ "مسيرة" الأنساب وتحولاتها، بحسب ما ذَكَرْتُ، أبعدتني بعفويةٍ وإلى حد كبير عن التباهي الذكوري واستعلائه، فها أنا أحملُ النَّسَب الأموميّ، لا الأبويّ، وكأني أشطحُ باتجاه الرؤية المنادية بالطبيعة أُمًّا أُولى ألتحقُ بها... وأفتخر...".

سبق لفركوح أن تحدّث عن روايته هذه فقال: كانت "أرض اليمبوس" هي نفسها "الأرض الحَرام" الواقعية التي طالعتني وطالعتها كلّ يوم من نوافذ مدرستي في القدس حين درستُ هناك وكانت، في الوقت نفسه، "الأرض الحَرام" المجازية التي ظلّت تلازمني بأسئلتها حتى اللحظة. فلسطين، بالنسبة لأبناء جيلي، ليست مجرد عنوان نستدلّ به على محطّة في تاريخنا. فلسطين لم تكن تاريخًا مضى نتذاكره، إنها تاريخٌ عشناه يوميًا بصيغة المضارع، والعديد العديد منّا طفق يبني مستقبله على إيقاع فلسطين كأرض فيزيقية تمكث خارج الكتب ينبغي استعادتها. ليست حلمًا وإنْ كانت تتخايل لنا في أحلامنا وطموحاتنا.  

وأعود وأنظر دائمًا في عناوين كتبه، قصصه ورواياته: "مَن يحرث البحر؟"، "قامات الزبد" و"أعمدة الغبار"... ومختاراته "فاكهة الرجل الأخيرة"، عناوين تحمل معاني ودلالات على العبث الوجودي، على نهايات الكون، على هشاشة الإنسان ومأساة وجوده. إنه القلق الذي كان يسكن روحه، رغم كل ما كان عليه من تماسك وتوازن. تماسك وتوازن وهدوء تخفي كلّها قدْرًا كبيرًا من القلق الوجوديّ والأسئلة. 

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.