}

عن النصوص التي دشّنت فلسفة الثقافة

عمر كوش عمر كوش 27 يوليه 2025
استعادات عن النصوص التي دشّنت فلسفة الثقافة
إرنست كاسيرر (Getty)
شغل مفهوم فلسفة الثقافة، الحديث نسبيًا، تفكير العديد من الفلاسفة والباحثين، واعتبر بعضهم أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الثقافة، في إشارة إلى الترابط الوثيق والتداخل الكبير بين الفلسفة والثقافة، حيث يتسع مفهوم فلسفة الثقافة للمعاني المتعددة، ويستوعب الدلالات المتغايرة، ويجمع بين الاتجاهات المتباينة والمتكاثرة في النظر إلى الثقافة. وتحولت فلسفة الثقافة إلى اتجاه فكري يهتم بالربط بين معاني الثقافة المتعددة التي راحت تنفصل شيئًا فشيئًا في عصرنا الراهن. أما خطاب فلسفة الثقافة فقد ظهر عندما قامت الثقافة بتغييب السؤال الفلسفي، فيما قامت الفلسفة بدورها بتجزئة مواضيع الثقافة كلًا على حدة، ففصلت بين الفن والتاريخ واللغة والدين وسواها.
وإن كانت الفلسفة فنًا للعيش، فإنها تعني ابتكارًا للذات وللوجود أيضًا، من حيث أن الذات تكتشف إمكانيتها الخاصة، كوجود في قلب العالم وبالقرب من الأشياء، بالنظر إلى أن الوجود الذي تنتسب إليه، يتجسد في المجال الذي تنكشف فيه كينونتها الخاصة في عالم ثقافي محيط لا تملك ممكنات الانفصال عنه. وفي ضوء الإشكاليات التي تطرحها الدراسات الثقافية، فإن الفلسفة تنتسب إلى الممارسات الثقافية، مثلها مثل أي نص آخر من النصوص الأخرى المتعددة التي تنشغل بها الدراسات الثقافية، وفق المفهوم الجديد للثقافة بوصفها مجموعة من الصفقات والعمليات والتحولات والممارسات والتقنيات والمؤسسات التي تنتج أشياء وأحداثًا، يتم اكتشافها ومعايشتها وإعطاؤها معنى وقيمة بطرق مختلفة ضمن شبكة الاختلافات والتحولات غير المنتظمة التي برزت منها.
ويرى كل من ماتيو آمات وكارول مينييه في كتابهما المشترك "فلسفة الثقافة: دراسة في أشكال الحياة والقيم والرموز" (ترجمة قاسم حداد، دار نينوى، دمشق، 2024) أن كلمة ثقافة في فلسفة الثقافة تحيل إلى البحث في الموضوعات الممكنة، وتعادل الممارسة الفلسفية نفسها، حيث القضية الأساسية لفلسفة الثقافة هي إظهار التناقض بين الأشكال التي تتخذها الموضوعية، وجعل الشيء موضوعيًا، أي مجسدًا في العصر الحديث. وعليه، تتسم فلسفة الثقافة بنوع من أولوية الموضوع الذي تخضعه إلى مساءلة نقدية، أي أنها تساءل الدلالة والقيمة من منظور أخلاقي، وذلك في سياق سعي فلسفة الثقافة بأشكالها المختلفة إلى تحيين نقدي للفكرة الكلاسيكية المتعلقة بالثقافة التي يُنظر إليها بوصفها تثقيفًا ذاتيًا وعملية فردنة. وهي بذلك تفتح باب التفكير على التعليم، وتوسع اضطلاعها لوظيفة توجيه الآفاق وتحديدها في المجتمعات، التي بلغت درجة عالية من الموضوعية والتمايز.

موريتز لازاروس (1824-1903) (Getty)

ينظر المؤلفان إلى فلسفة الثقافة بوصفها طريقة خاصة لتحويل أشكال الحياة ودنيا البشر إلى قضايا إشكالية، وبالتالي فإن كلمة ثقافة بالنسبة إليهما تحيل إلى البحث في أي موضوع ممكن أكثر مما تحيل إلى مجال الموضوعات، لذلك تُفهم باعتبارها ممارسة فلسفية، تختلف اتجاهاتها وأساليبها من حيث أنماط الموضوعات التي تخضعها للمساءلة النقدية بسبب تراثها الرمزي وغموضها. وسبق لكثير من الفلاسفة والمفكرين تناول علاقة الفلسفة بالحضارة وممكنات التمييز بينهما، ومن بينهم لانغبين، وشبنغلر، وفيتغنشتاين (فيلسوف الثقافة)، وقام بتفكيكها دوركهايم، وقدم كل من فاليري، ودريدا، نقدًا واسعًا للثقافة. وجرى التمييز بين ثلاثة معانٍ لكلمة الثقافة، أولها كلاسيكي (الثقافة الفردية)، وثانيها أنطولوجي (الثقافة الموضوعية)، وثالثها سوسيولوجي (أسلوب الحياة الحديثة). ودارت كلها حول أن "الإنسان بالمعنى الدقيق هو موضوع الثقافة الحقيقي، لأنه الكائن الوحيد المعروف الذي أُوكلت إليه متطلبات الإنجاز الفوري". وتناول كاسيرر فلسفة الأشكال الرمزية، حيث لا يمكن للأشكال الرمزية أن تستمر إلا عبر "ركيزة محسوسة"، ثم تطرق بليسنر وبلومنبرغ إلى الأنثروبولوجيا الفلسفية وعلم الاستعارة، فيما تناول سيموندون فلسفة الثقافة التقنية.




يجري المؤلفان مراجعة نقدية للنصوص التأسيسية التي دشنت مشروع فلسفة الثقافة في ألمانيا في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، تلك التي وضعها موريتز لازاروس كامتداد لمشروع هيربارت الذي حاول إضفاء شكل المعرفة العلمية على مفهوم "روح الشعب". ثم تناول غيورغ سيمل تعدد معاني فكرة الثقافة من خلال تبيان التشابه في وحدتها. أما ديوي فقدم تصورًا لفلسفة الثقافة من خلال فلسفته للتعليم. ويظهر التناول النقدي أن فلسفة الثقافة هي تصور محايث للعالم، لأنها من حيث جوهرها توضح ما يعيشه البشر بوصفه عملًا ينجزونه. كما تعتبر فلسفة الثقافة أن جميع التشكيلات الثقافية من علم، وترتيب للحياة، والتنظيم الفني هي جزء محدد من الناحية العقلية، وخيار، وإعادة تنظيم، يتم إنجازها انطلاقًا من الحساسية غير المتناهية نفسها، حيث تشكل كلها، من هذه الناحية، نوعًا من الظاهرة التي لا تكمن في هذا الخيار وهذا التركيب لا يظهر إلا من أجل وعي عقلاني أنتج "موضوعه" على هذا النحو. ويبقى الرابط النهائي بين هذه الظواهر عصيًا على الفهم، حيث يتجسد الرابط النهائي في الكل الذي تكونه العوالم العقلية للمعرفة في التشكيلات الجزئية الخاصة، من تنظيم الحياة، والإبداع الفني، ما يمكن للنشاط الإنساني بلوغه.
بالانتقال إلى النصوص التي كُتبت بين نهاية سنوات 1920 ونهاية سنوات 1950، يبرز كتاب كاسيرر "فلسفة الأشكال الرمزية"، بوصفه خلاصة واسعة وتصنيفًا جديدًا، أدخل فيه عناصر من أفكار سيمل، وعزز التعاون بين علوم الثقافة وعلم الأجناس ليصنع حالة عظيمة من تنوع الثقافات من دون التخلي عن المفهوم المتعالي، وحدد فيه المقولات الأساسية لفلسفة الثقافة بالمقارنة مع بعض الاتجاهات الفلسفية المعاصرة مثل ميتافيزيقا الحياة عند بيرغسون، وفلسفة الحياة والأشكال لدى سيمل، والأنطولوجيا الأساسية عند هيدغر، والأنثروبولوجيا الفلسفية حسبما تناولها بليسنر. وأكد كاسيرر على رمزية العالم الإنساني خلال تناوله للثقافة، انطلاقًا من الرموز التي ينتجها الإنسان باعتبارها أساس وجوده ومفتاح فهمه، فبدونها لا يمكن تجاوز الحياة الغريزية.

جورج زيمل (Getty)


وجادل ماكس هوركهايمر بوجود طريقة حديثة في التفكير تفترض إنسانًا لا يتصرف بطريقة عقلانية، إلا إذا كانت غايته النهائية تحقيق رفاهيته ورفاهية الآخرين. وهذا ما يستحقه الناس على الدوام بوصفهم غايات نهائية، وأي طرح مختلف الغايات يُعد خرافيًا. لكن هذه الفلسفة الإنسانية (الخيرية) لا تعرف شيئًا عن أن الناس يصبحون قواقع فارغة إذا لم يكونوا قادرين على الغوص في الشيء، من أجل أن يتمكنوا من استيعاب المضمون والجوهر، ويلتقون ببعضهم بوصفهم بشرًا.
وقد استكمل هانز بلومنبرغ أفكار كاسيرر، محاولًا تأصيلها حول الرمزي، لكنه أخذ عليه، من منظور أنثروبولوجي مستوحى من بليسنر، أنه لم يرَ أن الإنسان ناقص بيولوجيًا في المقام الأول. وإن كانت فلسفة الثقافة هي فلسفة الأشكال الرمزية، فهي لا تعود كذلك حينما تتخذ شكل الفلسفة المتعالية، فالثقافة ليست شكلًا أو قيمة بالمعنى المثالي، بل انعطافًا خاصًا بشكل معين من الحياة.
أخيرًا، يعتبر المؤلفان أن هربرت شنادلباخ المفكر الأكثر التزامًا بمشروع كانط النقدي. وتبدو فلسفة الثقافة، التي يدعو إليها، حركة ملازمة للثقافة الحديثة، ورأى أن الثقافة والنقد ثنائيان لا ينفصلان، لكن المفترض أن يتم تحديد الشكل الذي ينبغي أن يتخذه نقد الثقافة في عصرنا الراهن، كي يرتقي إلى مصاف فلسفة نقدية للثقافة، التي من المفترض بها وضع مفهوم خصبٍ للثقافة من الناحية العلمية، ولا يمكن لفلسفة الثقافة بلوغ هدفها إلا إذا تصوّرت نفسها عنصرًا لوعي الذات النقدي للثقافة التي تنتمي إليها. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يقود من النقد الثقافي إلى مفهوم نقدي للثقافة. ومن ثم، فإن على الثقافة أن تجعل من العلاقة بين الثقافة ونقد الثقافة شيئها نفسه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.