ثمّة موضة أو باللفظ الحديث "ترند" في عالم الكتابة الروائية والمتمثلة في كتابة السيرة الذاتية حيث استسهل الجميع هذا الشكل الفني في الكتابة الذاتية التي باتت أقرب إلى استعراض بطولات شخصية أو محاولات لتلميع صورة ذاتية، ويجيء كتاب "الأيام" لطه حسين مختلفًا تمامًا. إنه ليس سردًا لحياة كاتب فذّ فحسب، بل نافذة مشرعة على روح إنسان تحدّى قدَره، وصاغ من العتمة نورًا، ومن العجز قدرة على الخلق. وحين تقرأه، لا تقرأ سيرة ذاتية بقدر ما تدخل في عمق تجربة وجودية كاملة، تتقاطع فيها الطفولة بالمعرفة، والحرمان بالطموح، والريف بالأزهر، ثم أخيرًا باريس، بكل ما فيها من دهشة وحداثة وحرية. في هذا الكتاب، لا يُخبرك طه حسين كيف عاش، بل يجعلك تعيش معه، خطوة بخطوة، وهمسةً وهمسةً، في درب طويل بدأ بالعمى وانتهى بالبصيرة.
منذ الصفحات الأولى، يأخذك النص في يدك كأب حنون أو كصديق متأمل، ويدخلك عالم الريف المصري لا بوصفه مكانًا، بل ككيمياء شعورية كاملة: بيت طيني تغمره رائحة الطين والمطر، أصوات النعال على أرض الغرفة، همسات النساء في حضرة الموت، صياح الأطفال في الأعياد، والماء المنساب في الترع، كل ذلك يُنقل إليك لا بحواسك المعتادة، بل عبر حواس طفلٍ كفيفٍ كان يتلمّس العالم من حوله عبر السمع والشم والتخيل. لا يخبرك "كنت ضريرًا"، بل يجعلك تحسّ ماذا يعني أن تسير في الظلام باطمئنان، لأنّ الأصوات هي دليل الطريق، والروائح هي إشارات الفهم، والخرافات الشعبية هي أولى أدوات تفسير الوجود. تلك الطفولة، على ما فيها من فقر وقسوة، لم تكن مجرّد مرحلة، بل كانت المعمل الأول الذي صُهرت فيه الشخصية، وتكوّنت فيه إرادة لا تُقهر.
لكن "الأيام" لا تتوقف عند حدود الحنين، ولا تقع في فخ التجميل الرومانسي للماضي، بل تمضي لتكشف صدمة الانتقال إلى المدينة، وتحديدًا إلى الأزهر، حيث يصطدم الحلم بالواقع، ويكتشف الفتى المتعطش للمعرفة أن هذا الصرح الديني الكبير الذي جاءه طلبًا للنور، إنما يخفي خلف جدرانه ظلالًا كثيفة من الجمود، والتقليد، والتلقين الفارغ من المعنى. هنا، يولد أول تمرّد. ليس تمرّدًا صاخبًا أو عشوائيًا، بل إنه تمرّد ناضج، يتكوّن ببطء في الأعماق، ويتمظهر في أسئلة تُطرَح بحذر، وفي صمت ممتلئ بالرفض. في هذا الجزء، لا يكتفي طه حسين بتسجيل خيبته من نظام التعليم، بل يفتح عبر تجربته الفردية نافذة نقد واسعة تطاول بنية التعليم التقليدي، وتفكك العلاقة بين الطالب والشيخ، بين الرغبة في الفهم والخضوع للسلطة المعرفية. كان ذلك الرفض المبكر هو البذرة الأولى لمشروعه الفكري الذي سيزعزع لاحقًا كثيرًا من المسلمات.
وحين ينتقل طه حسين إلى باريس، ينتقل معه النص كله إلى فضاء جديد، ينفتح على الحداثة بكل تناقضاتها، على الحرية الفكرية بكل ما فيها من تحديات. هناك، لم يكن الشاب المصري مجرد طالب يتلقى العلم، بل كان عقلًا يتشكل، ووجدانًا يعيد بناء نفسه من جديد. ديكارت، وراسين، وفولتير، والجامعات، والمحاضرات، والمقاهي، والحوارات، كلها أدوات جديدة في معمل الفكر الذي انفتح له على مصراعيه. في باريس، لم يعش طه حسين النفي، بل عاش ولادة جديدة، فيها التصالح مع الذات، والانفتاح على العالم، وإعادة تأويل للتراث لا على قاعدة الرفض أو الانبهار، بل على قاعدة الفهم والتجاوز. لقد خرج من الأزهر مكبلًا بالتكرار، ودخل باريس باحثًا عن الشك المعرفي، ليخرج منها حاملًا مشروعًا للتنوير.
هذا التحوّل من طفل قروي ضرير إلى رائد في الفكر العربي الحديث، لم يكن مجرد مسار فردي، بل كان تجسيدًا لمسار أمة تتلمّس طريقها من الظلام إلى النور. كتاب "الأيام" إذًا ليس فقط حكاية حياة، بل مرآة قرن بأكمله، مرآة للتحولات العميقة التي عصفت بالوعي العربي، وللمعارك المستمرة بين الماضي والمستقبل، بين سلطة التقليد وجرأة السؤال. إنها شهادة أدبية وفكرية على أن المعرفة ليست رفاهية، بل مقاومة، وأن الفكر حين يُصاغ من التجربة، يكون أصدق من كل النظريات الجاهزة.
أما لغة الكتاب، فهي في حد ذاتها معجزة سردية. لا تبهرك بفخامة الألفاظ، بل تنساب بسلاسة كأنها من ماء، تتحدث إليك لا من علٍ، بل من قلب قريب. الجمل ليست معقدة، لكنها تفيض بالمعنى. والوصف ليس متكلفًا، لكنه يُحيلك إلى عالم داخلي غني بالأحاسيس. وهناك شيء نادر فيه، هو تلك السخرية الحزينة التي تطلّ من بين السطور: سخرية لا تتهكم، بل تبتسم بأسى، وتجعلك تضحك أحيانًا من المأساة، من دون أن تنسى جديّتها. لا يوجد في "الأيام" أي ميل إلى تجميل الصورة، بل رغبة نزيهة في قول الحقيقة، بكل توترها وارتباكها وألمها. حين يتحدث طه حسين عن لحظات خيبته أو غروره أو حتى ضعفه، لا يتوارى خلف بطولات زائفة، بل يقدّم ذاته كما هي، عارية من الزيف، مليئة بالأسئلة، ومشحونة بالرغبة في الفهم.
وإذا كانت السيرة الذاتية في الغالب مرآة مصقولة تخدم الأنا، فإن طه حسين حوّل "الأيام" إلى مرآة نادرة ترى فيها وجوه الآخرين، وتلمح نفسك أيضًا. فحين يتحدث عن القهر التعليمي في الأزهر، تستدعي صورتك في فصولك الدراسية. حين يسرد تهميشه في باريس، تفكر في تغريب الكفاءات اليوم. حين يصف الفقر والخرافة في الريف، تجد أن شيئًا كثيرًا لم يتغير. كل ذلك يجعل "الأيام" كتابًا يتجاوز الزمن، يكتب عن الماضي، لكنه يفضح الحاضر، ويوجه أسئلة إلى المستقبل. الأسئلة الأهم ربما: إلى أي مدى تقدّمنا؟ هل ما نزال نُعاقب من يجرؤ على السؤال؟ هل نملك الشجاعة لننظر في مرآة الذات كما فعل طه حسين؟
ورغم كل ما سبق، فإن هذا الكتاب ليس نصًا يُقرأ بعين العقل فقط، بل هو كتاب يُعاش بالقلب. إنه صوت الإنسان الذي قاوم قدره، ولم يستسلم لما فرضته عليه الحياة. رجل لم يرَ بعينيه، لكنه رأى أكثر من كثيرين أبصروا. رجل لم تمنعه إعاقته من أن يحفر اسمه في ذاكرة الفكر العربي. لا لأنّه فقط تحدى الصعوبات، بل لأنّه حول تلك الصعوبات إلى أدوات لخلق الجمال والمعرفة. وفيه لا نقرأ عن انتصار شخصي، بل نقرأ عن الإيمان العميق بقيمة السؤال، بقدرة الإنسان على إعادة صياغة مصيره، على صناعة النور من عمق الظلمة.
إن قراءة هذا الكتاب اليوم ليست رفاهية ثقافية، بل ضرورة معرفية. في زمن تغمرنا فيه الضوضاء، ويضيع فيه المعنى تحت ركام التكرار، يمنحك هذا النص لحظة صدق نادرة، ويدعوك لتأمل الذات لا كضحية، بل كفاعل، ككائن قادر على تجاوز شروطه الأولية وصناعة رؤيته الخاصة. هو كتاب لمن فقد شيئًا وأراد أن يتشبث بالباقي، لمن عاش على هامش الحياة لكنه قرر أن يصير مركزها، لمن أدرك أن التنوير ليس ضوءًا خارجيًا يُمنح، بل شعلة داخلية تشتعل كلما قرّر الإنسان أن يرى.
طه حسين في كتابه لا يدّعي البطولة، لكنه يعلّمك أن البطولة الحقيقية تكمن في البقاء واقفًا، في الإصرار على الرؤية حين يُطفأ النور، في صناعة المعنى من الألم، في تحويل الهزيمة إلى وعي، والتجربة إلى فكر، والوجدان إلى أدب خالد. لهذا، لا ينبغي أن تقرأ "الأيام" لتعرف طه حسين فقط، بل لتتعرّف على ذلك الجزء العميق من ذاتك الذي يبحث عن النور، ويؤمن بأن الكلمة حين تُكتب بصدق، تصبح شعلة تهتدي بها أجيال، فهو ليست فقط كتاب سيرة، بل مرآة إنسانية، ودرس في الحرية، شهادة فكر، وأناشيد وجدان، وأول الطريق نحو معرفة الذات، ولذا استلزمت استعادته هنا.


تحميل المقال التالي...