في عام 2004، صدر ألبوم موسيقي بعنوان "أغاني جويس" (JoyceSongs) عن أعمال الكاتب الأيرلندي جيمس جويس (1882 – 1941). يحتوي هذا الألبوم على خمس عشرة أغنية ذُكرت في روايات هذا الكاتب، الذي قدّم عام 1922 ما وُصف بالتحفة الأدبية للقرن العشرين، أعني رواية "يوليسيس"، التي جاء عنوانها بالعربية أيضًا "عوليس"، كما تُرجمت أيضًا إلى "أوليسيس".
تنادي كل أغنية من الألبوم العتيد مشهدًا من الرواية، أو حدثًا، أو لحظة فارقة لإحدى شخصياتها. ويذهب بي الخيال الآن إلى من يُعِدّ، أو تُعِدّ، ألبومًا يضمّ الأغنيات التي كان لها حضور أو فعلٌ ما في روايات نجيب محفوظ، وهي كثيرة وفيرة، ولم تكن نافلةً فحسب، بل كانت عنصرًا أساسيًا في بناء جوٍّ معيّن أو شخصية محدّدة. وهنا أشير إلى الكتاب المهم "الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ" لعلي قطب، وهناك غيره من الدراسات والمقالات المتعددة حول هذا الموضوع. ولكن، ماذا لو أن أحدهم أنجز لروايات نجيب محفوظ ما يشبه ذلك الألبوم المرتبط بروايات جيمس جويس؟
بهذا "المفتاح"، أفتتح الحديث عن كتاب "الرواية العربية والفنون"، وهو الكتاب الذي حرّره الناقد العراقي الراحل نجم عبد الله كاظم (1951 – 2020)، وضمّ خمسة أبحاث محكّمة، أولها بحث "حوارية الفنون بين سردية الرواية ودرامية المسرح" للجزائري عبد الحق بلعابد. أما البحث الثالث، فهو للمصرية أماني فؤاد، تحت عنوان "الرواية العربية وفن المعمار"، بينما جاء البحث الرابع للعراقية فاطمة بدر، بعنوان "الرواية العربية والسينما وتأثيرات ما بعد الحداثة". وقد تناول المغربي الكبير الداديسي في البحث الخامس موضوع "تمثّلات التشكيل في الرواية العربية المعاصرة". ويبقى البحث الثاني لكاتب هذه السطور، بعنوان "موسيقية البناء والشخصية في الرواية العربية".
وكما جاء في تصدير الكتاب لخالد عبد الرحيم السيد، أو في تقديم المحرّر، فإن هذا العمل الجماعي يعبّر عمّا للرواية العربية الحديثة من "قدرة فائقة على استيعاب جميع العلوم والفنون والمعارف، مما أكسبها ثراءً، وقوةً، وحراكًا لم تكن تحظى به من قبل، وذلك من خلال مظاهر التداخل والتفاعل بين الفن الروائي والفنون الأخرى".
هو ذا "أبو الفنون"، أي المسرح، يتجلى ابتداءً بالحوار الروائي الذي يتغيّا الحوار المسرحي. وقد فصّل عبد الحق بلعابد القول في التناصّ الدرامي في السردي، وبالعكس، السردي في الدرامي. كما استقصى حدود مسرحة الرواية، وطاف بروايات لأحلام مستغانمي، وإبراهيم نصر الله، قبل أن يجعل محوره رواية واسيني الأعرج "مملكة الفراشة" التي جرت مسرحتها عام 2017 تحت عنوان "الحرب الصامتة". وكانت رواية الأعرج "أنثى السراب" قد مُسرحت قبل ذلك. ويتوقف بلعابد مليًا، بطبيعة الحال، عند الرواية- المسرحية، أو "المسراوية"، "النجوم تحاكم القمر" لحنا مينه، وعند ريادة توفيق الحكيم في هذه "اللعبة".
تذهب أماني فؤاد بعيدًا في مسار آخر، فتتحدث عن الآفاق الفنية التي ترتادها الرواية العربية "ما بعد الحداثية"، تعبيرًا عن المتغيرات التي تشهدها المجتمعات العربية، فتستعير من الفنون الأخرى بعض تقنياتها. وبعد حديثها عن "الاستعارة"، تتناول أماني فؤاد موضوع "استيعاب" الرواية ما بعد الحداثية لأنواع الفنون المختلفة في رحم دائم التلاقح والمخاض. وفي ما يخص عوالم فن المعمار وعلومه، تشير إلى روايات "الجبل" لفتحي غانم، و"الفتى المتيم والمعلم" لإليف شافاق التركية، و"عمتي زهاوي" لخضير فليح حسن، و"العرّافة" لأحمد علي الزين. وتُسجَّل الريادة هنا لفتحي غانم، في رسمه علاقة المعمار بالبشر، وما يتصل بذلك من العلاقة مع الحكومات أيضًا، عبر القرية النموذجية التي صممها المهندس بدعوى تطوير حياة أهل الجبل، وهو ما كان له تأثير مدمّر بانفصال العمران عن ثقافة المجتمع واحتياجاته. وبهذا، يتحقّق ما تسميه أماني فؤاد "انصهار فن المعمار" في السرد الروائي.
أما رواية "عمتي زهاوي"، فتتألق في شخصية العمة زها حديد، المعمارية المبدعة العراقية ذائعة الصيت (1950 – 2016)، التي لُقّبت بملكة المنحنيات، وصمّمت عمارة الأحلام في أكثر من مائة موقع ومدينة حول العالم.
وعند الوصول مع فاطمة بدر إلى العلاقة بين السينما والرواية، تبدأ الناقدة من مفهوم السينما وما بعد الحداثة، ومن كون الرواية أداة السينما الأولى، ومن استعارة الرواية لفن المونتاج السينمائي. وفي حديثها عن "الكاتب المخرج" و"المخرج الكاتب"، تذكر عتيق رحيمي الأفغاني، وعبد الله طايع المغربي، وكان الأولى أن تتناول أيضًا تجربة الروائي والمخرج السوري محمد ملص، والمخرج المصري رأفت الميهي.
ترهن فاطمة بدر أغلب بحثها إلى روايات "الفيل الأزرق" لأحمد مراد، و"عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، و"الخبز الحافي" لمحمد شكري، و"الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد، إضافة إلى الأفلام المقتبسة عنها. أما الكبير الداديسي، فقد استقصى التمثيلات الروائية للفن التشكيلي في ثلاثين رواية، وهذا وحده، بغض النظر عن الروايات الأخرى غير المحلّلة، دليل على ما بلغه التفاعل بين الرواية العربية والفن التشكيلي. ويرى الداديسي أن السؤال هنا هو عن علاقة السردي بالبصري، وهو ما يذهب إلى "تحطيم الحدود بين أنواع الفنون في زمن عولمة الإبداع، وجعل الإبداع وحدة للتنوّع". ويخلص إلى أن انفتاح الرواية العربية على الفنون التشكيلية هو سعي نحو عولمة الرواية العربية، وإخراجها من الحدود القومية الضيقة، للانفتاح على الآفاق الإبداعية الإنسانية الرحبة، وإدخالها إلى "الجمهورية العالمية للآداب"، مستعيرًا من باسكال كازانوفا عنوان كتابها الشهير. وربما في هذا شيء من المبالغة، إذ صار في القول بالعولمة ما صار.
وبقدر ما يحق للمرء أن يتحدث عن عمله، أعود إلى بحث "موسيقية البناء والشخصية في الرواية العربية"، وهو مساهمتي في الكتاب الجماعي، التي لم تتوقف عند ما قد يرد في الرواية من أغنية أو موسيقى، بل تناولت الفعل الموسيقي في البناء الروائي. كما في ريادة نجيب محفوظ في رواية "ميرامار"، وغائب طعمة فرمان في رواية "خمسة أصوات"، حيث تمثّل النَّسَب الموسيقي نقلة حداثية في البوليفونية وتعدّد الأصوات، بما يعنيه من تنوّع السرّاد، وتعدّد وجهات النظر، والرؤى، وكذلك حضور الإيقاع كعنصر محرّك للفعل، وضابط للزمن والحركة. ويعني ذلك، لدى بعض الكتّاب، "موسقة اللغة"، كما في روايات إدوار الخراط، وبديع حقي الذي تأثّر بألدوس هكسلي وروايته "طِباق"، التي صدرت عام 1928، فكانت رائدة في استخدام الموسيقى في البناء الروائي، كما كانت ريادة دوستويفسكي قبل ذلك في البوليفونية.
أما الروايات التي قمتُ بتحليلها، فهي: "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا، حيث رصد الروائي والموسيقي العراقي أسعد محمد علي (1940 – 2000) في الأخيرة شكل "المتواليات الموسيقية" و"التنويعات". وبعد جبرا، انتقلتُ إلى إدوار الخراط في روايته "رامة والتين" (1980)، التي وجد فيها أسعد محمد علي ما سماه "اللحن الدوّار"، الذي قد يكون في صيغة إيقاع معيّن أو نبرة محددة. فكيف إذا كانت شخصية "رامة" هي اللحن، والنبرة، واللازمة، والبؤرة؟
ومع جمال الغيطاني في رواية "خلسات الكرى"، وواسيني الأعرج في رواياته "سيدة المقام: مرثيات اليوم الحزين"، و"كريما توريوم: سوناتا لأشباح القدس"، و"البيت الأندلسي"، ومع ربعي المدهون في رواية "مصائر: كونشرتو الهولوكست والنكبة"، وأحمد القرملاوي في "أمطار صيفية"، وحنا مينه في "مأساة ديمترو"، وأسعد محمد علي في "الضفة الثالثة"، وهاني الراهب في "خضراء كالبحار"، ولطيفة الدليمي في "حديقة الحياة" و"عشاق وفونوغراف وأزمنة"، ورشيد الضعيف في "معبد ينجح في بغداد"، وإبراهيم عبد المجيد في "أداجيو"، ومحمود عبد الغني في "معجم طنجة"، وعلي بدر في "عازف الغيوم"، وفواز حداد في "مرسال الغرام"، أقول: مع هذا الغمر الروائي، تابعت العلاقة الرهيفة والمعقّدة بين الرواية والموسيقى. وفيما تابعت، وما تابعه الآخرون في الكتاب الجماعي، إشارات ونداءات إلى ألبومات غنائية وموسيقية، تلوّح لألبوم الأغاني في روايات جيمس جويس.


تحميل المقال التالي...