وهم بهذا يختلفون جذريًّا عن المعرضين للإبادة في الأنظمة الديمقراطية، الذين يصفهم زيغمونت باومن بالفائضين عن الحاجة، أي الفقراء والمعدمين، ويمكننا أن نضيف العجائز والشيوخ إلى هذه الفئات، الذين إذا اختفوا عن وجه الأرض سيتحسن الاقتصاد وتزدهر الأعمال، وتتحقق الوفرة.
والحال الديمقراطية ليست أقل عنفًا في سعيها لإصلاح أعطالها من الأيديولوجيات، لكنها لا تقتل، بل تنبذ وتهمل، وتخرج البعض من الصورة، وتصدّر آخرين، يدّعون أنهم يمثلون المستقبل المشرق للناس، والذين يجدر بكل الناس تقليدهم حتى يتمكنوا من نيل ما يتمنون ويريدون.
هكذا يمكننا ملاحظة أن الدعاية التي رافقت انتشار التلفزيون حفلت بادعاءات تقول إنه سيؤدي إلى موت الصحافة المكتوبة. وأن الدعاية التي رافقت انتشار شبكة الإنترنت حفلت بدعاوى من القبيل نفسه، لكنها أضافت إليها ادعاءً أنها ستؤدي إلى موت التلفزيون. لكن هذا لم يحصل تمامًا، كما هو معروف. ونشأت من كل انتشار لوسائل وتقنيات جديدة، مشكلات عصية على الحل، تنطحت الوسائل القديمة لمحاولة حلها.
في المثال الآنف ذكره ثمة ما هو مشترك ويتعلق بالوسائل التي طورتها المجتمعات والعلوم للتواصل، وتاليًا وبصفة أكثر تخصيصًا، كانت مادة كل هذه الوسائل المفرطة في ادعاءاتها هي اللغة نفسها. اللغة التي لا شك بضرورتها للبشر، ولا مناص من تطويرها كل حين، حتى يتمكن البشر من فهم ما يحصل والثورة على بعض جوانبه. وهناك مسارات أخرى طاولت نشاطات بشرية أخرى، طاولها التطور التقني وأدت إلى تغيرات جوهرية في بعض نشاطاتنا التي نمتاز بها كبشر حصرًا، كالطبخ والغسيل والنوم على أسرة، والتطبيب والمعالجة والسعي لتكييف هوائنا وتعليب موادنا وتخزينها. حتى أجسامنا لم تنج من التعليب والتخزين، وباتت غير قادرة على مواجهة غوائل الطبيعة في صيغتها الحالية من دون امتلاكنا أدوات تعينها على الصمود في العراء.
إنما لنبق في مجال الكلام واللغة. وبالعودة إلى تورين وفكرته عن الديمقراطية المخطئة دومًا والتي تقدم حلولًا لأخطائها سرعان ما نكتشف أنها أيضًا أخطاء جديدة. يبدو البشر، في الديمقراطيات، لا يرون هذه الصفة ولا يعملون وفق هديها. الشركات الكبرى تصنع منتجات، وتعلن عنها بوصفها المنتج الأقرب إلى الكمال، والذي يزيل أصعب البقع والأوساخ، إذا كان المنتج مسحوق غسيل. أو أنه ينهي مشكلة انقطاع التواصل إذا كان المنتج هاتفًا ذكيًّا أو تطبيقًا جديدًا. لكن ما تعلنه الشركات دائمًا يدّعي أن المنتج المقبل، الجيل الذي يلي، هو الذي سيكون كاملًا، وليس الجيل الحالي. وهي بهذا المعنى تبيعنا الوعد بالكمال، ولا تبيعنا المنتج الكامل. لكن هذا النقص الفادح في كمال السلع والحلول التي تقترحها الديمقراطيات والشركات والجيوش والمصارف، لا يمنعها من إلزام الجميع بالتعامل مع هذه المنتجات الجديدة، تحت طائلة السجن في حالة مخالفة القوانين الجديدة، أو التخلف في حالة الآلات المبتكرة. ولا يمنع البشر من الظن أن امتلاكهم لهذه التقنيات والتزامهم بهذه القوانين سيؤدي بهم إلى السعادة التي يجرون لاهثين خلفها منذ ولادة البشرية. والحق أن بيت القصيد يقع هنا بالضبط. نحن كبشر نستعجل كثيرًا في افتراض أن السعادة ممكنة، ولا يفصلنا عنها سوى الآلة التي سيتم اختراعها غدًا. وفي وعدنا لأنفسنا هذا، نخوض حروبًا ومنافسات شرسة، وننفق أموالًا لدعم وهمنا في أسهم الشركات التي نثق بقدرتها على تحقيق حلمنا بالسعادة والدعة. والنتيجة: أعداد هائلة من المطرودين من هذه الجنة الموعودة، فقط لأنهم تخلفوا عن حيازة ما تم اختراعه وابتكاره، وأعداد أخرى هائلة من الضحايا الذين يقعون في حروب أهلية يدّعي قادتها ومقدموها أنها ضرورية لنقل الطائفة أو الفئة أو الشعب من حال سيئة إلى حال لا يمكن أن تكون سيئة في يوم من الأيام.
النظام الديمقراطي عاقل ومتواضع. لكننا نحن البشر لم نتخلص من رغبتنا في أن نكون مؤمنين. وحين تقع أعمال الديمقراطية على مؤمنين (بتحقق السعادة، والسمو الروحي، والطمأنينة الخالصة) فإنها لا تنتج سوى إبادات متتابعة لا يمكننا أن نتحمل نتائجها.
هل ثمة ما يمكن فعله لعكس هذا المسار؟ الأرجح أننا يجب أن نقلع عن وهم تحقيق السعادة وندرك أن الحياة ليست أكثر من معاناة لتحقيق مكاسب صغيرة وآنية، وأن السعادة الحقة لا يمكن أن تدوم أكثر من دوام سعادة الذئب التي يقع زمنها بين انتهائه من وجبته وعودة الشعور بالجوع إلى نهش أحشائه مرة أخرى.


تحميل المقال التالي...