من الأعمال السردية العالمية التي استندت إلى كتاب "ألف ليلة وليلة"، على سبيل التناص حدّ التطابق، بالاحتكام إلى الليلة الثلاثمئة والواحدة والخمسين (351)، قصة "حكاية الحالمين" للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، ورواية "الخيميائي" للكاتب البرازيلي باولو كويلّو.
حكاية الليلة 351
إن هذه الحكاية من نسخة الكتاب الأصلية، والمكونة من حوالي أحد عشر سطرًا، موسومة بـ"الرجل الذي أصبح غنيًا جراء حلمه"، تحكي عن رجل ثريّ يعيش في بغداد، يهاجمه الفقر حتى يلتهم كل ما يملك. وقبل أن يفكر بالاستجداء من الآخرين، يرى في المنام من يناديه بأن: اذهب إلى مصر، وستجد هناك كنزًا. يذهب إلى مصر، لكنه لا يجد مكانًا لإيوائه سوى المسجد الذي يقضي فيه ليلته. غير أن سوء الحظ يلاحقه بجماعة من اللصوص تعبر من المسجد إلى بيت مجاور. تطاردهم الشرطة، غير أنها لا تقبض عليهم، بل تتهم الحالم البغدادي بأنه منهم.
يأمر ضابط العسس بجلده عدة مرات، ويستفهم منه عن سبب مبيته في المسجد. فيرد عليه بأنه قدم لتوه من بغداد. يسأله الضابط: ولماذا جئت؟ يقول: لأنني حلمت أن كنزًا بانتظاري في مصر، لكن يبدو أن الكنز الذي وعدني به الحلم هو هذه السياط التي نلتها منك.
يضحك الشرطي المصري، ويقول له: يا قليل العقل، كيف تصدق ما تقوله الأحلام؟ لقد حلمت مثلك بكنز في بغداد في المحلة الفلانية والشارع الفلاني، تحت سدرة في بيت فلان، لكنني لم أكن غبيًا مثلك لأذهب. والآن خذ هذه القروش وعُد إلى بغداد. يعود الرجل البغدادي إلى بغداد، فقد كانت المحلة التي سماها الحالم المصري محلته، والبيت بيته، والاسم الذي ذكره اسمه. ومن تحت السدرة التي وصفها الحالم المصري في مصر، يستخرج الكنز الذي وعده به الحلم في بغداد.
إذًا في هذه الحكاية يظهر القدر البطل الذي يباغت الشخصيات، ويتلاعب في مصائرهم ليضحى واقعهم مرتبكًا وغير آمن. فها هو يفاجئ الغني البغدادي بتبدل حاله ليصير معوزًا فقيرًا... ويأتيه حلم منامه بسفر يعده بكنز في أرض مصر، ليوقظ فيه الأمل بتحسن حاله.
وهكذا يكون الموضوع المركزي هو تتبع الشيء اللاعقلاني- أي الرؤيا والحلم، لتنشأ من هذا التتبع للرؤيا الغرائبية اللامعقولة سلسلة من الحوادث الخارجة عن الواقع المألوف، حيث وقوع هذا البغدادي ضحية فعلة لصوص، وحبسه، واستهزاء الضابط به وبانقياده لحلمه الشخصي. ثم تأتي المفاجأة الجديدة من القدر، والتي تجعل الضابط نفسه يقص على البغدادي حلمه هو نفسه والذي لم يسر برغبته نحوه لأنه "ليس غبيًا كي يؤمن بالأحلام"... فيرجع بطلنا إلى أرضه متتبعًا مسار حلم الضابط المصري ليفوز بكنز المصري الموجود في بيته هو في بغداد.
وهكذا تتشابك أحلام الشخوص بألاعيب خفية ذكية من القدر... لتُعيد سير القصة في ختامها إلى واقع حياتي سعيد على البغدادي بمشيئة من هذه القوى العليا وهدية من سحريتها وسورياليتها.
"حكاية الحالمين" لبورخيس
من ناحية منهجية، اعتمد بورخيس حكاية "ألف ليلة وليلة" كما جاءت في النسخة الأصلية، وقد أشار في نهاية قصته إلى ذلك، حيث كتب: "من كتاب "ألف ليلة وليلة"، الليلة 351" (بورخيس، 1987، ص 15). لكن من الملاحظ أنه عندما كتب قصته، أجرى في الحكاية الأصل تغييرين اثنين طفيفين، بعد أن نشرها في كتابه القصصي: التاريخ الموجز للعار.
ولو وقفنا عند هذين التغييرين، للاحظنا أنه: أولًا- غير عنوان الحكاية الأصلي، ليجعله حكاية الحالمين. ثانيًا- في حكاية الحالمين هذه يسافر رجل بورخيس من القاهرة- مصر باتجاه أصفهان- فارس، بدلًا من سفر الرجل من بغداد- العراق إلى القاهرة- مصر في الحكاية الأصل.
وعلى هذا الاعتبار، تحكي حكاية بورخيس عن رجل ثريّ يعيش في القاهرة، يداهمه الفقر فلا يترك له إلا بيت أبيه. وقبل أن يفكر في حلول لضائقته المريعة، يرى في المنام تحت تينة حديقته من يخبره بأن ثروته في فارس بأصفهان. يصل إلى أصفهان بعد مواجهته لأخطار الصحاري والسفن والقراصنة وعبدة الأوثان، والأنهار، والسباع، والرجال. لكنه لا يجد مكانًا لإيوائه سوى المسجد الذي يقضي فيه ليلته. غير أن سوء الحظ يلاحقه بجماعة من اللصوص تعبر من المسجد إلى بيت مجاور. تطاردهم الشرطة، غير أنها لا تقبض عليهم، بل تتهم الحالم القادم من القاهرة.
يأمر ضابط العسس بضربه بهراوات الخيزران عدة مرات، ويستفهم منه عن سبب مبيته في المسجد. وبعدها، يعرف أن سبب مجيئه لفارس هو حلمه بأن كنزًا بانتظاره في أصفهان! يضحك الضابط، ويقول له: يا قليل العقل، كيف تصدق ما تقوله الأحلام؟ لقد حلمت مثلك بكنز في القاهرة في المحلة الفلانية والشارع الفلاني، تحت سدرة في بيت فلان، لكنني لم أكن غبيًا مثلك لأذهب. والآن خُذ هذه القروش وعد إلى بلدك.
يعود الرجل إلى القاهرة، فقد كانت المحلة التي سماها الحالم الأصفهاني محلته، والبيت بيته، والاسم الذي ذكره اسمه. ومن تحت السدرة التي وصفها الحالم، يستخرج الكنز.
"الخيميائي" لكويلّو
في هذه الرواية قصتان، هما: قصة بحث "سانتياغو" راعي الغنم عن الكنز بعد حلمه في الكنيسة المهجورة في إسبانيا، وهي القصة التي تستغرق الفصول الأولى والفصل الأخير.
وتتخللها القصة الثانية، وهي قصة البحث عن الذات، في رحلة البطل إلى الشرق بغية استكشاف معارفه الشرقية. في القصة الثانية هذه، تعتبر الصحراء وسيلة لاكتشاف الأنا، فـ"سانتياغو" لم يعرف حقيقته إلا حينما خاض مغامرة في أرض غريبة، هي أرض الآخر، اعتقادًا بأن الآخر يمثل تجربة لا بد من الانفتاح عليها والتعالق معها، بغية الوصول إلى المطلق الإنساني الذي هو غاية الوجود.
ولا يشعر القارئ في أثناء قراءته الرواية بوجود هاتين القصتين حتى يصل إلى الفصل الأخير. ففي هذا الفصل يتضح توازي القصتين إلى حد كبير، خصوصًا حين يكون القارئ على معرفة بالحكاية الأصلية التي تستمد قصة البحث عن الكنز وجودها منها.
ولا بد من الالتفات إلى أنه منذ مقدمة الرواية، نجد أنفسنا أمام تناص. إذ يشير كويلّو إلى أن أوسكار وايلد تصرف بأسطورة نرسيس. فبعد موت نرسيس تبكي عليه البحيرة، فتسألها ربات الغابات الأورياديات عن سبب بكائها، ويتضح أنها لم تكن تبكي جماله الذي رحل، إذ لم تلاحظ إن كان نرسيس جميلًا أصلًا، بل تجيب: "أبكي من أجل نرسيس، لأنني كنت، في كل مرة ينحني فيها على ضفافي، أرى انعكاس جمالي الخاص في عُمق عينيه" (كويلّو، 2008، ص 14).
أما الحكاية الأصل فيذكرها كويلّو باختصار، حيث الفتى الوسيم نرسيس كان يذهب كل يوم إلى إحدى البحيرات ليتأمل في مياهها جمال وجهه.
يُشير كويلّو في أسلوب مفتتحه هذا بوجود تناص سيتم تحديثه كما فعل أوسكار وايلد. وفي حقيقة الأمر؛ "الخيميائي" لم تغير من بنية الحكاية الواردة في ألف ليلة وليلة، سوى فيما يرتبط بأسماء الشخصيات والأماكن، وقد عمل كويلّو على تغذية الحكاية الأصل وتوسيعها، بإضافة الرحلة إلى المغرب ومصر، والبحث عن الذات أثناء هذه الرحلة.
ومن المهم الوقوف عند جملة تُصاحب عنوان الرواية، وهي: "رواية فلسفية"، وكأنها جاءت لتؤكد على أن الحكاية تحمل رؤى فلسفية، وكأن الكنز موضوع الحلم والرؤيا هو الحكاية نفسها، وبالتالي فإن الشخصيات تغدو أمرًا ثانويًا في الحكاية.
ففي الرواية كانت رؤيا "سانتياغو" كاذبة، مما جعلته يترك بيته في إسبانيا ثم في بغداد، ليرحل إلى مصر باحثًا عن كنز لا يجده. وكانت رؤيا الحالم المصري- زعيم اللصوص كاذبة أيضًا، حينما كذب رؤيته سلفًا وقص حلمه بالتفصيل على "سانتياغو".
من الملفت للانتباه إلى أن هاتين الرؤيتين الكاذبتين تتحولان إلى رؤيا صادقة، حينما يعود "سانتياغو" إلى إسبانيا. وهذه الرؤيا تتقاطع مع حكاية "ألف ليلة وليلة"، ففيها حلمان أيضًا كاذبان للرجل المصري والبطل البغدادي، ليصيرا حلمًا صادقًا، حينما يعود الرجل البغدادي من مصر إلى بغداد، بعد أن يقص عليه المصري حلمه.
إجمال
وهكذا فإن الكاتبين بورخيس وكويلّو تصرفا في حكاية "ألف ليلة وليلة" تناصًا واقتباسًا وإلهامًا، واحتكما إليها كخلفية ومُنطلق. مع الانتباه إلى أن بورخيس أبقى الحكاية في "ألف ليلة وليلة" كما هي في "حكاية الحالمين" مع تغييرين طفيفين لا يؤثران في بنية الحكاية الأصل، هما العنوان والمكان. ونشهد أن بنية حكاية "ألف ليلة وليلة" بقيت في "الخيميائي" كما هي أيضًا، من دون تغيير يُذكر، إلا في حدود التغييرات الأسلوبية من حيث الاستطراد بتوسع الحكاية واختلاف العنوان.
وقد ارتكزت الحكاية في الأعمال الثلاثة على قضية الرؤيا والحلم كفيصل أساسي، تُبنى عليه الأحداث وتتسق معه الشخصيات، ويكون القدر هو البطل الخفي يحمل الغرائبي واللامعقول والمدهش إلى الحكاية.


تحميل المقال التالي...