وقد افتتحت سلسلة تلك الإعدامات للشعراء الفلاحين الجدد بإعدام الشاعر الشاب ألكسي غانين الذي كان في عام 1924 أول من تحدث عن تدمير ليس روسيا الفلاحية فحسب، بل وتدمير روسيا الأرثوذكسية أيضًا. كانت الإعدامات تهدف، من بين ما تهدف، إلى اقتلاع هؤلاء من جذورهم والقضاء على أي برعم يمكنه أن يتحول إلى "يسينين ثانٍ" في روسيا. بيد أن هذا البرعم وُلد بالرغم من ذلك.
بعد ثلاثين عامًا بالضبط من هجوم بوخارين العنيف على ظاهرة "اليسينينية"، فتح نيكولاي روبتسوف البالغ من العمر عشرين عامًا، ديوانًا شعريًا ليسينين المحظور سابقًا في مسكن بحّارة الأسطول الشمالي. كان قد بدأ يقرض الشعر في ذلك الوقت. ولكن كغيره من الشعراء الشباب - في تقليد لمايكوفسكي. لم ينجح أحد تقريبًا في تجنب التأثير المايكوفسكي في الشعر، كما أن أحدًا لم ينج من ظاهرة التعاونيات في القرية. وقد أتقن روبتسوف هذه الخطوة المنتظمة.
كلاهما ملطخ:
قمرة القيادة وجرس السفينة...
كان يمكن لروبتسوف أن يتألق بـ"منمنماته الصوتية" (سبق أن كان الشاعر الروسي الكبير أ. فيت مولعًا في بداياته بمثل هذه "الابتكارات الغريبة"، كما وصفها)، وغيرها من السمات من نفس الترسانة الشعرية، التي تعلّم عن طريقها أكثر من جيل من الشعراء كيفية كتابة الشعر، من دون أن ينشأ لديهم شك في أن هذه كانت بداية النهاية. كان من الممكن أن يصبح شاعرًا مشهورًا، كنا سنعرف اسم روبتسوف، لكن روبتسوفًا آخر مختلفًا تمامًا، الذي لم يكن ليكتب أبدًا: "روسيا، روسيا، احمي نفسك، احمي!..."، لم يكن ليحقق هذه الوصية التي تشبه الصلاة في قصائده.
في عام 1962، بعد قصيدة "رؤيا على التل"، التي حددت مسار روبتسوف الخاص في الشعر، سيكتب عن يسينين:
هذه ليست ربة الإلهام من يوم أمس.
أنا معها أعشق، وأغضب، وأنتحب.
إنها تعني لي الكثير،
في حال أنني كنتُ أعني شيئًا ما!
لم يكن روبتسوف الأول والوحيد من الشعراء الذين تجاوزوا التأثير المهلك لمايكوفسكي في ستينيات القرن العشرين. إن "الشعر الغنائي الهادئ" في عصره - عبارة عن تيار كامل وكوكبة كاملة من الشعراء الذين عادوا، في جوهر الأمر، إلى مبادئ "الفن الخالص" التي واجه بها أفاناسي فِيت وأبوختين وأبولون مايكوف في ستينيات القرن التاسع عشر تلك النبرة "التعليمية" (أو كما أسموه - الإملاء الأيديولوجي) في شعر "الحنق والحزن" عند نيكراسوف وفي "مدرسة نيكراسوف". حيث راح النقاد ومقلّدو المحاكاة في ذلك الوقت يسخرون بقوة من شعر الفراشة لأتباع فِيت، ومن تقديسهم للأشياء. لقد اصطدم أتباع "الغنائية الهادئة" بنفس المصير الذي لاقاه الشعراء الهامشيون المعروفون ضمن دائرة ضيقة من قرائهم فقط.
ولكن الملحن البارز في القرن العشرين، غيورغي سفيريدوف، سوف يكتب في مذكراته في تلك الفترة: "من الممكن جدًا أن يتمتع بقيمة حقيقية كبيرة أولئك المبدعون (أي أعمالهم) الذين رفضهم الوسط المحيط، ليس بسبب "يساريتهم"، وإنما لأسباب أخرى. وعلى سبيل المثال، نيكولاي روبتسوف. إنه ليس ظاهرة عفوية في حياتنا، وليس مجرد سيرة ذاتية ومصيرًا عشوائيًا".
وسوف يواصل غيورغي سفيريدوف هذه الفكرة في تدوينة أخرى: إن "نيكولاي روبتسوف هو الصوت الهادئ لشعب عظيم، صوت خفي، وعميق وملغز"...
تعكس كلمات سفيريدوف هذه، على الأرجح، بأكبر دقة ممكنة أهم ما في شعر روبتسوف - قدسيته، ذلك المعنى الخفي والمستتر الذي يلتقي فيه العالم السفلي بالعالم العلوي.
ثمة نور في علّيتي.
وهو من نجمة الليل.
سوف تأخذ أمي دلوًا،
وستجلب الماء في صمت.
هذه التحفة الفنية لروبتسوف تُجسّد اللحظة الأكثر حميمية التي جاء لأجلها في قصيدة بوشكين "صلاة":
الآباء نسّاك والزوجات عفيفات،
لكي يحلّقوا بقلوبهم في المكان غيابيًا،
لكي يعززوه وسط العواصف والمعارك الدنيوية،
قاموا بتأليف العديد من الصلوات الإلهية...
قصيدة روبتسوف "ثمة نور في علّيتي"، مثلها مثل "الآباء نساك في الصحراء" لبوشكين و"أخرج وحدي في الطريق" لميخائيل ليرمونتوف، تنتمي إلى مثل هذه الصلوات الإلهية. ومن هنا خشوعها كما في الصلاة. قصيدة ليرمونتوف:
الليل هادئ.
الصحراء تُنصت للرب،
والنجمة تكلّم النجمة.
وعند روبتسوف:
موطني هادئ!
صفصاف، ونهر، وبلابل...
أمي دفنت هنا
في سنوات طفولتي...
روسيا يسينين قيد الرحيل؛ روسيا روبتسوف قد رحلت. وتبقى رمزًا للفردوس المفقود، ولقارة أطلانطس المندثرة، ومدينة كيتيج الروسية الغارقة:
يا للمنظر المستكين والعزيز!
هي ذي أشجار البتولا، وأكواخ على التلال!
ومعبد الرب، ينعكس في أعماقه
مثل حلم من قرون...
روبتسوف شاعر مقدس. ولا يمكن مقارنته في هذا إلا مع يسينين. وهذا، بالمناسبة، يُفسر شعبيتهما الاستثنائية، بغض النظر عن أي أسباب خارجية. لقد عجزت أيديولوجية الدولة، مع كل جبروتها الهائل، عن محو وشطب اسم يسينين من ذاكرة الشعب. كانت قادرة على فعل أي شيء آخر - حذفه من الكتب المدرسية في الأدب ومن المكتبات، تاركة اليسينينية كعلامة أيديولوجية فقط. وبنفس الطريقة، لم تنجح جميع وسائل الإعلام، على الرغم من قدراتها غير المسبوقة في خلق أو إخفاء الأسماء الأدبية، من الترويج لاسم روبتسوف.
هناك سبب واحد. وهذا ما كان يقصده غيورغي سفيريدوف عندما كتب عن الصوت الهادئ للشعب العظيم، الصوت الخفي، والعميق، والملغز. وإذ راح يتأمل رؤى موسورغسكي، التي كانت مجرد هراء وقمامة بالنسبة للكثير من معاصريه، فقد كتب سفيريدوف: "بيت بديع من شعر نيكولاي روبتسوف: "عمّا يجب أن أكتب؟ إنها ليست إرادتنا!"".
لقد شكّل رحيل روبتسوف المبكر في 19 يناير/ كانون الثاني 1971، عن 35 عامًا فقط، خسارة كبيرة للشعر في روسيا. اتهمت شاعرة مبتدئة وعشيقة للشاعر بأنها قامت بقتله عن طريق الخنق أثناء مشادة حادة بينهما (كان كلاهما تحت تأثير الكحول). كان يحبّها وكانا قد قررا تسجيل زواجهما خلال أسبوعين! وإذ بها في لحظة مليئة بالغموض تقوم بخنقه حتى الموت. أنكرت المرأة جريمتها. ولكن التحقيق حكم عليها بالسجن. ثم كشفت التحقيقات الجنائية فيما بعد أن الشاعر توفي نتيجة لإصابته باحتشاء حاد في عضلة القلب. ولا يزال موته لغزًا حتى الآن.
رؤيا على التل
سأصعد التل راكضًا وسأسقط على العشب.
وستهبّ فجأة من الوادي نسمة من العصور القديمة!
وفجأة سأرى في تلك اللحظة،
كما لو في الواقع، صورًا من الشقاق المروع.
ثمة ضوء صحراوي على الشواطئ السماوية
وأسراب من طيورك، يا روسيا،
سوف تتفوق للحظة
على حذاء باتو ذي الخدين البارزين...
وهو في الدماء واللآلئ.
روسيا، روسيا - أينما جلت بنظري...
بسبب كل آلامك ومعاركك
أحبّ عراقتك، يا روسيا،
أحبّ غاباتك ومقابرك وصلواتك،
أحب أكواخك وأزهارك،
والسماوات التي تشتعل من شدة القيظ،
وحفيف الصفصاف قرب المياه الموحلة،
أحبك إلى الأبد، حتى الراحة الأبدية...
روسيا، روسيا! احمي نفسك، احمي نفسك!
انظري، ها هم قد هجموا عليك
من جديد ومن كل جانب على غاباتك ووديانك -
التتر والمغول من عصور أخرى.
إنهم يضعون صليبًا أسود على راياتهم،
لقد ملأوا السماء بالصلبان،
ولم أعد أرى غابات من حولي،
بل أرى غابة من الصلبان على أطراف روسيا.
صلبان، صلبان...
لم أعد قادرًا أن أحتمل!
سأرفع يدي عن عيني بطريقة سريعة
وسأرى فجأة: ثم خيول مربوطة
تمضغ العشب في المرج على مهل...
سوف تصهل - وسوف يلتقط الصدى
في مكان ما قرب أشجار الحور الرجراج
ذلك الصهيل البطيء الضعيف،
ومن فوقي - نجوم روسيا الخالدة،
تومض بطريقة هادئة لا مبالية...
(1960)
وطني الهادئ
إلى ف. بيلوف
وطني الهادئ!
صفصاف، وقمر، وبلابل...
لقد دُفنت أمي هنا
في سنوات طفولتي.
ولكن، أين هو القبر؟ ألم يره أحد؟ حقل يمتد حتى حافة السماء - هكذا أجاب الأهالي بهدوء: لكل واحد تمثال - صليب.
أجاب الأهالي بهدوء:
مرّ الموكب بهدوء.
لقد اعشوشبت قبة الدير
بالعشب الزاهي...
وجوه العجائز بلون التراب،
تشبه تربة القبر،
وهي أيضًا مغطاة بنوع من
العشب الرمادي القاتم.
هناك، حيث سبحت بحثًا عن السمك،
يجرفون التبن إلى مخزن التبن:
لقد حفر الناس قناة
بين انعطافات النهر.
ثمة الآن وحل ومستنقع
هناك، حيث كنت أحبّ السباحة...
وطني الهادئ،
لم أنس شيئًا.
السور القديم أمام المدرسة،
والقمامة تُكنس بعناية كبيرة.
سوف أجلس على السياج مرة أخرى،
كما لو أنني غراب مرح!
مدرستي المصنوعة من الخشب!...
حقل، وتلال، وغيوم،
تفوح منها رائحة العسل والحنطة
والقشدة الحامضة في ظل أشجار الصفصاف.
مع كل كوخ وسحابة،
مع كل رعد،
أنا على استعداد للسقوط،
أشعر برابطة هي الأكثر حرارة،
والأكثر دنيوية.
(1964)
تعويذة
لتبق الروح
نقية
حتى النهاية،
حتى الصليب الهادئ!
أمام هذا الجانب
الأصفر النائي
من شجرة البتولا
الخاصة بي،
أمام هذا الحصاد
الغائم والحزين،
في أيام الأمطار
الخريفية الحزينة،
أمام هذا
المجلس الصارم في القرية،
وأمام هذا القطيع قرب الجسر،
أمام الضوء الأبيض العتيق
أقسم:
إن روحي نقية.
لتبق روحي نقية
حتى النهاية،
حتى صليب الموت!
(1969)
فيرابونتوفو (اسم بلدة)
نظرت عبر الأشعة المظلمة للأفق
إلى تلك الأماكن،
حيث رأت روح القديس فيرابونت
شيئًا ما إلهيًا في الجمال الدنيوي.
وفي يوم من الأيام وُلدت
من هذه الرؤية معجزة رائعة،
في الأرض الروسية النائية،
كالعشب، وكالماء، وكأشجار البتولا!
ثم قام رسام الأيقونات ديونيسوس،
السماوي والدنيوي،
وقد جاء من أرض مجاورة،
برفع هذه المعجزة المدهشة
إلى مستوى غير مسبوق قط...
كانت الأشجار واقفة بلا حراك،
وكانت أزهار الأقحوان بيضاء في العتمة،
وبدت لي هذه القرية
وكأنها الأقدس على هذي الأرض...
(1970)


تحميل المقال التالي...