}

أن تكون صنع الله إبراهيم... أن تكون نفسك

إيهاب محمود 25 أغسطس 2025
استعادات أن تكون صنع الله إبراهيم... أن تكون نفسك
صنع الله إبراهيم (1937 ــ 2025)

أن تكون نفسك، أن تخلص لمعتقداتك، مهما كانت، ومهما كانت نظرة الآخر لها وحكمه عليها، أن تحتفظ برؤاك وتصوراتك حقيقية كما هي منذ ميلاد هذه الرؤى والتصورات حتى الممات، أن تقف أمام تحديات سياسية ومادية واجتماعية وقمعية على مدار عقود متواصلة من دون أن تفكر، مجرد تفكير، في التراجع خطوة واحدة، لعل هذا هو أكبر انتصار يمكن أن يحصل عليه الواحد منا.
هكذا جاء، وهكذا سار، وهكذا رحل، صنع الله إبراهيم، الحقيقي، الواحد ضمن القطيع، من كان يشبه الحلم المستحيل، والفكرة المؤجلة دائمًا لحين مجيء الوقت المناسب، وكالعادة الوقت المناسب لا يأتي أبدًا.
رحل الذي لم ينجح أن يصبح رجل أعمال، أو "دونجوان"، حسب تعبيره، فاختار الكتابة. هكذا حكى لي قبل سبع سنوات، في بيته، الذي بالمناسبة يشبهه كثيرًا، بسيط، مريح، ويمنحك إحساسًا خفيًا براحة نفسية لا محدودة.
على مدار ثمانية وثمانين عامًا، لم ينحرف صنع الله عن مساره الذي رسمه لنفسه، ولا يمكن اختزال مواقفه في رفضه لجائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي عام 2003 بسبب اعتراضاته على سياسات نظام الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، لأن هذه لم تكن الحقيقة الكاملة، إنما كانت الحقيقة تعبر عن موقف نعيشه هذه الأيام، ولذلك لا بد من استحضاره، للتذكير بأهمية القوة الناعمة في مواجهة المحتل الإسرائيلي، مهما كانت رمزية الفعل، لكنها في الأخير أقصى ما يمكن للواحد أن يفعل.




العام 2003، وبينما كان المحتل الإسرائيلي يصادر مجالات الحياة كافة في قطاع غزة، ويفرض حربًا شاملة غاشمة على القطاع الفلسطيني، رفض صنع الله إبراهيم منحه جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، لأن "الحكومة المصرية التي تمنح الجائزة لا تملك مصداقية منحها، لأسباب عدة منها إبقاؤها السفير الإسرائيلي، رغم الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني"، متابعًا: "أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة، لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا، وتحمي الفساد، وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر، في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب".
هكذا كان موقف صنع الله. لم يرفض الجائزة بسبب اعتراضاته على نظام مبارك، بل أوضح الرجل أن التعامل الرسمي المصري مع التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة كان سببًا رئيسيًا، الأمر الذي يحدث أمام أعيننا هذه الأيام، ولا نجد من يحرك ساكنًا. نتخيل للحظات، ماذا لو كن لدينا أكثر من نسخة لصنع الله خلال السنتين الماضيتين خلال حرب غزة؟ ماذا لو كان الموقف العربي أكثر تعبيرًا عن الرفض ممثلًا في قوته الناعمة؟
إخلاص صنع الله إبراهيم للقضية، قضيته هو، وليس شيئًا آخر، كان أهم ما ميزه، صنع الله لم يستفد يومًا من النظام المصري، ولا أي من الأنظمة العربية، لم يتولَّ منصبًا رفيعًا في مطبوعة عربية ذات شأن تجلب له مدخولًا دولاريًا كبيرًا كل شهر، مثل مئات غيره، ولم يتولَّ موقعًا رسميا في وزارة الثقافة، ولم يتم ترشيحه للسفر حول العالم في مؤتمرات ومناسبات يتم تنفيذها طوال الوقت. نجح في أن يظل على يسار السلطة من الميلاد حتى الممات، لم يهادن يومًا مهما كانت مقتضيات الظرف، أو متطلبات المرحلة.
في لقاء سابق معه، تطرّق صنع الله إبراهيم إلى سبب عدم كتابته عملًا أدبيًا حول فترة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، مجيبًا: "لأن شيئًا لم يتغير. نحن عدنا لما قبل الخامس والعشرين من يناير، وربما أسوأ، ولكن بوجوه مختلفة. كتبت روايتين من أهم أعمالي، وهما "شرف"، و"ذات"، عن عصر مبارك. وإذا جلست لأكتب عن السنوات الماضية لن أضيف جديدًا، لأننا ما زلنا محكومين بالأسلوب نفسه"!
السياسة لدى صنع الله إبراهيم لم تكن مجرد رأي، أو موقفًا عابرًا، وإنما هي شيء داخله، جزء أساسي منه، رغم رفضه لتصنيف رواياته كأدب سياسي، مهما كانت رواياته بالفعل محشوة بالسياسة، مثلما أكّد لي قبل سنوات: "آرائي موجودة في رواياتي. أنت تقول إنها محشوة بالسياسة، وأنا فعلًا أجلس لأكتب فأجدني في ذلك الاتجاه، هذه طبيعة شخصيتي وتكويني النفسي".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.