إن الروائيين الشباب لفي حاجة ماسة إلى رسائل، على شاكلة "رسائل إلى روائي شاب" لفارغاس يوسا، للتعرف على المدّة الزمنية التي يستغرقها الروائيون من أجل كتابة رواية.
بخصوص المدة التي تستغرقها كتابة رواية معينة، بغض النظر عن الحجم، يقول نجيب محفوظ في مذكراته إن المدة تختلف حسب الطول والقصر. إذ يمكن لكتابة رواية واحدة أن تستغرق شهرًا واحدًا، بينما قد تستغرق رواية معينة أشهرًا أو حتى سنوات، كما حدث مع بعض أعماله الطويلة مثل الثلاثية.
يعتمد الوقت اللازم على عدة عوامل، منها حجم الرواية، المزاج الشخصي للكاتب، وجدول أعماله اليومي، إذ يُعرف أن نجيب محفوظ كان منتظمًا ما بين العمل والقراءة والكتابة. ومسألة الانتظام في العمل هذه يؤكد عليها الروائي الألماني توماس مان (1875-1955) من أجل كتابة عمل متماسك في الحبكة والبناء، ولم يلفت نظرنا إلى مسألة الزمن الذي تستغرقه الكتابة. لكن دون أن يعني ذلك أن كل رواية استغرقت كتابتها مدة زمنية طويلة هي رواية جيّدة، وأن كل رواية كُتبت في زمن وجيز هي رواية متوسطة القيمة أو ضعيفة.
العديد من الروائيين يعطون أهمية قصوى للزمن، ويفتخرون بالروايات التي استغرقت كتابتها مدة زمنية طويلة، ويعترفون بأن "العمل الشاق" الذي أرهقهم هو مصدر عظمة وتميّز. تكلم توماس مان عن الشخصيات الروائية وشبّهها بمجموعة من الموظفين والعمال في شركة أو منشأة أو مؤسسة، وأن غياب المؤلف عنهم ولو ليوم واحد يجعل الشخصيات في حالة كسل. لذلك فالمؤلف مثل مدير مؤسسة عليه تأكيد حضوره أمام تلك الشخصيات عدة ساعات في اليوم حتى لا تغادر الرواية/ المؤسسة.
"مدام بوفاري، آداب ريفية"، والتي اشتهرت اختصارًا بـ"مدام بوفاري"، روايةٌ للروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، نُشرت عام 1857 من قِبل الأخوين ميشيل ليفي، بعد نشرها قبلًا عام 1856 في مجلة "مجلة باريس". كانت كتابة هذه الرواية بالنسبة لفلوبير، الذي يُنعت بـ"أستاذ التنقيح" في الرواية الفرنسية، واجبًا مرهِقًا قام به، إذا صدقناه، جعله يحسّ بشعور دائم بالاشمئزاز، رغم أنه أعلن في تناقض تام: "بوفاري هي أنا"، التي "عانت وبكت في عشرين قرية فرنسية، في الساعة نفسها".
ثلاثة وخمسون شهرًا هي المدة الزمنية التي استغرقتها كتابة "مدام بوفاري". ظل خلالها فلوبير حائرًا، وحاول إجهاض المشروع أكثر من مرة. وفي الأخير تمكّن من إنهاء رواية أدخلته إلى رحاب الطبقة الأولى من كُتّاب الرواية الكبار. ثلاثة وخمسون شهرًا من نحت جمالية روائية جديدة.
| |
| إميلي نوثومب تكتب أربع روايات في السنة، ويقول جان بول دوبوا إنه يكتب رواية واحدة في السنة، في شهر واحد (Getty) |
إن الأمر يعتمد على عوامل كثيرة. يعتمد بالطبع على نوع الرواية، فرقم 200 صفحة أو 3000 صفحة ليسا متساويين. كما يعتمد أيضًا على كاتبها، سواءً كان كاتبًا يعمل بدوام كامل، أو كاتبًا لديه عمل جانبي يكتب فيه بضع ساعات هنا وهناك، مسروقًا من حياته المهنية. من الواضح أن الأمرين مختلفان.
إلى جانب فلوبير يمكن ذكر الكثير من الأمثلة التي لا تتشابه، فرواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان استغرق تأليفها أكثر من عشر سنوات. وغابريال غارسيا ماركيز يعترف بنفسه أنه شرع في كتابة "مائة عام من العزلة" وهو لم يبلغ بعد عقده الثالث، واستمرّ في كتابتها، عبر فترات زمنية متفرقة، إلى أن اكتملت وأعطت تلك الرواية الخالدة.
هناك أيضًا ستاندال، الذي كتب رواية "ميثاق بارما" في ثلاثة وخمسين يومًا، ومع ذلك فهي رواية طويلة. لننظر إلى تشابه الأرقام، فلوبير كتب "مدام بوفاري" في ثلاثة وخمسين شهرًا، وستاندال كتب "ميثاق بارما" في 53 يومًا.
لنأخذ، الآن، المؤلفين المعاصرين. إننا نعلم، على سبيل المثال، أن الروائية البلجيكية إميلي نوثومب (1967)، كما تقول في المقابلات والحوارات، تكتب أربع روايات في السنة، مما يعني أنها تكتب رواية واحدة في كل موسم، حتى لو لم تحتفظ بها، أو لم تقدمها كلها للنشر. ويقول جان بول دوبوا (1950) الفائز بجائزة غونكور في عام 2019، إنه يكتب رواية واحدة في السنة، في شهر واحد. يمنح نفسه واحدًا وثلاثين يومًا، ولذلك يختار، كما يقول، شهرًا من 31 يومًا ليحصل على بعض المرونة مقارنة بالـ 30 يومًا. إنه يختار شهرًا ممطرًا. وحسب قوله، فهو بشكل عام يختار شهر مارس/ آذار. يكتب ثماني صفحات في اليوم لمدة 31 يومًا، وينتهي الأمر بـ 240 صفحة. وبعدها يرسل العمل إلى الناشر.
إن الكتابة بوتيرة سريعة تجعل الكاتب يرتكب أخطاء لغوية من كل نوع، إملائية ونحوية على الخصوص. صحيح أن لا أحد في مأمن من هذه الأخطاء، لكن الكتاب الذين يكتبون بسرعة وطوال ساعات من النهار أو الليل، يكونون أكثر عرضة لتلك الأخطاء. إن المثال السابق، جان بول ديبوا، الذي يكتب الروايات بتلك الوتيرة، رواية في واحد وثلاثين يومًا، هو من النوع المعرض لارتكاب الأخطاء. وعبارة "وبعدها يرسل الرواية إلى الناشر" لها دلالة قوية. إن الناشر، بدون شك، في هذه الحالة، يعطي رواية ج. ب. ديبوا لمراجع أو مدقّق لغوي.
هذه حال الروائي المصري صنع الله إبراهيم، فهو الآخر يمكن تصنيفه ضمن الكتاب الذين يكتبون كثيرًا وبوتيرة سريعة، خصوصًا في سنوات شبابه. فقد كان يعطي مخطوطات رواياته لأصدقائه من أجل القراءة والمراجعة والتدقيق اللغوي، وفي بعض الأحيان كان صديقه الروائي والناقد المغربي محمد برادة يقوم بذلك. يؤكد الناقد الفرنسي وأستاذ الأدب الحديث الفرنسي، إتيان كيرن، أن بلزاك وستندال يتصدران قائمة الكُتّاب الذين يرتكبون بكثرة الأخطاء النحوية والإملائية. والسبب في ذلك أنهما يكتبان بكثرة وبسرعة هائلة، مما يجعلنا نصنف أخطاءهما ضمن فئة "الأخطاء غير المقصودة". نعلم من إتيان كيرن أن ستاندال كتب قواعد الإملاء orthographe دون حرف h. وفي رواية "الأحمر والأسود" وجد إتيان كيرن أمثلة كثيرة مذهلة أخرى. وستاندال نفسه كان يمارس السخرية الذاتية بفعل الأخطاء الإملائية خصوصًا التي كان يرتكبها هو بنفسه. لكن لم يثبت الأمر عند غوستاف فلوبير، الذي كان يُنعت مثلما ذكرنا بـ"أستاذ التنقيح" المهووس بالمراجعة والتشطيب.
هناك حالات أكثر إثارة للاهتمام، حيث يوجد ما قد نسميه "الخطأ الذي ليس بخطأ" في الحقيقة، بل هو اختراع، حرية، ضربة عنيفة موجهة إلى اللغة. في هذا السياق يقتبس إتيان كيرن عن الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي هنري دي مونتيرلان (1895-1972): "بجرأة أخطائهم النحوية، نتعرّف على الكُتّاب العظماء".


تحميل المقال التالي...