هل هناك صوت للكِتاب... رواية. قصة. قصيدة. مسرحية؟
هل يسمع القارئ ما تتحدث به شخصيات الرواية والقصة القصيرة والمسرحية في تنقلها بين أرض النص وسمائه؟
ما هو الصوت الذي يخرج من صفحات الكتاب؟
هل هو صوت مقبل من أعماق النص أم من أعماق القارئ وذاكرته اللغوية والصورية؟
هل النصوص مظاهر صوتية أم صورية؟
هل حدث مثل هذا لقارئ ينفعل مع النصوص الأدبية، ويستمع إلى أصوات شخصياتها الحقيقية أو المفترضة أو المتخيلة ويتعامل مع النصوص كظواهر سمعية؟
ما هي اللغة التي يسمعها قارئ النص؟
(1)
أظن أنّ مثل ذلك يحدث في هذه الفكرة المتداخلة بين النص والقارئ والمؤلف. والأسئلة تلك تحمل إجاباتها معها، لتضعنا أمام عمق القراءة ووظيفتها الجمالية في استمكان أصوات النصوص الأدبية على وجه التحديد، أي صوت المؤلف الذي يتوارى خلف سرديته بتعدد شخصياتها التي تشكل بنية فنية في وصفها وحوارياتها وتحركها الشامل على مساحة النص.
هذا التأكيد ربما هو إنتاج تجربة مستمرة كانت ولا تزال ترافقنا أثناء قراءة أي كتاب أدبي أو علمي أو تاريخي. نسمع فيها أصوات المؤلفين وشخصيات كتبهم. نتفاعل معها بطريقة صحيحة حتى لو لم نكن على وفاقٍ معها، ننتقد سلوكها، ونحترم آراءها حتى لو تخالف منهجنا الحياتي والفكري العام. لذلك فقد نقلتنا تلك الشخصيات بمخاضاتها المتعددة والمختلفة إلى اللغات كلها. فعرفنا ما لم نعرفه من طبائع الناس وتقاليدهم ودياناتهم وطوائفهم وأقلياتهم وطقوسهم وتواريخهم الشخصية والوطنية. سمعناهم يتحاورون ويتشاجرون وينفعلون ويصرخون، نساء ورجالًا، على أتفه الأسباب أو أعظمها.
لم تكن اللغة حاجزًا بيننا. نحن القرّاء وهم المؤلفون، وتلك الشخصيات الكثيرة التي تخرج من بين الصفحات وتؤلف وجودها الصاخب أو الهادئ مهما كانت اللغة التي يتحدثون فيها، أو اللهجة المحلية التي يتداولونها فيما بينهم. نعرفهم من أزيائهم المدنية والريفية وقبعاتهم السمر. نعرف النوع النسائي من الفساتين القصيرة والطويلة، وتسريحات رؤوسهنّ وعباءاتهنّ القروية ونقابهنّ الصحراوي. نعرف الأغنياء من طريقة كلامهم واعوجاج فكوكهم، والفقراء من عيونهم الذابلة ويأسهم المطلق، والبدوي من ناقته المعمّرة، والفارس من سيفه الطويل وحصانه الأسود الصاهل.
نرى ونسمع ما يدور في ميادين المعارك من الحرب العالمية الأولى حتى 7 تشرين الأول/ أكتوبر الفلسطينية وما تلاها من وضع مأساوي في غزة. نسمع صوت الجوع الغزي ونراه ونتأسف. ما زالت جملة غسان كنفاني الكبيرة في وعينا المبكر "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟" في روايته "رجال تحت الشمس" وحتى دخول المرتزقة الأجانب بكل لغاتهم وبربرتهم الشاذة إلى دمشق، ونسمع أصوات الرصاص والقذائف والطائرات وأنين الجرحى المتروكين وشهقات الموتى في احتضارهم الأخير. ولا يمكن إغفال السياسيين الكذابين في العالم وتصريحاتهم الكثيرة حتى سقوط بغداد عام 2003 وما جاوره من سنوات طويلة، حيث استمر السقوط النفسي والمعنوي.
(2)
الصوت السردي العربي يُسمع بوضوح عبر:
أولًا: المعرفة الشخصية للكاتب. نسمعه هو شخصيًا على مدار السرد. ولا نسمع أو نتخيل غيره. لأنه هو في كل سردياته غير المتشابهة، رواياتٍ وقصصًا. فـ "الرجع البعيد" يتصادى فيها صوت فؤاد التكرلي باللهجة العامّية وهو يتمثل النساء والرجال. كأن حواراته حكاية من حكايات مواقد الشتاء. وعبد الملك نوري في قصته "الرجل الصغير" كان يريد أن يدرك ما وراء ميتا سرديات القصة القصيرة بوعي فني مبكر. ومحمد خضير في "المملكة السوداء" وسواها من مؤلفاته القصصية لم يكن إلا هو ليس ساردًا قصصيًا خارج نصوصه، إنما هو صوت شخصي لا نفهم قصته إلا أن يكون صوته هو الراوي. وعبد الخالق الركابي في "سابع أيام الخلق" هو خالق النص الروائي بالصوت الشخصي الذي ألفناه في مقهى حسن عجمي. وأحمد خلف في "خوذة لرجل نصف ميت" رؤية ستينية لخسارات الحرب الفادحة لا نطالعها إلا بصوت الراحل. كأننا نسمعه وهو يحكيها في قاعة اتحاد الأدباء ولا يتغلب على صوته صوت. ومثلهم عبد الستار ناصر في تآليفه الرومانسية لا سيما في "أوراق امرأة عاشقة" و"أوراق رجل عاشق". كذلك المصري إبراهيم عبد المجيد في "لا أحد ينام في الإسكندرية" بعاميته الأليفة أثناء زياراته السابقة إلى بغداد. كان هو الصوت الواحد في رواياته الكثيرة. الصوت الشخصي الذي ألفناه. لم يتغيّر ولو تقدم العمر به.
كثير من الأدباء الشخصيين الذين عرفناهم لا تتغير أصواتهم في السرود المتناوبة، بسبب الاحتكاك معهم وحفظ أصواتهم الشخصية. فالذاكرة كما يبدو هي خزين الماضي الصوتي والصوري، وزمنية الصوت الشخصي حتى وإن طاولته السنوات يبقى محفوظًا في صندوق الذاكرة ولا يمكن للزمن وذاكرته أن يأتي بصوت مغاير له.
ثانيًا: أدباء اللغة العربية حتى وإن لم نلتقهم. تبقى صورة أوطانهم ماثلة بنا. تستقطرها الذاكرة من اللاوعي باللغة واللهجة المحلية. نسمع الصوت العربي بوضوح ونفهمه. لا سيما صوت المؤلف سواء أكان خليجيًا أم مغاربيًا أم أردنيًا أم فلسطينيًا أم غيرها من البلاد العربية. فمن السهولة أن نتمثل صوت الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال" لأننا سمعنا النبرة السودانية في ما مضى. ولا يمكن لنا أن ننسى قصص يوسف إدريس في "بيت من لحم" بصوته هو، فاللهجة المصرية نعرفها جيدًا حتى وإن تفصّحت سرديًا. الأمر ينطبق على السعودي عبده خال في "ترمي بشرر" فاللهجة السعودية والخليجية عمومًا قريبة من عراقيتنا المحلية.
(3)
تحجزنا اللغة الأجنبية عن الصوت الأجنبي الذي لا نستطيع نطقه. نتخيله وحسب. وأحيانًا نراه إذا لزمت الحاجة أن نتفاعل معه ونهضم دوره السردي والشعري في تفاعل نادر هو بمنزلة التحام طوعي بيننا وبين النص. لهذا نتخيل أصوات المؤلفين بلغاتهم الكثيرة، لكن بعضها ليس عصيًا على الفهم والاستيعاب فإن لم يكن الصوت فهي الصورة المرسومة في النص. لذا تنتقل لنا كوابيس وبوليسيات إدغار ألن بو بطريقة مذهلة. تخرق غرفنا ومكتباتنا أصوات المدافع والطائرات في روايات الحرب العالمية والغزوات الاستعمارية الأميركية في كل مكان من العالم. فكاهيات عزيز نسين التركية تجعلنا نتصور اللغة كما لو أنها لغة فكاهة ومفارقات يومية. نعيد قراءة ما قاله سقراط فيأتي زمن الفلسفة اليوناني القديم. القراءة المبكرة لأعماله الفلسفية لا يُعوّل عليها فالفلسفة عميقة. وتشيخوف يعلمنا اللغة الروسية من أجواء قصصه الفريدة. صار واضحًا ما كتبه أدباء أميركا اللاتينية. لا نعرف اللغة الكولومبية والتشيلية والبيروية. هل هي إنكليزية أم فرنسية أم هي لغة مستقلة. لكننا عبر ماركيز ويوسا وإيزابيل الليندي سمعنا أصوات الكولومبيين والتشيليين والبيرويين. مثلما فهمنا الطقوس الأفريقية وصيحاتهم في الغابات الكثيفة ورقصاتهم المثيرة وطواطمهم القبلية التي بقيت مع الزمن. كويتزي ونادين غورديمر وتشينوا أتشيبي وول سوينكا وآخرون قرّبوا نيجيريا وجنوب أفريقيا إلى الذاكرة وملؤوها بالحياة اليومية والنضال ومقاومة المبشرين الدينيين والمستعمرين الأجانب.
هي أصوات قديمة لكنها تستفز السمع والبصر والأعصاب، غير أنها تتسابق لتقنعنا بمصداقية السرد وأحداثه المتتالية. ومع أن لغة اليابانيين عصيّة على الفهم والاستيعاب والكتابة والقراءة. ومجتمعهم غارق في الديانة الشنتوية والبوذية على الأغلب، لكننا نتقصى بالفهم والأصوات الداخلية لكتبهم حتى نفهم بشكل جيد أصوات يوكيو ميشيما وماتسوو وكينزا أبورو. فثمة ضجيج يتزاحم بين شخصيات رواياتهم التي قرأنا مبكرًا، وهو ضجيج اللغة الغريبة، لكن "كافكا على الشاطئ" لـهاروكي موراكامي استوقفتنا بسردها بين المراهق كافكا والعجوز ناكاتا وسمعنا صوتيهما بلغاتنا الداخلية عندما نسترسل مع السرد الموراكامي الطويل. نسمع أصداء فلسفية تتردد بين الخيال والفنتازيا اليابانية التي يحترفها موراكامي؛ بينما كوبو آبي في "امرأة في الكثبان" أوصل فكرة الحرية عند الإنسان الذي يبحث عنها ويخوض صراعات مستمرة من أجلها.
(4)
لا تربكنا موضوعة صوت المؤلف الشخصي. لكنها ملازمة للقراءة في كثير من الأحيان. فأنت تقرأ مجموعة أصوات في الرواية تتداخل في ما بينها في حواريات مقتضبة أو طويلة. منها ما هو متحرك ومنها ما هو ساكن. الأول يتمرد على النص، والآخر يستقيم معه من دون مقاومة كأنه يلبي دوره بإتقان. الانشطار في الشخصيات يتقصده المؤلف لكنه غير مسؤول عنه. بمعنى إنه ينقسم إلى عدد من الشخصيات، بما فيها الشخصيات النسائية. فالتعامل مع الشخصيات المركزية في الرواية والقصة وأهمية أدوارها لا يتفق مع الشخصيات عندما تكون هامشية وسطحية ومتمردة ومتحركة أو مشوشة للنص. والتعامل مع الشخصيات النسائية يختلف عن التعامل مع الشخصيات الرجالية. والحواريات لا تتشابه في كثير من الأحيان. ليتعدد المؤلف وتتعدد أصواته في القراءة وتنشطر بين هذا وذاك فكرًا وفلسفةً وموقفًا ودراما.
كقارئ - لو أعرف المؤلف شخصيًا- لا يأتيني غير صوته هو مع تلك الانشطارات الوصفية والحوارية في عموم السرد الروائي والقصصي. ثمة تداخل خاص في هذه الموضوعة. إنه نوع من الالتباس الصوتي على ما يبدو. فالقارئ لا يعرف تولستوي شخصيًا، لكنه يسمعه عندما يعرف بأن تولستوي روسي في "الحرب والسلام"، ويسمع صوت كولن ويلسون عندما يستدرك بأنه من إنكلترا، ويفرز صوت الأميركي دان براون عن غيره من أدباء لغات العالم، كالأيرلندي جيمس جويس في "عوليس"، والإسباني سرفانتيس في "دون كيشوت"، والإيطالي ألبرتو مورافيا في "أنا وهو"، وكلها أصوات بلغات حيّة سمعناها في الأفلام وتسربت إلى السرود مثلما تسربت إلى القراءة الصوتية التي يستدركها قارئ متفاعل مع النصوص.
(5)
إشكالية ثلاثية الصوت بين النص والمؤلف والقارئ، إشكالية جمالية متداخلة. ربما يتسرّب صوت حلولي بين قارئ ونص ومؤلف. فالقارئ العميق صوتٌ مؤاخٍ لصوت المؤلف الشخصي. وهو الصوت الذي يخرج من بطن الكتاب. إنه ذاكرة قديمة للقارئ لا تُمحى على أية حال. قد يكون صوت القارئ ذاته وقد تلبّس بصوت المؤلف الذي سمعه ذات يوم في لقاء شخصي أو محاضرة في مكان أدبي أو حوارية تلفازية ثقافية.
في الأحوال كلها لن يكون ذلك وهمًا، أو حلولًا مؤقتة. الذاكرة صادقة وخزين الذكريات في صندوقها الأسود باقٍ كما هو. وكما نسمع صوت المتسول الأعمى بالدعاء في باب جامع ومسجد، أو صوت جندي في ساحة المعركة وهو يدفع الموت عنه، أو صوت المرأة العاشقة التي يختلج في قلبها صوت مَن تحب، أو صوت أم تنادي أولادها للغداء الحار، نسمع صوت المؤلف الشخصي بأية لغة كانت، لا سيما المؤلف الذي نعرفه شخصيًا. فهو الجندي الجريح، والمتسول الأعمى، والعاشقة، والمرأة التي تنادي أولادها للغداء المشترك.
هوامش:
- فؤاد التكرلي. عبد الملك النوري. محمد خضير. عبد الخالق الركابي. عبد الستار ناصر. أحمد خلف: أدباء عراقيون من رواد القصة والرواية في العراق.
- مقهى حسن عجمي: مقهى الأدباء. تأسس عام 1917. يُعد من أهم معالم شارع الرشيد في بغداد. يقابل جامع الحيدرخانة التاريخي. ارتبط بالشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري والذي كان يرتاده منذ عام 1926. فقد المقهى بريقه منذ نهاية التسعينيات بسبب الإهمال. وهجره الأدباء حتى اليوم الذي أصبح فيه مقهى عاديًا آيلًا للسقوط.


تحميل المقال التالي...