عندما تدخل إلى مدينة تدمر العريقة الواقعة في قلب البادية السورية تشعر وكأن ما تبقى من شارع الأعمدة والمدافن البرجية والمعابد والمسرح الروماني الأنيق وقوس النصر ومتحف تدمر والشارع المستقيم يناديك لتقف أمام أبشع الجرائم المروعة التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي، والنظام الأسدي المجرم وحلفاؤه، بحق "لؤلؤة الصحراء" تدمر، التي ارتبطت بالملكة زنوبيا وانتصاراتها، والتي تخبئ في كل ركن من أركانها الفن والعمارة والتمازج بين الثقافات والحضارات والأفكار والابتكارات، الأمر الذي جعلها من أهم وأبرز الواحات التجارية والثقافية في العصور القديمة.
وعندما تدخل إلى تدمر، لا بد من أن تتوقف عند فروسية حارس آثارها وأمينها، عالم الآثار السوري خالد الأسعد، الذي بقي فيها رافضًا الخروج منها بعد سيطرة تنظيم الدولة الإرهابي الكامل عليها، ولا بد من أن تسمع صوته يردد: "حبي لتدمر وعشقي لها لا يوازيه أي شيء في الدنيا. على ترابها عشت. ومن مائها شربت. وكل ما قدمت من أجلها من جهد وتعب أقل من الواجب. أنا من تدمر، ولن أغادرها حتى لو قتلوني".
عشر سنوات مرت على استشهاده في الثامن عشر من أغسطس/ آب 2015 ولا تزال روحه تحوم فوق آثار المدينة التي أحبها كثيرًا، وتعلّق بكل ذرة تراب فيها، وكل حجر، وكل ملمح من ملامح التراث الإنساني الحضاري الذي يخيم عليها، وكأنها تحتفل بتحريرها، وخروج الطغاة والمجرمين منها.
اعتقلته داعش لأكثر من شهر عندما استولت على المدينة واستباحتها ودمرت معالمها وسرقت كنوزها، وتعرض للتعذيب الشديد على أيدي أصحاب الرايات والضمائر السوداء وسيوف الجهل والتطرف، وذلك لكي يعترف بمكان الكنوز التدمرية الثمينة العائدة لمتحف تدمر، والتي خبأها في مكان آمن بعد إنقاذها من جحافل غزاة الجاهلية، ولكنه رفض رفضًا قاطعًا أن يخذل شغفه بالآثار وتدمر والتاريخ والتراث الإنساني، وهو الذي كان دائمًا محبًا لتلك المدينة التي تروي بآثارها العريقة شرق محافظة حمص حكاية حضارة سطعت من الصحراء السورية، وباتت تحمل جراحًا وندوبًا خلّفها التنظيم الإرهابي، وطيران وقصف النظام السوري البائد وحلفائه من الروس والميليشيات الطائفية.
رفض عالم الآثار الأسعد الخروج من مدينته، وحاول تمرير بعض القطع الأثرية الثمينة نحو مكان آمن، ونجح في مهمته، بينما كانت داعش تقترب من مشارف تدمر التي استُشهد على محرابها في نهاية تراجيدية وملحمية شجاعة لفارس من فرسان الحكايات الجميلة والزمن البعيد، وكان يردد دائمًا: "الإنسان بلا تاريخ إنسان بلا مستقبل". انتقل إلى منزل قريب له محاولًا النجاة بنفسه، ولكن وفي العشرين من يوليو/ تموز 2015 لحق به رجال ملثمون من داعش واعتقلوه، ثم حكموا عليه بالإعدام ونفذوا الحكم بطريقة وحشية بربرية مهينة لا يمكن تصورها، قطعوا رأسه ونصبوا جثته على عمود كهرباء، وتركوه وسط المدينة، موجهين له تهمًا ملفقة: إدارة الوثنية ــ الارتداد عن الإسلام ــ تمثيل سورية في مؤتمرات تكفيرية، وإدارة أصنام تدمر. وقبل تنفيذ الحكم طلب منهم زيارة متحفها للمرة الأخيرة، لكنهم رفضوا ذلك، وأعدموه بعد أن رفض أن يجثو على ركبتيه كما أمروه قائلًا: "لا أموت إلا واقفًا مثل أعمدة ونخيل تدمر. نخلات تدمر لا تنحني". أُعدم الأسعد في مشهد وحشي لإرهاب الناس وبث الرعب في نفوس التدمريين وغيرهم، ولم يكن وحده الذي دفع هذا الثمن الباهظ، بل شاركته عائلته في تحمل جرائم داعش، عندما تعرض ابنه وليد الأسعد، مدير آثار تدمر آنذاك، للاعتقال أيضًا على يد التنظيم، وتعرض للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد، ولتدهور كبير في وضعه الصحي، مما جعله يغادر إلى فرنسا لتلقي العلاج والرعاية الصحية الجسدية والنفسية بعد الإفراج عنه.
كما خرج ثلاثة من أبنائه وصهره، وهم أيضًا متخصصون في علم الآثار، إلى العاصمة دمشق، ومعهم مئات القطع الأثرية والتماثيل التي تمكنوا من إنقاذها وإخراجها من متحف تدمر، بينما كان التنظيم الإرهابي يزحف إلى المدينة ويقترب من مشارفها، واستطاعوا نقل آخر دفعة مع عدد من حراس المتحف قبل دخول التنظيم بعشر دقائق للمدينة.
الجدير ذكره أن بعض المصادر أشارت في ذلك الوقت إلى أن قتل الأسعد جرى في صفقة تمت بين قيادات داعشية وقيادات من الصف الأول في نظام الأسد الفاسد، وكانت تشرف بالشراكة مع داعش على نهب وتهريب الآثار السورية عامة، والتدمرية خاصة، إلى الخارج، حيث يتولى هذا الأمر شركاء دوليون، وقد حصدوا من بيعها أرصدة فلكية تصل إلى ملايين الدولارات.
لم يكن الراحل عالم آثار فقط، بل كان باحثًا تاريخيًا، ومكتشفًا حقيقيًا لعدد من المنحوتات والمدافن الأثرية الهامة، وكان له دور كبير في حماية أوابد تدمر الأثرية وترميمها والحفاظ عليها ككنز هام للأجيال. كرَّس أكثر من خمسين عامًا من حياته لتقديم مدينته بأبهى حالاتها، وكان مهندس انضمامها إلى لائحة التراث العالمي.
ولد الأسعد في الأول من يناير/ كانون الثاني 1934 بالقرب من معبد بل، الذي يعبق برائحة التاريخ وذكريات ملكة الشرق زنوبيا، وهو أب لستة أبناء، وخمس بنات. درس المرحلة الابتدائية في تدمر، ثم انتقل إلى دمشق، وحصل على إجازة في التاريخ، ثم على دبلوم في التربية، ولكن الآثار جذبته للعمل فيها منذ عام 1962 كرئيس للدراسات والتنقيب في مديرية الآثار بدمشق، ثم في قصر العظم حتى نهاية 1963، عندما بدأت حياته العملية كمدير للآثار والمتاحف في تدمر من ذلك العام حتى 2003. كان رئيسًا، أو مشاركًا، في بعثات التنقيب والترميم العاملة هناك، الأجنبية والوطنية والمشتركة، كالمشروع الإنمائي التدمري خلال الفترة (1962 ــ 1966). وقد اكتشف بعض المدافن والمغائر والمقبرة البيزنطية في حديقة المتحف التدمري. وفي عام 1988 عثر على منحوتة "حسناء تدمر" رائعة الجمال، وأشرف على ترميم بيت الضيافة عام 1991، وشارك مع البعثة الوطنية الدائمة للتنقيب والترميم بإعادة بناء أكثر من 400 عمود كامل من أروقة الشارع المستقيم، ومعبد بعلشمين القديم الذي بني عام 32 م، ومعبد اللات الذي بني في القرن الثاني، وأعمدة ومنصة وأدراج المسرح التدمري الأثري الذي بُني في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، وكذلك الأعمدة التذكارية الخمسة المعروفة، إضافة لإعادة بناء المصلبة وأعمدتها الستة عشرة الغرانيتية لمدخل حمامات زنوبيا، ومحراب بعلشمين، وجدران السور الشمالي للمدينة، وترميم أجزاء كبيرة من أسوار وقاعات وأبراج وممرات قلعة فخر الدين، التي تقع فوق أكبر وأعلى جبال تدمر، وهي من أبرز المعالم الأثرية فيها، إضافة إلى تركيب جسر معدني فوق خندقها، وافتتاحها للزوار. وترميم الأسوار الخارجية والأبراج في قصر الحير الشرقي، وإعادة بناء عشرين عمودًا مع تيجانها في جامع هشام، إضافة إلى إنجازات أخرى.
عمل الراحل أيضًا في مؤسسات دولية وإقليمية وعربية، وكان مدير الجانب السوري في جميع البعثات السورية والأجنبية المشتركة العاملة في تدم: (السويسرية ــ الأميركية ــ البولونية ــ الفرنسية ــ الألمانية). وله مشاركات دولية في معارض الآثار والمؤتمرات العلمية والندوات في إيطاليا ــ اليونان ــ النمسا ــ الهند ــ إيران ــ بريطانيا.
دافع خالد الأسعد طوال حياته عن التراث الإنساني الحضاري، وعن آثار سورية وتاريخها العريق. وكان عالمًا موسوعيًا أتقن اللغة الآرامية (لغة سورية القديمة)، ولغات أجنبية أخرى، مما مكّنه من التواصل مع البعثات الدولية الأثرية، وإثراء المكتبة العالمية بأبحاثه القيّمة ومؤلفاته التي تجاوزت الأربعين، وهي عن الآثار في تدمر وسورية والعالم، ومنها:
ــ "تدمر.. أثريًا.. تاريخيًا... سياحيًا" بالتعاون مع الدكتور عدنان البني (1984).
ــ "مرحبًا بكم في تدمر: الدليل السياحي الأول عن تدمر" مع عبيد طه، ونُشر بخمس لغات (1966).
ــ "قصر الحير الشرقي: مدينة في الصحراء" بالإنكليزية، بالتعاون مع البعثة الأميركية في تدمر وجامعة ميشيغان (1978).
ــ "المدفن رقم 36"، بالتعاون مع أندرياس شميدت كولونييه من البعثة الألمانية، وجامعة فيينا باللغة الألمانية (1994).
ــ "سوريا في العهد البيزنطي والإسلامي". صدر بالألمانية في ألمانيا والنمسا (1993).
ــ "زنوبيا ملكة تدمر والشرق"، بالمشاركة مع البروفيسور فيين أوفه ويدبرغ هانس من جامعة أورهوس بالدنمارك، باللغات العربية، والفرنسية، والإنكليزية، والبولندية (2006).
ــ مخطوط بعنوان: "قبائل البدو في منطقة تدمر" (1966).
ــ مخطوط "النبات والبدو في قصر الحير الشرقي" (1966).
ــ مشاركة في الموسوعة الجغرافية السورية "تدمر وباديتها" (1995).
وهناك دراسات ومؤلفات أخرى.
كتب في الصحف أيضًا مجموعة دراسات وأبحاث أثرية وتاريخية حول تدمر وأثارها والمكتشفات فيه نشرها في أعداد من مجلة "الحوليات الأثرية السورية" (1965 ــ 2006). ومجموعة دراسات تاريخية وفنية مقارنة في كتالوجات معارض الآثار السورية حول العالم، تتعلق بالقطع الأثرية التدمرية المشاركة في معارض دولية في كل من بولونيا ــ فرنسا ــ إيطاليا ــ اليونان ــ واليابان، في الأعوام 1975 ــ 2003.
نال عددًا من الأوسمة والتكريمات، منها: وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس، ووسام مماثل من بولونيا، ووسام الاستحقاق من تونس، ووسام الاستحقاق السوري بعد استشهاده. وتقديرًا لشجاعته وبطولته، قررت إيطاليا تنكيس أعلام متاحفها سنويًا في ذكرى رحيله المفجعة، وأُطلق اسمه على منطقة أثرية أُعيد تأهيلها في مدينة بيزا الإيطالية، كما أطلقت منظمة اليونسكو "جائزة خالد الأسعد الدولية للمكتشفات الأثرية"، تكريمًا وتخليدًا لذكراه، كما خُلدت قصته المؤثرة في أشكال فنية وتذكارية متنوعة، وفي فيلم بعنوان "دم النخل" (2019)، الذي صور مقاومته ومواجهته بشجاعة نادرة لتنظيم داعش، وهو فيلم سينمائي سوري روائي طويل يروي مسيرته، وما ارتكبه التنظيم من جرائم بحق البشر والحجر في مدينة تدمر أثناء سيطرته عليها.
دانت منظمة اليونسكو إعدامه، وقالت إيرينا بوفوكا، المديرة العامة: "إن تنظيم الدولة قتل الأسعد لأنه لم يخن التزامه الراسخ تجاه تدمر". وكتبت الباحثة والأكاديمية السورية ريم تركماني عنه تقول: "الأسعد خبير آثار متميز. وكان يستحق نهاية أكرم من هذه، ومدفنًا تدمريًا يليق به. تُنقش عليه عبارات بالآرامية". ونعاه عدد كبير من علماء الآثار وكبار الصحافيين في العالم، وكتب بعضهم عن جريمة إعدامه: "إنها جريمة وحشية من جرائم داعش. لقد قدم خالد الأسعد حياته من أجل مدينته الأثرية. مات من أجلنا. وكانت لديه قناعة كبيرة بأهمية الكنوز التي تركها لنا الأسلاف من أجل الأجيال القادمة". بينما قال نجله وليد الذي اعتُقل على يد التنظيم: "أنا فخور بكوني ابن هذا الرجل. وذلك لما يتميز به من الانفتاح الفكري والعقائدي. كان فخورًا بأصله العربي، فخورًا بإنسانيته، يفاخر بإيمانه بالدين الإسلامي الذي فهمه بالطريقة الصحيحة".
أما نجله طارق فقد قال في الذكرى العاشرة لاستشهاده قبل أيام: "بالنسبة إليه كانت تدمر درة الحضارة السورية وبوابتها إلى العالم، وكان دائمًا يرى فيها البحر الذي لا يمكنه الخروج منه إلا ميتًا". وأضاف إن والده كان يردد دائمًا: "من فضلكم دعوني بين أنقاض تدمر، حيث ولدت وعشت، وسأموت واقفًا هنا، تمامًا مثل أعمدتها ونخيلها". وهذا ما حدث فعلًا، استُشهد قريبًا من ذكرياته وحلمه وشغفه بعد أن قام بواجبه تجاه مدينته كما ينبغي حتى النهاية واقفًا كالسنديانات العتيقة.
المراجع:
ــ بوابة سورية.
ــ مواقع إلكترونية.


تحميل المقال التالي...