كتب أرسطو مرة: "الأشياء أكثر من الكلمات، ولذلك يتعين علينا أن نستعمل الكلمات نفسها لتسمية أشياءٍ مختلفة". وفقًا لذلك، تصبح الرموز اللغويّة، وهي من وضع البشر بعدد الموجودات. هذا مُواتٍ، ولا شك، لمؤسس البنيويّة دي سوسير، ولفلسفته التي ترى فيها نظامًا مستقلًا عن الإنسان، وعن الظروف التي تحيط به. لكن السؤال الذي يواجهنا هنا يتعلق بحقيقة المتكلم، وعمّا إذا كان هو من يتكلم فعلًا، أم أن اللغة تتكلّم من خلاله؟
فما دامت ملك الجماعة قبل أن تكون ملكًا لي فأنا لا أستطيع أن أقول إلاّ ما يتيحه النظام، وما أريد قوله ليس سوى لغة جاهزة، إذا ما سلّمنا بنظرة عالم الألسنيّة. فإذا كانت لغتنا هي آمالنا وذكرياتنا التي تستحوذ علينا ألا تفتح مسالك جديدة واستثناءات، وما هي هذه الاستثناءات، وكيف تعمل؟
هذا وغيره نعثر على جواب له في كتاب "عنف اللغة"(*) للمؤلف جان جاك لوسركل، الذي يناقش فيه، وعلى امتداد ستّة فصول، "علم الألسنيّة والمتبقّي"، "جِرابُ الخِرَقْ"، "نظريّة للمتبقي"، "الاستعارة"، "الفساد"، "عنف اللغة". النشاط الكلاميّ الذي يخترق قواعد النحو، ويطلق عليه "المتبقي"، إضافة للعنف الذي تتّسم به اللغة. وسيكون النقاش في هذه القراءة منصًّبا على تمثّلات المتبقي وتجلَّياته في الشعر والاستعارة والتصّوف وهلوسات الجنون، بينما نُرجِئ فسادها وعنفها بوصفها كينونة ماديّة وعلاقة مواجهة إلى قراءة قادمة.
يحثّنا المؤلف، منذ البداية، على أن نهجر الجانب الفلسفي للغة، ونحفّز الدافع الطفوليّ. وبالعكس من توجّه دي سوسير، الذي يتعامل معها كنظام اجتماعي، فهو ينظر لها كحالة فرديّة، تقدمها الحكايات والقصائد الشعرية. إذ من الصعب الوصول إلى المتبقّي عبر القواعد المألوفة؛ لأنه يخرج عن الخرائط التي يرسمها عالم النحو، ويتناقضٍ مع المعمار المعتاد للّغة ككينونة اجتماعية؛ ناظرًا إلى الحدود كشيءٍ اعتباطيّ وسلبيّ، وهي أشبه "بحانة تُغيرُ عليها من وقتٍ لآخر شرطة النحو".
يحلل جاك لوسركل مؤلفات الروائية جين أوستن، والكاتب لويس كارول؛ باعتبارها أعمالًا خرقت قواعد النحو الإنكليزية المتعارف عليها، ليؤول دلالاتها الإشارية ككيان مستقل، فما يقع في الطرف الآخر للحدود "ليس خارج حظيرة اللغة، فنحن لا نرى هناك الفوضى الشاملة، بل أجزاءً من اللغة غير مقبولة بعد، ولكنها مقبولة بالقوّة".
ومأخذ جاك لوسركل على دي سوسير هو اختزاله اللغة إلى منظوماتٍ مجرّدة، متجاهلًا هذا المتبقي الذي يقع في المناطق المنبوذة، حيث المصادفة، واعتباطيّة اللاّمعقول. ويستشهد بدانتي، وفرجيل، وغيرهما، إذ يطلق عليهم المغامرين العظام، والذين "نجد أوصافًا للمتبقي في مذكراتهم التي تحوي أحاديثهم الهذيانيّة والمجنونة". وفي هذه المنطقة من الكتابة يتكاثر الغموض، ورغم أن تخفيضه هو هدف التحليل النحوي، "إلاّ أنّ الغموض الذي يعشّش في اللغة هو الاستثناء"؛ إذ تنطوي هذه المنطقة على الحياة السريّة للكلمات والاشتقاقات الصحيحة والمزيفة، وأحدها النكتة التي يلعب فيها الكاتب بطريقة طفوليّة مع الكلمات، وفي حال أقرب إلى العبث.
| |
| حلل جان جاك لوسركل مؤلفات الكاتب لويس كارول؛ باعتبارها أعمالًا خرقت قواعد النحو الإنكليزية المتعارف عليها |
ومن موقعي، ككاتبة لهذه السطور، أستعيد مثالًا روائيًا عن "المتبقي" كما يتمثل بصورة واضحة وعبر الاستعارة في رواية للمؤلف الإسبانيّ لويس لانديرو، وهي رواية "ألعاب العمر المتقدّم"، التي تحكي قصة أحلام اليقظة لرجل أربعينيّ، لكونها تقدم نموذجًا ملهمًا لهذا التخّريب اللغويّ، بدءًا من الافتتاحيّة: "استيقظ أيّها البطريق، إنّ قرع الطبول يُسمعُ قريبًا".
فعالم غريغوريو أولياس عالم تهويمات لغويّة، وهذا السياق الذي يجمع بين شخصية الرواية والبطريق ككائن ثلجي خروج عن المعنى المألوف للكلمات، فمفرداتها تتواشج عبر لا منطقيّة تنزع عن الوجود واقعّيته.
إذ إنّه، وفي لحظة احتضار عمِّ غريغوريو، راح يتلعثم بأسماء أمكنة في البحر و"خلط بين نفير جامعي القيامة وأبواق البلاط السماويّ الملائكيّة؛ وفي اختلاطه الأخير دعا الرب باسم ألفار نوننيث".
فاللغة هنا كناية عن عمق عزلة الكائنات التي فقدت لغة التواصل بينها، إلى جانب عنف هذياني مخفف يبدو أقرب للهذر، لكن له قدرته على توليد معنى جديد رغم هذه البلبلة اللغوية:
"قال وهو يُري خطيبته الحصى التي جمعها من الحديقة
ــ انظري كم من الحصى؟
ــ ورددت هي: صحيح
واهتزت أوراق الصفصاف قائلة: "صحيح، كم من الأحجار"
وكرّر عصفور بين الأغصان المتشابكة، (كم، كم)".
تجتمع النقائض هنا، لتؤدي دلالة تفتّت المعنى بخلق آخرٍ موازٍ، ولتنزاح عن سياقها، وتتحوّل إلى ألاعيب ذهنيّة.
وحين وقع غريغوريو في الحب، ورأى تلك اليدين الهشّتين "ابتلع لعابه وقال شيئًا مثل فابورال، وظل متورّطًا في تلك الكلمة كممثل سينما كوميدي يتوازن على حبل"، فـ"الأشياء لها اسم، لكن كل شيء يستحق قصيدة، وليس كلمة واحدة، أو أن يسمى على الأقل بطرقٍ مختلفة في آن واحد، في انعكاس دقيق للتطابق الكونيّ".
إن إنسان لويس لانديرو، بالضدّ من الكائن الهايدغري الذي يرى في الثرثرة سقوطًا، يثرثر ليكشف لنا عن المعنى الكامن في الهذيان، وهذا نمط وجود المتبقي، وهو نمط وجود أصيل وفريد، إذ يخترق الحدود. ويروي جاك لوسركل نقلًا عن بيار كلاستر "أنّه بين قبائل الغواياكي الهنديّة، عندما يحلُّ الليل، يبدأ الرجال بالغناء، ليس في مجموعة، بل كلٌّ بمفرده، حيث يغرق كل من المغنين في وحدته، فهم يعيشون في قبيلة يحرّم فيها على الصياد أن يأكل من لحم فرائسه التي يصطادها، مما يجبرهم على الاعتماد على الجماعة للحصول على قوتهم، وحيث يفرض تعدد الأزواج بسبب النقص في عدد النساء، ما يجبر الرجل على قبول اشتراك رجال آخرين معه في زوجته، وعلى الرغم من عدم رضى الرجال عن هذا الموقف، فقد وطّنوا أنفسهم على قبوله، وهكذا وجدوا أنفسهم عالقين في نظامٍ إلزاميّ من التبادل الاجتماعي. ومن أجل ذلك كان الرجال عندما يغنون في الليل يحوّلون النوع الثالث من السلع التي يمكن مقايضتها، وهي الكلمات، إلى تعبير عن تفرّدهم ووحشيتّهم، محاولين نسيان استعمالها بوصفها رابطة، أو قيدًا اجتماعيًّا"؛ فخلال النهار تكون وسيلة تواصل اجتماعي، أما في الليل فهي تسمح للرجال بعدم التواصل، وتسمح لهم بالبقاء وحيدين في قلب الليل.
لكن ثمة من ينظر إلى هذا النمط من الوجود اللغويّ بكونه ممارسة أدبية، وليس ذي أهمية للاستعمال اليوميّ، ولكن الدليل ـ بحسب لوسركل ـ ما نكابده من ألم ونحن نتعلم قواعدها، ثم لماذا نحب تلك الكتابات على جدران المحطات، أو الشوارع، ولا سيما حين يتم التلاعب بالمعنى؟
ونحن لا نجد كل الأمثلة عن المتبقي في النصوص المتوحشة وكلام المجانين فقط، إذ يعتقد أنّ "إعطاء الحريّة للغة لكي تتكلم بنفسها يتطلب أيضًا أرقى شكل من أشكال الموهبة الأدبيّة والسيطرة على الكلمات"، ويحلّل مقطعًا من قصيدة للشاعر الإنكليزي سوينبرن:
(عرِّ الأسرار الفقيرة الميتة في قلبه.
ــ عرِّ الروح العاريّة حتى يتمكن الجميع من التحديق
أنظر، تلصّص، تكلّف الابتسام، شُمَّ، انهش، اهتف، زمجر، تهكّم).
يظهر بوضوح ـ حسب لوسركل ـ في هذا المقطع جانب الإفراط في اللّعب هنا، كما تتوضح المعارضة الساخرة للذات، فاللغة لا تمارس هذه الألاعيب فحسب، بل "تسمح بها وتشجّعها".
ويخبرنا المعجم "أن الفأر عندما ينفلت، أو ينطلق مسرعًا، فهو يبعثر بسرعة، ويسمي اللغويون هذا بالطريقة المزجيّة، وهي طريقة خصبة في توليد الكلمات"، لكن يتوجّب علينا الحذر هنا، فليست كل الكلمات الشاذّة مثيرة للاهتمام، منها ما هو مبتكر وقد يحمل أكثر من معناه، وبتحديد أكثر دقة تشبه لغة المتبقي ما يمكننا وصفه "بالكلمات المرتجلة بين الكلمات المنحوتة".
في السونيتة رقم 63 للشاعر الإنكليزي وليم شكسبير نقرأ العبارة التالية "عندما سافر صباح شبابه إلى ليل العمر الشديد الانحدار"، فتركيب الجملة يبدو خاطئًا، لكنه يظهر بوضوح طريقة عمل المتبقي الذي تتشكل فيه أشياء لا تلتئم، لكنها تعطي معنىً جديد، وتخرج عن القواعد.
كما أن وجود جمل سليمة نحويًّا في العادة ليس دليل عافية، بل قد يكون كثير منها بلا معنى، فالمتبقي يعمل عبر التورية والكلمات التي تقتبس من بعضها بعضًا. كما أنه موجود في كل مكان في النظام، وفي استعمالنا اليوميّ للكلمات، في لعبنا بهذه الكلمات، أو محاولتنا الكتابة. والأهم هو وجوده على طرفي الطّيف "في صوت المؤلّف في الروايّة، وهو التطور الذاتيّ المستقل للّغة، وليست قضيّة عته، أو موهبة في استعمال الكلمات؛ فهنالك أناسٌ يتمتّعون بموهبة استعمال الكلمات المتقاطعة، أو الألعاب المشابهة؛ بل بالاستسلام لاستفزازاتها والانطلاق على السجيّة".
يتوصل لوسركل في النهاية إلى تحديد طبيعة وجود المتبقّي الذي ينبثق بشكل نتوءين: الأول يماشيه الشاعر، ويمشي ضدّه في وقت واحد لدى بناء أسلوبه، والثاني هو الأسلوب التخريبيّ الذي يتبعه كلام المجنون الهاذي وموضعه المفضل هو "دائمًا في الأرض القفر، فالأرض الوحيدة التي تتحرّر فعلًا من كل القوانين هي الأرض التي لا يسكنها إنسان". وفي هذه الحال، "هنالك خيال في الكلمات، وليس في الأفكار والتصورات العقليّة فحسب". إنّها عمليّة عكسية، وهي أشبه بانبثاق.
وبما أن لغتنا تولد وسط عالم من المفاجآت، إذ تبدو أقرب لاكتشاف حلمي، بينما النحو يسعى إلى وضع الحدود، فإنّ الأعمال العظيمة تأتي عادة من خارج السور، إن المتبقي يثوي هناك في ظلمة الهذيانات الصوفيّة والشعريّة، في عتمة الجنون وتوتر الإبداع، منتظرًا أن نبتعد عن المنطقة المنارة بتعليمات وإرشادات توجيهية، وهناك ـ بحسب لوسركل ـ لا يمكننا أن نعرف ما سنعثر عليه ونحن نقوم بهذه "التطوافات خارج الأرض المحروثة". لأن الكاتب المختلف يعطيها الفرصة كي تتكلم من خلاله، فهو الشخص الوحيد القادر بتعبير كارل كراوس على أن يعيد العذريّة لتلك المومس الكونيّة: اللغة.
هوامش:
ــ جان جاك لوسركل، عنف اللغة، ترجمة: د. محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، 2006.
ــ دي سوسير: عالم لغوي سويسري، يعد بمثابة الأب للمدرسة البنيويّة في علم اللسانيات. وعدّه كثير من الباحثين مؤسس علم اللغة الحديث. وقال إن اللغة يجب أن يُنظر إليها كظاهرة اجتماعية.
ــ الهايدغري: نسبة إلى الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ميز بين الوجود الأصيل والوجود الزائف عبر اللغة.
ــ لويس لانديرو، ألعاب العمر المتقدم، ترجمة صالح علماني.
* كاتبة سورية.


تحميل المقال التالي...