}

"غيرنيكا العرب": عن مجزرة صبرا وشاتيلا

منى سكرية منى سكرية 19 سبتمبر 2025
استعادات "غيرنيكا العرب": عن مجزرة صبرا وشاتيلا
بقيت المجزرة محفورة في ذاكرة الفلسطينيين (Getty)
لكل مجزرة "غيرنيكيتها". تختلف تواريخ وقوعها. تتفاوت أعداد أرقام ضحاياها. تتحوّل مادة إبداع: جداريات فنون تشكيلية، بوح أحزان في قصائد شعراء، سرديات أعمال روائية، وفي مُخيّلات أرباب الفن السابع.
عندما يصعد الدم من الدم يتوهّج الأحمر بألوانه. تتبعثر الأيادي المبتورة. لم تعد حجمًا بقياس الأعمار. تندلق من بطون الحوامل المبقورة "خداديج" مقتولة حُكمًا. تتغوّر العيون المسمولة، وتَهيم في مجرى السؤال، معنى السؤال؟ في غيرنيكا المجازر تبحث العيون المفقوءة عن أيادٍ تلملمها. تلمُّ شمل جسد كانت منه وفيه إلى ربِّها ناظرة. إلى سواطير ملتهبة بغرائزية طقوس القتل.
لكل مجزرة "غيرنيكيتها". تتوزع بالجغرافيا. تتلاقى في الأحمر المُتوهّج للعثور على أشلاء متناثرة في أكوام أجساد كانت حياة. في رؤوس قطعتها سيوف الحقد. في أسماء ضاعت بين ركامات الردم والكلس الأبيض ومقابر جماعية.
في الذكرى الـ43 لمجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي ارتكبها فاعلون معروفون بالأسماء الحقيقية عام 1982 عند تخوم العاصمة بيروت: إسرائيل وعملاؤها من ميليشيا القوات اللبنانية. انتشوا بممارسة القتل. لكن الحكاية لم تنته. صعد الدم من الدم وصار حكايات تُروى. رُوِيت من دم الضحايا. جدّد الدم مُخيّلات الإبداع، فكانت توثيقًا وتأليفًا وشهودًا وشهداء وشاهدة قبر واحدة لمدفن جماعي بالمعنى الرمزي عند مدخل مخيم شاتيلا.
في بيروت ثمة لقاءات سنوية تحيي الذكرى، وتفتح الذاكرة على أرواح ضحايا ما تزال تُحوِّم فوق سماء العاصمة. فوق سماءات الكون. إلى جانب أقرانهم ضحايا مجازر إبادة غزة، ودير ياسين والطنطورة والمئات غيرها. في هذا الشهر "الأيلولي" حلّت يوم 13 أيلول/ سبتمبر الجاري في ملتقى دلّول للفنانين/ منطقة المرفأ- بيروت الذكرى بعنوان "شواهد النار: شهادات من الفن العربي". مجموعة لوحات فنون تشكيلية ومنحوتات برونزية، تتوسطها الجدارية المنسوجة للفنان ضياء العزاوي عن "مجزرة صبرا وشاتيلا" وتوقيعه "غيرنيكا العرب".
وأقامت أكاديمية دار الثقافة- مخيم مار الياس بالتنسيق مع لجنة "كي لا ننسى"، وحق العودة الدولية، معرضًا فوتوغرافيًا لمجموعة صور نادرة التقطها المصور السويدي كينيث غانيرسون تحت شعار: "رحلة عبر الصور لتبقى الذاكرة حية/ لنحكي سردية فلسطين" وذلك يوم 15/ أيلول/ سبتمبر الجاري في ملتقى السفير.

ينحدر عمل العزاوي من جدارية ضخمة متعددة اللوحات أنجزها في مرسمه في لندن بين أواخر عام 1982 وبدايات عام 1983، استجابة مباشرة لوقع أخبار المجزرة على مشاعره. ويصف العزاوي ما أصابه يومها بالغيبوبة الإبداعية، فاستعان بالفحم وأقلام التأشير، وأقلام التلوين، وأقلام الحبر، ليرسم على أربعة ألواح بارتفاع يقارب ثلاثة أمتار، وعرض سبعة أمتار ونصف المتر. بعد إتمام العمل أطلق عليه "غيرنيكا العرب"، وصار من مقتنيات متحف "تيت" في لندن.




ونظرًا لهشاشة سطح الورق وصعوبة نقله، قامت مؤسسة رمزي وسائدة دلول للفنون بتكليف مصنع الأنسجة الملكي في مدريد بتحويل هذا العمل إلى جدارية منسوجة. وبين عامي 2014 و2018 عمِل أكثر من ثلاثين حرفيًّا على ترجمة كل صرخة، وكل ندبة إلى خيوط على أنوال عمرها 300 عام. وهذه المرة الأولى التي تُعرَض في بيروت، كما أعلن الدكتور باسل دلّول، مؤسس الملتقى. في هذا المعرض تتجاور لوحات تحكي العنف وضحاياه من المدنيين، من بينها لوحة يوسف عبدلكي "طفل من غزة" – 2023 (فحم على ورق) وكانت استجابة مباشرة منه مُجسدًا بصورة وحش/ ذئب مدجج بكل الأسلحة في شدقه ومؤخرته وما يتدلى منها من البطن والصدر مسيطرًا على طفل ممدّد أرضًا بلا فاعلية. لكن كاتيا طرابلسي ترى في القذيفة النحاسية مادة فنية ألبستها وأحاطتها بمفاتيح العودة/ رمز الشعب الفلسطيني، إلى فنانين عرب شاهدوا العنف في بلدانهم، وشهدوا عليه بما جادت مخيلاتهم.

أرض مجزرة صبرا وشاتيلا

قبل 43 عامًا، كانت سماء مدينة بيروت شاهدة على أصوات متنوعة الصدى: أصوات سواطير كتمت أصوات أنين الضحايا. أسماء ضحايا كشفت أسماء حاملي السواطير ومن خلفهم وبإمرة جيش الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، بعد وعود دولية للقيادة الفلسطينية بحفظ أمن سكان المخيمات بعد خروج القيادة. وعلى مدى أيام ثلاثة بدأت مساء 16/9/1982 وانتهت يوم 18 منه، كانت أجساد آلاف المدنيين من الغالبية الفلسطينية وبعض عائلات لبنانية تشاطرهم سكن المخيمات عبارة عن أكوام/ أجساد تتراكم في الأزقة الضيقة للمخيمين المذكورين، وأشلاء انفصلت عن تلك الأجساد بالتقطيع والقتل تحت أضواء القنابل المضيئة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق المخيمين وبكثافة في تلك الليلة.

"غيرنيكا العرب" لضياء العزاوي 


ما تزال مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا رغم كل المجازر التي أصابت الشعب الفلسطيني، وخاصة الإبادة في غزة، تُشكّل محطة أسى في الذاكرة، وثياب عار في تاريخ الحرب الأهلية في لبنان، ووصمة على جبين اللاعدالة الدولية. وقد أثارتها وسائل إعلام كثيرة، وصمت عنها آخرون. كانت الصور الملتقطة أبلغ من أي كلام، أو نواح أو عويل، أو بيانات الإدانة، أو أي
توصيف تعجز عنه اللغات، وإن تكُن مأساة غزة جبّت ما قبلها.
إثر انتشار خبر وقوع المجزرة، سارعت فرق الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني إلى تلك البقعة، واحتمى أفرادها بكمامات تصد الروائح المنبعثة من لحم ودم تحت حرارة الشمس، والتشوهات التي أخذت ترخي بندوبها على الأجساد الممزقة. تسارعت أعمال فرق الدفاع المدني لتسجيل ما أمكن من أعداد جثث هنا وأعضاء من أجساد هناك في أزقة المخيمين، تمهيدًا لدفنها في مقابر جماعية انحفرت على عجل لتعذر نقل الجثث على نقالات مُسطّحة مخصصة لأعمالهم في مثل هذه الحالات. تفاوتت أرقام أعداد الضحايا تبعًا لغايات سياسية، واقتربت من الرقم 3 آلاف، وأحصت – ما استطاعت - المؤرخة بيان نويهض 1500 اسم لأشخاص كانوا أحياء وقتلوا بالمجزرة. وبقي التقرير الفعلي طي الكتمان.
وفي إسرائيل تشكلت لجنة كاهان للتحقيق بالمجزرة ومسؤولية وزير الدفاع حينها آرييل شارون. وحضرت الممرضة الأميركية هيلين سيغل إلى الشهادة أمام لجنة كاهان تحقيقًا لأرواح الضحايا ممن شاهدتهم جثثًا مقطعة، أو من النساء والأطفال الذين لجأوا إلى مستشفى عكا - القريب من موقع المخيمين صبرا وشاتيلا- وكانت تعمل فيه. قالت إن هؤلاء لم يقووا على الكلام في تلك الليالي، وكذلك الجرحى الذين توافدوا بالعشرات، وسط ذهول سيغل وزملائها. هيلين سيغل الممرضة الأميركية وكانت من ضمن فريق من أطباء وممرضين وممرضات أجانب وعددهم اثنان وعشرون من عدة دول أوروبية ومن الولايات المتحدة الأميركية.
ومثل سيغل فعل الطبيب البريطاني بول موريس بإفادته أمام لجنة كاهان وكان من ضمن الفريق الطبي الأجنبي في مستشفى عكا. ومثلهما فعلت الطبيبة السنغافورية سوي شاي آنغ أمام لجنة "كامبريج" ومعها صور وثّقتها من داخل مستشفى عكا لما ارتكبه الجيش الإسرائيلي وميليشيات القوات اللبنانية المتعاونة معه وتحت أمرته.




من حكايات تلك اللحظة وفي مستشفى عكا، ذكرت مديرة المستشفى عزيزة الخالدي عن تكرار نداءاتها إلى الصليب الأحمر الدولي دونما استجابة. وحكت عن رفض الأطباء من الجنسية النرويجية في الفريق الطبي مغادرة المستشفى عبر سيارات سفارة بلادهم، بعد أن حملت هذه السيارات كميات من العلاجات الطبية الطارئة للمستشفى. أما واحدة من المفارقات المضحكة/ المبكية، أن ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي وعناصر القوات اللبنانية الذين دخلوا إلى مستشفى عكا اقتادوا الفريق الطبي الأجنبي للتحقيق معهم ولكن في ساحة مبنى الأمم المتحدة وتحت رايتها في المنطقة القريبة جدًا من مكان مجزرة المخيمين.
في سياق الحديث عن تلك المجزرة لا بد من الحديث عمَن عملت على تخليدها كتابة وتوثيقًا وأعني المؤرخة الدكتورة الفلسطينية بيان نويهض الحوت (رحلت يوم 12 تموز/ يوليو الماضي من هذا العام)، والتي أخذت على عاتقها الشخصي أن تكون وفيّة لهؤلاء الضحايا. فسارعت إلى توزيع استمارات على أبناء المخيمين لتسجيل أعداد الضحايا، وفئاتهم العمرية والجنس. وبعد إنجاز الكثير احتفظت بهذه الأوراق مدة عشرين عامًا كي تتسنى لها طباعتها وصدورها عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية باللغتين العربية والإنكليزية (802 صفحة مع صور) ليشكّل هذا الكتاب مع مرور الزمن المرجع الأساس لتوثيق تلك المجزرة.
لا بد أيضًا من الإشارة هنا إلى كتاب/ وثيقة للكاتب الأميركي سث أنزيسكا الذي نشأ على تربية يهودية مؤيدة للصهيونية وكان يشارك في معسكرات تدريب دينية في إسرائيل – كما يذكر في كتابه هذا -، الأمر الذي جعله يلاحظ التفاوت في الحرية ما بين الإسرائيلي والفلسطيني لمصلحة الأول طبعًا، الأمر الذي قَلَبَ وعيه وإدراكه للواقع.
أنزيسكا أصدر كتابًا بعنوان "قطع الطريق على فلسطين: تاريخ سياسي من كامب ديفيد إلى أوسلو"، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. في هذا الكتاب كشف في الفقرة تحت عنوان مذبحة صبرا وشاتيلا عن معلومات خطيرة للغاية، ومنها اجتماع حصل بين شارون والرئيس المرشح لرئاسة الجمهورية بشير الجميل حليف إسرائيل يوم 31 تموز/ يوليو 1982 أثناء الاجتياح ليبلغه شارون بضرورة إنهاء الوجود الفلسطيني من مخيمات لبنان، وموافقة الجميل على ذلك. وكشف عن اللقاء المتوتر بين إسحق شامير وكان وزيرًا للخارجية مع موريس درايبر، مساعد وزير خارجية أميركا فيليب حبيب، وبحضور شارون حيث كان شارون يخاطبه بعنف وتعنيف عندما حاول درايبر لوْم شارون على دخول العاصمة بيروت، ولكنه تراجع أمام لهجة شارون العنيفة واللامبالية لكلام المسؤول الأميركي فما كان من درايبر إلا أن وافق على تأجيل طلبه انسحاب الجيش الإسرائيلي من العاصمة لمدة يومين لتزامنها مع عطلة رأس السنة اليهودية والتي تبدأ مساء 16 أيلول/ سبتمبر، وبذلك يكون الأميركي وفّر الغطاء للإسرائيلي وعناصر الكتائب والقوات اللبنانية بارتكاب المجزرة.
أما في الفقرة تحت عنوان "ضوء أخضر أميركي"، فيكشف أنزيسكا في الوثيقة التي يتضمنها كتابه، كيف أن ألكسندر هيغ أعطى ضوءًا أخضر أميركيًا لشارون باجتياح لبنان عام 1982 عندما قال له: "يجب أن يكون هناك استفزاز يسهل تلمسه. آمل أن تدركوا الحاجة إلى استفزاز ليكون هناك تفهم على الصعيد الدولي". فكانت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف يوم 3 حزيران/ يونيو 1982، وما تلاها من اجتياح.
بعد سنتين على وقوع المجزرة أسّس المناضل اليساري الإيطالي ستيفانو كاريني لجنة "كي لا ننسى شهداء صبرا وشاتيلا"، وكان يأتي سنويًا على رأس وفد لإحياء الذكرى، مع سيغل وسوي وآخرين لزيارة مكان وقوع المجزرة ووضع أكاليل الزهور.
توفي ستيفانو قبل سنوات، ولكن اللجنة استمرت. وتوفيت سيغل، ورحلت بيان نويهض صديقة اللجنة والمُحتفية بهم لما قاموا به في تقديم الشهادة لضحايا مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا. لكن نشاط اللجنة لم يتوقف إلا بفعل انتشار وباء كورونا، وسيكون أبناء المخيمين على موعد معهم هذا الشهر ضمن برنامج مكلّل بباقات زهور يضعونها على شاهدة واحدة لقبر جماعي عنوانه: هنا ترقد واحدة من مئات المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني...

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.