لم أكن أعرفه ولم ألتق به، رغم رسوخ إيقاع أغانيه وكلماتها، في وجداني. يقف زياد الرحباني وراء سجل الأغنية الفيروزية، عنوان لحظة تَدَفُّقٍ رقيقة وشجية. كان الرفيق المرحوم كريم مروة أول من حدّثني عن زياد الرحباني، نهاية ثمانينيات القرن الماضي، كما حدّثني عن علاقته بالحزب الشيوعي اللبناني، قبل أن يحدّثني عن موسيقاه وكلماته وألحانه، وعن مسرحياته وروحه المبدعة والمتمردة، والمنخرطة في الآن نفسه، في معانقة قضايا التحرر العربي. وكنت أشعر وأنا أستمع لكلمات من يحدّثني عن زياد، أنني أمام ظاهرة تتمتع بمزايا عَزّ نظيرها في مجال الموسيقى العربية. صحيح أنه يمكن أن ندرج أعماله، في سياق الموسيقى الرحبانية، كما يمكننا أن ندرجها ضمن الأعمال، التي أنتج كل من الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، في سياق الأغنية السياسية الملتزمة، والمهمومة بمعضلات التأخر التاريخي العربي، إلا أن اللمسة الفنية الرحبانية، منحت آثاره الموسيقية طعومًا أخرى.
نزل خبر وفاته كالصاعقة، رغم أن موسيقاه تصنع كثيرًا من ألوان المرح والسخرية في حياتنا، وتمنح وجودنا فائضًا من الوجود والمعنى. لم يكن زياد مجرد موسيقي من عائلة احترفت الموسيقى والغناء، ولم يكن مجرد ابن للسيدة فيروز، ذلك أن إبداعه الموسيقي والمسرحي، وما خلَّفه في سجلِّ كلمات الغناء، التي كتب ولَحَّن ثم وَزَّع، تكشف أننا أمام فنان بمواصفات خاصة. وعندما نضيف إلى كل ما سبق، التزامه السياسي وانحيازه المعلن لقيم التاريخ والتقدم، ندرك دلالة الخبر الصاعقة، خبر إعلان رحيله عن عالمنا.
ارتبط إبداع زياد بروح التكوين الموسيقي الذي تلقاه داخل أسرته. وقدّم في سِجِلُّ أغاني فيروز مجموعة من الأغاني التي تغذّي منذ أزيد من ستة عقود، وجدان أمة كاملة. وقد شكلت أسرة الرحباني، ما يعني اليوم وغدًا، أحد الوجوه المشرقة والفاتنة للموسيقى في لبنان وفي العالم العربي، حيث تحضر الإيقاعات الرنّانة والملوّنة، لتملأ الأمكنة بعذوبة الأنغام والكلمات. يحضر بهاء زياد، كما يحضر تواضعه وتعلقه بالقيم النبيلة في عصرنا، قيم العقل والجمال والتقدم. لنقف لحظة أمام سِجِلِّ كلمات أغانيه، حيث ظل يعمل على تحويل الدارج في العامية اللبنانية إلى مفردات راقصة، ومحمولة بإيقاع يغذيه وجدان رهيف وشفاف. أما مسرحياته فقد عَمَّمَت بدورها لغة جديدة، من أجل خدمة القضايا التي اتجه للعناية بها، قضايا لبنان والمحيط العربي، في زمن الانحطاط الأكبر في عالمنا.
كان زياد طيلة عمره مثار جدل متواصل بين مجايليه، جدل في الفن والموسيقى، وفي المسرح والسياسة. ولم يكن هذا الأمر يرتبط بأسرته المعروفة بحضورها الفني البارز في فضاء المحيط العربي، من المغرب إلى الخليج العربي، بل إنه ارتبط بمساره الفني، كما ارتبط بنوعية الحضور الذي اختاره في دوائر الموسيقى العربية، وذلك في علاقة بنوعية الحضور السياسي والثقافي والإعلامي الذي التزم به طيلة حياته، وانعكس على نوعية حضوره الفني؛ إذ اجتمعت في شخصيته أسئلة اللحظة اللبنانية بمختلف ألوانها ومآزقها؛ ولم يكن بمقدوره، في الآن نفسه، أن يبتعد عن أهم أسئلة الحاضر العربي في غليانه، وفي مختلف التراجعات التي عملت في السنوات الأخيرة، على مزيد من تمزيقه، ومزيد من إبعاده عن القيم المرتبطة بمشروع النهوض العربي. تجلى ذلك في نوعية العلاقات التي حرص فيها زياد على الالتحاق باليسار اللبناني (الحزب الشيوعي اللبناني) والمقاومة الفلسطينية، وكذا رفضه للهيمنة الأميركية الغربية على المشرق العربي. وقد عمل طيلة حياته في الموسيقى وفي الغناء والمسرح، على إنجاز ما يوضح خياراته السياسية، وشكلت السخرية في المسرح والغناء، سلاحًا ساعده على مواجهة أسئلة السياسة والتاريخ بطريقته الخاصة.
سمح رحيل زياد بفيض من الاقتراب منه، ومن آثاره الفنية، فوجد المهتمون بموسيقاه وأغانيه وأعماله المسرحية، وكذا في مواقفه الثقافية والسياسية، أنهم أمام نوع آخر من الحضور، يلتقي فيه مع البعض، ويختلف مع البعض الآخر. وقد تجاوزت مستويات حضوره في وسائط التواصل الاجتماعي، ما فاق أنماط حضوره المعتاد في الإعلام التقليدي. صحيح أن زياد كان بطبعه متواضعًا، كما كان خجولًا ومترددًا، وتميزت لقاءاته الإذاعية والتلفزية بالقلّة، كما تميزت بأحاديثه المختزلة والمشحونة في الآن نفسه، بنوع من الصمت والخجل، الإشارة والابتسامة، واكتفى فيها زياد أحيانًا أخرى، باستعادة السؤال الذي يوجّه إليه من طرف محاوريه، بنبرة يفترض أنها تستوعب الجواب، في الوقت الذي كان يكتفي فيه بتكرار السؤال. لا يريد زياد أن يوهم من يحاوره بمعرفة معينة، يريد فقط أن يبرر طريقته في النظر والفهم، فقد لا تكون إجابته مُقنعةً أو واضحة تمام الوضوح. من هنا تأتي أهمية حواراته المفتوحة والمضيئة، والمليئة في الآن نفسه، بكثير من الريبة والتردد، بحكم أنه يجد نفسه في مجتمع لم ينجح في تجاوز طائفيته، التي تعيده إلى حالة ما قبل مجتمعية، حالة مِلَلٍ وطوائف. ولهذا السبب جاءت أعماله مشحونة بكثير من المرارة والسخرية.
لم يكن زياد يتردد وهو يواجه بكثير من الشجاعة والجرأة، أسئلة السياسة والثقافة والفن في عالمنا، بل إنه كان يتحدث بلغة غير مألوفة في فضاءات التواصل والإعلام، وإذا كان من المؤكد، أن بعض محاوريه كانوا يشعرون أحيانًا بضيقه من بعض أسئلتهم، إلا أنه كان يحرص على التقاط أنفاسه، ثم يحاول بناء وجهة نظر في موضوع السؤال. وعندما نتأمله متحدثًا، نشعر بحضور نوع من الهشاشة في عينيه، كما نحس ببريق من الذكاء في حركته، وفي صمته، وفي اختيار كلماته، وتكتمل صورة حضوره بالابتسامة التي لا يخفيها. عنوان الأمل الذي لم يفارقه.
لا يتردّد زياد في نقد ذاته، ينتقد أحوال لبنان، يسخر من نفسه، يسكت أحيانًا أخرى أمام من يحاوره، يبتسم، وأحيانًا يكتفي بكلمة أو جملة، وقد استوعبت كثير من حواراته لحظات صمت وحركات، لحظات تردد وريبة، وهذه اللحظات المركّبة، تشير إلى جوانب من كيفيات نظره لما هو بصدد التفكير فيه.
تنوّع عطاء زياد في الموسيقى وفي كتابة الكلمات، وفي الكتابة المسرحية، كما تنوّع حضوره الإعلامي في الصحافة والإذاعة، وتُشكّل آثاره اليوم تراثًا موسيقيًّا حافلًا، كما يُشكّل حضوره الثقافي والسياسي عنوانًا مضيئًا في فضاء المحيط اللبناني والعربي. نختلف معه أو نتفق في مختلف ما أنتج، ويحصل الأمر نفسه، في مستويات حضوره السياسي، إلا أننا لا نملك القدرة على إنكار أو نفي ما كان يتمتع به من فضائل التواضع والسؤال، فضائل الانخراط في مواجهة الأسئلة الصعبة في المجتمع اللبناني وفي المحيط العربي.


تحميل المقال التالي...