قدم للمشاهد العربي خلال مسيرته الاستثنائية حكايات عن فلسطين وسورية والخذلان والانهيارات والانتصارات، واستطاع رسم لوحات ملحمية في أعماله التاريخية التي عكست قصص شخصيات خالدة ونبض الشعوب في مراحل مختلفة من التاريخ. وعرّى المجتمع وهموم السوريين والعرب بعمق واتزان ووعي كبير وواقعية في أعماله الاجتماعية، وتحدث بلساننا جميعًا عن الحرية والفقر والاستبداد والبطالة ومآسي المهمشين وسكان العشوائيات، مبتعدًا كل البعد عن الروايات الرسمية وتجميل الواقع ونشر الأوهام مع كتّاب شركاء غاية في التميز والمعرفة والموهبة.
رحل مبكرًا مباغتًا الجميع، تاركًا فراغًا كبيرًا في المشهد الثقافي السوري والعربي، وتاركًا أيضًا المشاهد وحيدًا يبحث عن الفن الذي يواجه الطغيان وهمجية هذا العصر وقسوته.
بدأ مسيرته الدرامية كمخرج بالعودة إلى التاريخ والسيرة الشعبية في مسلسل "الزير سالم" ذاهبًا إلى الصحراء وخيام الثأر والحروب التي لا تنتهي مع دراما شهيرة للكاتب والأديب الراحل ممدوح عدوان عن سيرة تُروى عادة في المقاهي الشعبية في بلاد الشام، ولها أصول تاريخية تطورت مع مرور الزمن واختلفت عن التاريخ في الكثير من مفاصلها. وقد أثار هذا العمل الكثير من الجدل، بعد أن قدّم الزير سالم ذلك البطل الشعبي الذي لا يُشق له غبار كإنسان من لحم ودم، يبكي ويضعف ويصرخ ويرتكب الآثام ويشي بصديقه، ويدمن على الكحول، ويبيع ابنته في آخر حياته لينتهي نهاية تراجيدية مؤلمة على يد شخصين وضيعين في الصحراء يقومان بقتله، خلّص الحكاية من الأوهام بجهود الكاتب معه ورسم مشهدية بصرية إبداعية مؤثرة، جعلت العمل خالدًا وجماهيريًا لسنوات طوال: "الخيال الشعبي صوّر الزير على أنه بطل خارق. فجاء العمل لينزله من عليائه ويضع قدميه على الأرض"، كما قال حاتم علي ذات يوم.
وجاء مسلسله الشهير "التغريبة الفلسطينية" عام 2004 ليوثق فيه معاناة الشعب الفلسطيني، ويروي ملحمة تاريخية فلسطينية تبدأ من الثلاثينيات حتى النكسة في 1967، كتبه الدكتور وليد سيف، وهو من أضخم الأعمال الدرامية العربية وأهمها التي تناولت قضية فلسطين ورصدت قصة أسرة فلسطينية فقيرة تكافح من أجل البقاء في ظل الانتداب البريطاني، ثم خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، وفي مخيمات اللجوء بعد النكبة. وكان هذا المشروع استثنائيًا كما قال: "حاول العمل أن يقارب القضية الفلسطينية من زاوية مختلفة عن كل المقاربات السابقة التي كانت تركز على تقديم الفلسطيني سوبرمانًا ومناضلًا ومقاومًا فقط، وقدمه ليس كضحية فقط بل كجانٍ ارتكب الأخطاء، وأعاد رواية الحكاية بعمق إنساني بلا ادعاءات وشعارات كبيرة".
والحقيقة أن المسلسل ساهم في صناعة الذاكرة، وجعل المشاهد يلاحق شخصيات أبدعت فيه، ويلاحق القصة والمشهد البصري المدهش، ومستوى التمثيل والموسيقى، والتصوير الذي قامت به كاميرا محترفة تلونت بأحداث النكبة والثورة ومشاعر الحب والخيانات، ووجع المخيمات ووحشية الاحتلال ومجازره.
وساهم في تنشيط الذاكرة الفلسطينية بعد أن راهن الصهاينة على طمسها واغتيالها. وربما يعود ذلك إلى أن حاتم علي، وهو أحد أبناء الجولان المحتل، عاش تجربة تتقاطع في الكثير من تفاصيلها مع شخصيات المسلسل: "عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك. وكنت في 1967 بعمر صالح الذي كان يحمله خاله مسعود. لقد كنت محمولًا بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي. وأنا أقول دائمًا إن القضية الفلسطينية قضيتنا جميعًا كعرب".
كان المخرج الراحل يرى أن العودة إلى التاريخ ليست هروبًا من استحقاقات الواقع، بل محاولة لقراءة الحدث المعاصر قراءة أكثر عمقًا، لأن كل ما نعانيه في منطقتنا العربية اليوم، جذوره ممتدة في التاريخ: "كارثتنا العربية الكبرى هي من مشكلات الماضي التي لم تُحل". ولذلك قدم رائعته "ثلاثية الأندلس" وأعاد للأذهان مجدًا غابرًا بتحفة فنية نادرة، ومشاهد بصرية فريدة من نوعها لكل المشاهدين: "صقر قريش" تأليف د. وليد سيف، 2002، وهو المسلسل الأول في الثلاثية، التي تحكي عن تاريخ المسلمين في الأندلس، بدءًا من نشأة الخلافة الأموية فيها، ويحكي قصة الأمير عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام، حفيد عاشر الخلفاء الأمويين، ومؤسس الدولة الأموية في الأندلس، بلقطات مثيرة وبمهارة عالية في أجواء طبيعية خلابة، وقد انحاز فيه إلى المهمشين في المصادر التاريخية كالخدم والجواري والمعاونين، لأنه يدرك دورهم في صنع الأحداث. وتضافرت في هذه التحفة الفنية عناصر التمثيل والتصوير الفني والخيال وجماليات التراث الأدبي العربي.
تلاه مسلسل "ربيع قرطبة" عام 2003 للكاتب نفسه، الذي يحكي عن الفترة التاريخية التي ازدهرت فيها هذه المدينة، قبل زمن ملوك الطوائف وعهد الدولة العامرية، ويقدم صورة للأندلس في تلك الفترة ويركز على قدرة العرب على صد الملوك الأوروبيين القريبين منهم في ممالك قشتالة وليون.
ثم مسلسل "ملوك الطوائف" عام 2005، ويحكي عن فترة ما بعد سقوط الخلافة الأموية هناك، ونشوء الدويلات الصغيرة المتناحرة في مدن الأندلس، وظهور ونشأة المرابطين في المغرب. وقد اعتبر النقاد هذه الثلاثية الأضخم فكريًا وتاريخيًا وأدبيًا في تاريخ الدراما والسينما العربية.
"كانت الحرية، كما قال حاتم علي، أقل من غيرها في مسلسل عمر. عندما قدمنا شخصية الخليفة عمر بن الخطاب. كنا نمشي في حقل ألغام ونحتاج إلى روافع واستشارات دينية. رغم إيماني بأنه لا وصاية على الفكر". وفعلًا هذا ما جرى، إذ كانت رحلة إقناع المؤسسات الدينية بعرض هذا العمل طويلة وشاقة، ولكنها تجربة مهمة وضرورية، لأن تهميش هذه الشخصيات دراميًا هو شكل من أشكال تهميشها في الواقع والتاريخ أيضًا. ولقد أثار مسلسل "عمر" الكثير من الجدل والاتهامات، وواجه اعتراضات من الهيئات الدينية والشرعية العربية، واستهجانًا لتجسيده الخلفاء الراشدين، لكنه عُرض في النهاية وهو سيرة ذاتية قدم لنا الخليفة الراشدي بتناقضاته وحنكته وتقشفه وعدله، وكأنه يريد أن يُخرج المشاهد العربي من الانبهار بالموروث الديني إلى احترام ما يُحترم وإدانة ما يجب إدانته.
هناك أيضًا أعمال تاريخية أخرى للمخرج الراحل منها: مسلسل "صلاح الدين الأيوبي" الذي تناول سيرة هذا القائد الذي أسس الدولة الأيوبية ووحد المسلمين واستعاد القدس. ومسلسل "الملك فاروق" عام 2007 الذي يروي سيرة آخر ملوك مصر (فاروق الأول) من الطفولة حتى نفي عائلته بعد ثورة تموز/ يوليو 1952، وهو من تأليف: لميس جابر. ومسلسل "صراع على الرمال" تأليف: هاني السعدي، وخيال وأشعار: محمد بن راشد آل مكتوم. تدور أحداثه في بداية القرن الثامن عشر في أحد البلاد العربية، ويتناول قصة قبيلتين متصارعتين تسيل بينهما الدماء والفجائع.
قدم الفنان الراحل أعمالًا اجتماعية متميزة أيضًا تحدثت بلسان الناس ورصدت معاناتهم الاقتصادية والمعيشية والسياسية، وسلطت الضوء على الفساد المستشري والقوانين الجائرة وخاصة ما يتعلق منها بالمرأة، كمسلسل "عصي الدمع" الذي يروي أحداث سورية المعاصرة ومشاكل المراهقين، ونظرة الدين للمجتمع والمرأة، وكواليس القضاء، وهو من تأليف دلع الرحبي، وكان تحفة فنية وموسيقية كما ذكر بعض النقاد. وهناك مسلسل "ندى الأيام" المنفصل المتصل، الذي يرصد أوضاع 12 فتاة منذ افتراقهن بعد شهادة الثانوية في 1996 حتى اجتماعهن في 2006. تأليف: كوليت بهنا – دلع الرحبي – ريم حنا – لبنى مشلح. وكان في إخراجه إلى جانب حاتم علي كل من هيثم حقي والمثنى صبح. ومسلسل "الغفران" الذي يرصد حياة الطبقة الوسطى بمجتمعنا وحكايا الحب والخيانة والفراق والفساد.
ومن أبرز أعماله الاجتماعية التي تركت صدى واسعًا ومتابعة جماهيرية عربية كبيرة لسنوات مسلسل "الفصول الأربعة" لريم حنا ودلع الرحبي، والذي عكس الواقع السوري بروح كوميدية راقية وبسيطة وإنسانية، وركز على حياة الأسر الشامية بكل ما تحمله من روابط اجتماعية متماسكة، وصراعات خفية، بحوارات بسيطة وبمشهدية أنيقة وشاعرية.
ونال عمله الأبرز "العراب" في جزأيه: "نادي الشرق" سيناريو: رافي وهبي و"تحت الحزام" لخالد خليفة وأحمد قصار، اهتمام المشاهدين والنقاد، وهو اجتماعي سياسي، يرصد الجريمة المنظمة والفساد في السلطة، ويعري المسؤولين الذين يرتكبون جرائم القتل والنهب لبناء إمبراطورياتهم المالية الاقتصادية. ويوضح الصراع الذي ينتقل من جيل الآباء إلى جيل الأبناء ليبقى مفتوحًا وداميًا إلى أجل غير مسمى من أجل النفوذ والثروة.
ومن أعماله الاجتماعية أيضًا "أحلام كبيرة" الأكثر تعقيدًا وتراجيدية، والذي تحدث عن انكسار الروح، وثنائية الابن البار والعاق، والصراعات والتناقضات في مجتمعاتنا، والتعقيدات الأسرية والطائفية. وقد حمل في حلقاته كمًا هائلًا من الشجن والحساسية والحب والصدمات والحزن الكبير. تأليف: أمل حنا.
لم يكن حاتم علي مخرجًا فقط كما قال عدد من المختصين بفن الدراما والسينما. كان نحاتًا للذاكرة، ورسامًا للمعاناة، ترك أعمالًا خالدة هي جزء أصيل من الذاكرة الثقافية العربية. عُرف بتواضعه وثقافته الواسعة ومساعدته وتبنيه لجيل الشباب. استطاع كتابة التاريخ بصريًا "جعل الدهشة عادة. ترفٌ فني. روح عروبية" يدافع عن آرائه بهدوء. محبًا لفلسطين التي ودعته وداعًا مهيبًا، وسمّت أحد شوارعها باسمه.
وُلد الراحل في مدينة فيق بالجولان السوري المحتل عام 1962. درس التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وتخرج منه عام 1986، ليصبح بعدها أحد أبرز صناع الدراما العرب. عمل في المسرح، وشارك كممثل في العديد من الأعمال الدرامية. تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عديدة، وحازت على الكثير من الجوائز منها: جائزة تايكي لأفضل مسلسل تاريخي عربي، "عمر" 2012. وجائزة مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون لأفضل مخرج عربي عن مسلسل "صلاح الدين" 2002. ثم "الملك فاروق" 2007. والجائزة الذهبية عن "ملوك الطوائف" (2005) في مهرجان الإعلام التونسي. وأفضل مسلسل درامي عربي عن "الزير سالم" في مهرجان الخليج بالبحرين (2002). وجوائز عديدة وتكريمات عن رائعته "التغريبة الفلسطينية".
غادر سورية بعد قيام الثورة السورية، بلا ضجيج ولا شعارات كبيرة في موقف واضح رافض لاستبداد النظام الأسدي وقمعه وجرائمه. وقدم مسلسل "قلم حمرة" تأليف يم مشهدي الذي تطرق فيه لأوضاع السوريين في القاهرة بعد 2011، وللانتهاكات التي تطاول السوريات في المعتقلات، وفُصل من نقابة الفنانين التابعة للنظام المجرم بعد ذلك.
رفض الرقابة بكافة أشكالها، وجمع بين القيمة الفنية وقيمة المضمون والأفكار، وكان يرى أن الصراع في سورية ليس عسكريًا فقط، بل صراع سرديات وروايات. لم يمهله القدر ليشهد سقوط أكثر الأنظمة الشمولية إجرامًا في العصر الحديث، لكن روحه ما زالت ترفرف في دمشق يغني لها من تحدث عنهم وحمل أوجاعهم وأحلامهم الكبيرة والصغيرة في أعماله: "نامي إذًا يا روح. نامي الآن. هي آخر الأحلام نطلقها على عجل ونمضي. هي آخر الأيام نطويها على عجل ونرحل بسلام. نامي إذًا يا روحي فقد نفد الكلام".


تحميل المقال التالي...