}

في خرجة "دون كيخوت" الأخيرة

فدوى العبود فدوى العبود 2 أكتوبر 2026
استعادات في خرجة "دون كيخوت" الأخيرة
تمثال لدون كيخوت مع سانشو بانشا في مدريد (Getty)

هل كان "دون كيخوت" مجنونًا؟
بالنسبة إلى جورج برنارد شو فإن جنونه "لم يبدأ حين قرأ بل لحظة صدّق ما قرأ". لكنّه الإنسان المثاليّ – "الذي قرّر المواجهة المستحيلة مع أخطاء العالم" – في نصّ ممدوح عدوان؛ إذ تتبلور الفكرة الأساسيّة في رؤيته (1) حول قابلية كل منّا "لأن يصنع دون كيخوت على مقاس حياته".
وفق هذا الفهم، يصبح بإمكان قارئ هذا المقال أن يرسم ملامح "دون كيخوت" الخاص به، مبنيًّا على تاريخ من الثقة وتعذّر التأقلم مع العالم حين يسير في منحدر لا يمكن فهمه؛ فمعضلة "دون كيخوت" هي في الدرجة الأولى مشكلة تأقلم. وهو ابتكار أراد منه مخترعه السخرية من ذاته قبل العالم، إذ كانت حياته كجندي وسجين وكاتب فاشل سلسلةً من المآسي، فكان العلاج بالصدمة لتحطيم دفاعات العالم، ولتعزيز سوء الظنّ به باعتبار الأخير من حسن الفطن.
أرسل ثرفانتس بطله ثلاث مرّات: "في الخرجة الأولى – بتعبير عبد الرحمن بدوي – تلقى الضرب من التجار – الذين أراد حملهم على الاعتراف بأن حبيبته أجمل امرأة في الدنيا – حتى فقد وعيه. وفي الثانية، تحولت طواحين الهواء إلى مردة. وفي الثالثة والأخيرة، وهي مبتغى هذا المقال، يدرك هزيمته ويُجبر بموجب شرف الفروسيّة على العودة إلى قريته والتخلّي عن سلاحه".
كان "دون كيخوت" (2) آخر المؤمنين بوقار العالم وبراءته، نسخة مُحسَّنة من "جوستين" بطلة الماركيز دو ساد (ولا اعتبار هنا للأسبقية في تاريخ صدور أي منهما). فهو يحسب النزل الحقير قصرًا، والبغيَّ سيدةً نبيلة، والرجل الوضيع سيدًا نبيلًا. يثق بكلمة الفلاح ووعده بإنصاف الغلام، بدون أن يقدر على إدراك الشرخ بين ما يؤمن به وما يقدمه إليه الواقع. وبخلاف "جوستين" التي تدرك الواقع لكنها تعجز عن التعامل معه، فإن مشكلة الفارس النحيل ماثلة في إدراكه الذي يشدّه إلى عالم مثالي هو خير العوالم الممكنة، ليستمد منه ما يجب أن تكون عليه الأمور، وما يجب أن يكون عليه الإنسان. عالم ديدنه العدل، الذي يحمله إليه الأبطال، ينصف الضحية من قاتلها. ويرسم الحدود الدقيقة بين أصدقاء يقدرون بإخلاص، وأعداء يخاصمون بشرف ويأنفون من غرس حرابهم في ظهر مكشوف.
لم يترك ثرفانتس، مؤلف هذا العمل ومبتكره، وسيلة لإعادة صاحبنا إلى رشده، فقد كسّر له أضلاعه في الخرجة الأولى، ثم أرسل جاره ليحمله إلى داره ومكتبته "منبع جنونه". وبعث في إثره – في الخرجة الثانية – القسّ والحلاق لإعادته عن غيّه، الذي صوّر له النزل قصرًا. وفي الثالثة سئم تهويماته وقرر قتله بعد أن ردّ رشده إليه. فمن يُمنح ثلاث فرص ويضيّعها لن تضيف حياته للعالم قيمة ولن ينزع موته عنه أي شيء.
ثلاث خرجات، توازيها في عالمي ثلاثة أجيال، إذ ندرك، ونحن جيل يتوسط بين "خرجتين"، معنى أن يقتلع عدوك زيتون حقلك، أو يكسر بابك، معنى أن تتشرد من دون أن تفقد إيمانك بالبطولة، وأن تجوع من دون أن تتنازل عن حقّك في القول. وأن تدرك أن هناك أصدقاء كالمراهم على الجروح. ونحن نحتاج وقتًا أقل مما احتاجه آباؤنا لندرك كيف تزيّف الحقيقة تحت عنوان "وجهة نظر"، وتضيع المروءة تحت عنوان "كان ذلك ضروريًا"، وكيف يضع الاقتصاد الأخلاقي الحديث لغة المصلحة والبتر والضغينة والخيانة في ثلاجة اللغة فتتحول إلى "ضروريات حياتية ومصالح ذاتية"، والميديا إلى إناء تخلط فيه الحقيقة بنقيضها وتضلل فيه الأذهان الحريصة، والشريط الإخباري إلى متاهة يعرف مصمموها: أن تكرار مأساة لا ينزع عنها شرعيّتها لكنه يجعلها حدثًا اعتياديًّا.




ما سيحول معنى الكلمات التي وُجدت لتشفي إلى حراب تحدث ندوبًا، وأنت ترى ما في رأسك وتسخر منه. تترحم على الموت، وحين تعجزك اللغة تحرفها نحو تفاصيل التفاصيل لتخبر حفيدك أن عالم جده نبيل وعالمه يشبهه. فكل جيل عالم على مقاسه.
لكنك لن تبخل بإعجابك على الذين يفهمون التيار ويعرفون السير معه، وستنتمي بالتدريج إلى عالم جدك. لأولئك "العاجزون عن التأقلم والذين ما زالوا يحظون بشفقة الفن من دون أن ينالوا إعجابه".
ستراقب تغير معنى البطولة، وتهتك الحروب التي تجري خلف الشاشات، وتقليب تربة الأذهان تمهيدًا لقبولها: نصف الحقيقة ونصف العدالة ونصف رغيف الخبز الذي سيسحب من الفم. إن أحدًا لن يعترف لآبائنا ببطولاتهم وهم الذين عجزوا عن أن يمتلكوا الحدّ الأدنى من إيمان آبائهم. فسيل التنازلات لا يجرف البيوت فقط، بل يكشف أغطية القبور.
صحيح أننا نحن الذين ولدنا بين جيلين، لن نحسب النزل قصرًا، ولن نعامل البغيّ كسيدة فاضلة؛ لكنّنا وقد تعلمنا الدرس من آبائنا لن نجازف من أجل الأقل. إذ بتنا نمتلك حكمة ابنة أخ "دون كيخوت" التي قالت: "ولكن يا عمي لماذا تشغل نفسك بكل هذه المنازعات؟ أفليس الأفضل أن تبقى هادئًا في بيتك، بدلًا من أن تذرع الدنيا بحثًا عن خبز أفضل من خبز البرّ، مع العلم بأن كثيرًا من الناس يذهبون للبحث عن الصوف فيعودون مجزوزين".
عاد جيلنا خالي الوفاض، فالسحرة الذين غرّروا بالفارس النبيل مرةً سكبوا الماء لإيقاظه على حقيقة أن صحن الحلاقة فوق رأسه ليس خوذة الفارس "ممبرينو"، وحصانه فرس هزيل لا جواد أصيل. والأسرار لم تعد مع الميديا عهدًا بين حريتين، بل فضائح تذاع على الملأ.
إنّ الخوف الذي سببه "دون كيخوت" للفلاح، وهو يصرخ مُقسمًا "أن يولج رمحه في جسد الأخير فيخترقه من الجانبين، وأمره أن يدفع في الحال وبدون أن ينبس ببنت شفة، للغلام ويفك وثاقه"، سيتحول إلى فضيحة حال مغادرته فرحًا بما حقّقه. وما كان من الغلام حين طلب إليه "دون كيخوت" بعد زمن أن يروي بطولته أمام القسّ ورجل الدين، إلا أن طلب منه أن يفعل شيئًا واحدًا، ألا يتدخل في شؤون الآخرين، وإن رأى مظلومًا فليس عليه إلا أن يقفل فمه!
وفي نهاية المطاف يُقعِد المرض "دون كيخوت" على فراشه لستة أيام وليالٍ، وحين يأتي الطبيب ليعاينه يجد أنه لا أمل في شفائه، وفي إحداها يستفيق من جنونه ويعود إلى رشده ليلعن الفروسية؛ إذ يقول: "لقد كنت مجنونًا والآن صرت عاقلًا، لقد كنت دون كيخوت دي لا منشا، والآن كما قلت لكم ألونسو كيخانو".
فما هو جدير بالتبجيل انهار منذ زمن، واستُعيض بالنقيض، في سيرورة تاريخية لا يمكن إدانتها ولا القبول بها. إذ سيتحول المؤثر واليوتيوبر إلى فرسان زمننا وملهميه. والإنسان وسيلة لا غاية في سوق المناوشات والفضائح، فكل شيء مباح، وكل ما يخدم وحش وشهوة الشهرة متاح في عالم الخوارزميات.
وفي كل مرة سيأتي البطل التراجيدي بالمعنى "الهيغلي" (نسبة إلى هيغل) كي يبقى للفن حطب يلقى في ناره، وهذا بالمفهوم الأخير "إما شخص يعيش بعد أوانه أو قبل أوانه". وما يلفت النظر أن مصائر الأبطال تختلف باختلاف الوعي بالمحنة، إذ قرر ثرفانتس موت بطله.
وفي "التفاؤل أو كانديد" يُقنع فولتير "كانديد" بطل روايته بأنّ خير العوالم الممكنة ليس موجودًا، ولا ضرورة للبحث عنه إذا كان "بإمكان المرء أن يزرع حديقته". لقد قلّص أمل بطله إلى الرضا بحديقة وسياج.
ورأى دو ساد (3) أن يقتل "جوستين" بصاعقة، لكن حلوله في مجمل أعماله تأتي كسؤال مشروع وصادم ويمكننا طرحه هنا: "بالنسبة للذين يصادفون أشواك ورد الحياة، بينما يحصد الأشرار الورد، ألن يتوصلوا إلى الإحساس بأنّ الأشياء هكذا، والأفضل لهم اتباع خطوط المقاومة الأدنى؛ ألن يفضّلوا محاكاة الأشرار فيزدهروا أكثر من محاكاة الخيّرين فيخفقوا؟"...
والسؤال: هل يتعلم جيلنا بعد عودته من خرجته الثالثة مغزى قول "سنشو بنشا" رفيق "دون كيخوت" وحامل سلاحه بينما يغذّان الطريق إلى "توبوسو": "والآن يا مولاي قل لي أرجوك، ما هو الأجمل: إحياء ميّت أم قتل مارد؟".
اختار الفارس النبيل الخيار الأول، لكن ما غاب عن كليهما أنّ الأسئلة الساذجة تنتهي بإجابات خاطئة؛ فلا الميت يعود ولا المارد الخياليّ يموت لأنه فكرة. وعلى الدوام هناك من يهدر حياته في إحياء الموتى أو محاربة المردة، وسيدرك بعد فوات الأوان هزيمته لكنه لن يعدم طريقة لتجميلها وتحويلها إلى رواية عظيمة. قال "دون كيخوت": "من ينسحب لا يهرب، وأنت تعلم جيدًا يا 'سانشو' أنّ الشجاعة التي لا ترشدها الفطنة تصبح تهوّرًا، وأنّ نجاحات المتهور يجب أن تُعزى إلى الحظ لا إلى شجاعته، ولهذا فأنا أعترف بأنّني انسحبت ولكنّي لم أهرب".

* كاتبة سورية.

هوامش:
(1) ممدوح عدوان، نحن دون كيخوت، دار ممدوح عدوان للنشر.
(2) ثرفانتس، دون كيخوت، ترجمة عبد الرحمن بدوي.
(3) الماركيز دو ساد، جوستين، ترجمة محمد عيد إبراهيم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.