}

الزراعة في الشعر: مواويلُ الحصّادين وغُصْنُ بان القصائد

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 3 أكتوبر 2026
استعادات الزراعة في الشعر: مواويلُ الحصّادين وغُصْنُ بان القصائد
النخل سما في القصائد

منذ تسرّبي من عالَم الـ agriculture (أحمل شهادة في المختبرات الزراعية من الجامعة الأردنية)، منتقلًا إلى عالَم الـ culture، وأنا مشغول بمختلف تجليّات العلاقة بين الزراعة والثقافة، رائيًا أن التشابه العميق في اللغة الإنكليزية بين المفردتيْن لا يمكن أن يكون قد حدث من دون معنى وبمحض المصادفة فقط. والحال كذلك، فإن أهم انتقال حقّقه الإنسان منذ خرج من الكهوف، واقفًا على قدميْه، عازمًا على مواجهة ضواري الكوكب، وتقلّبات الليل والنهار، وشراسة الطبيعة في بعض أنواء غضبها، وانفجارات براكينها، ورعب أعاصيرها، والخراب الذي تتركه زلازلها، هو اكتشافه بركات الغراس، وتجريبه نثر البذور وانتظار النذور. فمن قال إن كل هذا وذاك ليس سوى ثقافة جذرية ميدانية منغمسة في أتون التجربة، وطالعة من آلاف أعوام التطوّر، وراسمة ملامح حضارات ما بعد الصيد وقدح الحجر بالحجر، بعد أن مكّنت التجمعات البشرية من الاستقرار، وأتاحت للأقوام أن تشيّد مفردات وجودها حول أراضي بذارها، منتظرة، برجاء ودعاء وصلوات، ما سوف يجود به ما تحت التراب من خير وخصب وأسباب بقاء وتقدّم ونماء مستدام؟ نعم، إن الزراعة، وفق كل هذا وذاك، هي ثقافة الأرض، وذروة توظيف المعارف بعد تراكمها، والإبقاء على ما ينفع الناس منها ويمكث، ويمدّ البشرية بأسباب الازدهار والتوسّع وفق متوالية المواسم، ومُواصفات المُناخ، ومُستلزمات منح البذور التي زرعها إنسان العصر الحجريّ الحديث (وربما ما قبله) فُرَصَ الانبثاق كالمعجزة، مخترقًا شقوق المدى، معلنًا عن دخول مسيرة الإنسان مرحلة جديدة لها معطياتها وعلومها وفنونها وصلواتها ومواويلها وأشعارها وأسرارها وتعاونيّاتها وضرورات تحشيد الجهود من أجلها. ولعل ما ترافق مع نشوء الزراعة عند الحضارات القديمة، ومنها السومرية (وعموم حضارات ما بين النهرين، أو وادي الفرات) والفرعونية والكنعانية وغيرها، من ربطها بالسماء، يحمل قدرًا ساطعًا من تفسير القداسة التي أولاها البشر حين تلمّسوا نتائجها وتنعّموا بما جادت به عليهم من خيرات وأسباب حياة؛ فإذا بـ"إنليل" هو إله الزراعة عند السومريين (وهو، إلى ذلك، إله الرياح والعواصف والطقس، ولا نحتاج إلى أن نفسّر مدى ارتباط كل هذا بالزراعة)، و"إيْل" هو إله المطر عند الكنعانيين (من اللافت للانتباه أن كبير الآلهة عند الكنعانيين يحمل اسم "بعل"، ولا يخفى ارتباط الاسم بالزراعة البعلية وما إلى ذلك، ثم زوّجوا "بعل" من الإلهة "عشيرة"، فلا عشيرة يمكن أن تتكوّن من دون زراعة وثمار وروافع وجود). ولأهمية الزراعة عند الكنعانيين وعلاقتها بالعناصر الأربعة: الماء والنار والتراب والهواء، فقد أولى الكنعانيون وتفرعاتهم (الفينيقيون والأنباط والأوغارتيون والأموريون وغيرهم) تلك العناصر عناية خاصة، وقدّسوها كما لم تفعل حضارة لا بعدهم ولا قبلهم (قليلة هي الحضارات التي سبقتهم). كما تعددت في معتقداتهم وطقوسهم الآلهة المرتبطة بكل ذلك، وبعض المؤرخين يؤكدون أن "داجون" هو إله الزراعة عندهم (بعضهم يجعله إله الخصب والعطاء)، وربما هذا ما يفسّر وجود عديد القرى الفلسطينية التي تحمل، أو مقطعٌ منها، مفردة "دجن" مثل "بيت دجن". ومن آلهة الخصب عند الكنعانيين واحد اسمه "شان" وإليه يرجع اسم مدينة "بيسان" (أو بيت شان) الغورية التي تغنّي لها فيروز "بيتٌ وشبّاكان بيتنا في بيسان". حتى كرْم اللوز جعل له الكنعانيون إلهًا هو الإله "كرمل" وكلنا يعرف بهاء جبل الكرمل فوق حيفا الساحل والبحر. وعلى سيرة كرم اللوز والكرمل، فإن "كرمة" هو إله الزراعة عند الأنباط بعدما انفصلوا عن الكنعانيين وأسسوا حضارتهم المستقلة وعاصمتها البتراء الوردية الزاهية، ولا يخفى الربط بين الاسم وكروم العنب وما يتقطّر من عناقيد تلك الكروم، وبما يفيض على الحاجات الأساسية الأولى (الماء والكلأ والأمن) نحو ما حققه الإنسان من رفاه في مرحلةٍ ما من مراحل تأسيس مفردات هويته الإنسانية وبصمته التي تميّزه عن باقي مخلوقات الله وكائنات الكوكب؛ فكانت العبادات، وكانت المعابد، وصولًا إلى الأديان السماوية. مراحل وتجليات ظهرت فيها المزامير والتراتيل والصلوات والأدعية والترانيم وصولًا إلى الشعر والنثر والأدب الشعبي وأغاني الحقل والحصاد وطلب المطر. في الحضارات الهندية القديمة "براهما" هو إله الزراعة، وفي مصر إله الزراعة هو "أوزوريس"، و"ديميتر" في اليونان، و"سيريز" في الحضارات الإيطالية القديمة وهلمّ جرًّا. المحاصيل، بدورها، نالت من القداسة ما نالته أيامها، وكان لها آلهتها، والخصب له آلهة، والنهر، والبحر، والجبال (عجلون هو إله الجبال عند الكنعانيين) وحتى الأسماك. وبما أن الثقافة هي، بشكلٍ أو بآخر، جزءٌ من صيرورة الحضارات واعْتمالات مداركها ومعارفها منتقلةً من الأساطير إلى الأديان السماوية، فإن الإطالة أعلاه يصبح لها مبرراتها، لنربط ما بين الزراعة والثقافة انطلاقًا من كيف نظر البشر لما ينبثق من الأرض في بدايات غراسهم، حتى لو كانوا هم من وضعوه هناك، فأنْ تخرج حبّة القمح في أوقات حوْلها ونهوضها سنابلَ مشعّةً بالبريق، هي لعمري لحظة استثنائية استدعت كل ما استدعته عند أجدادنا من احتفالٍ وابتهالٍ وسؤالٍ وضربِ موّال.

الكنعانيون زرعوا العنب وعتّقوه 


الزراعة في شعر العرب القدماء

صحيح أن كتاب "اللآلئ" الكنعاني سبق الشعر العربي في شبه الجزيرة العربية بآلاف السنين، غير أنه كتاب لم يقتصر على وصف الطبيعة، كما أن الغاية منه لم تكن، فقط، التغنّي بالمحاصيل والفواكه والحبوب ومفردات البيئة حوله، وإن كان شيءٌ من كل هذا وذاك قد ورد فيه، وبالتالي فإن شعر ما قبل الإسلام (الذي شاعت تسميته بـ"الشعر الجاهلي")، هو أقدم ما يتوفّر لدينا اليوم لننشئ من قصائده دراسة، أو لنبني، بالاستناد إلى بعض موضوعاته، فرضية (قد تكبر فتصبح نظرية). الصورة في هذا الإرث الضخم من تاريخ الشعر العربي تشكّل أساسًا لا يكاد يخلو بيت شعر منها. إنها ركنٌ ركين ورافع متين إلى درجة أن الجاحظ عندما أراد تعريف الشعر قال في كتابه "الحيوان" إنه: "صناعةٌ، وضربٌ من النّسْج، وجنسٌ من التصوير"، وهو ما يتّفق معه حوله قدامة بن جعفر (أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي المُتوفّى سنة 337 هجرية) الذي يقول: "إذا كانت المعاني بمنزلة المادة الموضوعية، والشعر فيها كالصورة، فلا بد، كما هو حال كل صناعة، من وجود مادة/ موضوع/ فسيلة/ نخلة/ طائر/ حصان تُستقى منه هذه الصور". وفي أزماننا الحديثة طوّر النقّاد مفهوم الصورة في الشعر ومعناها ووظائفها، رائين أنها تزيد من جمالية النص الأدبي. كما توسّع، أيامنا هذه، مصطلح الصورة في الشعر والنثر ليشمل مختلف الطرق الممكنة لصناعة العمل الأدبي. ولأن للصورة في الشعر وعموم الأدب كل هذه المكانة، فقد جاءت دراسة "أثر الزراعة والغراسة في بناء الصورة في الشعر الجاهلي"، للباحث المصري وليد مصطفى عمرو، والتي نشرتها مجلة كلية آداب جامعة المنصورة (Article 7, Volume 70, Issue 70, January 2022, Pages 207-241) لتعاين العلاقة التفاعلية بين الشاعر العربي في أحقاب ما قبل الإسلام، وبين محيطه البيئيّ وما اجتهد به ابن تلك العصور، خلال التعامل معها، زراعةً وفلاحةً وإعمارَ أرض. في دراسته يستبصر الباحث "الأثر الدلاليّ" الذي يسبغه الشاعر على قصيدته، فإذا بالصورة "تأتي مشحونة بعاطفة روحية لتعبّر عن مكنونات المبدع الداخلية وتكشف بعض كوامنه الوجدانية". يفرد الباحث مساحة واسعة للصورة وأهميتها في الشعر والأدب ليبيّن لنا أن الشعر العربي القديم حين قرر تسليط الضوء على بيئته وأماكن الزراعة في تلك البيئة، فإنه صوّر كل ذلك أدق تصوير بواقعية وبساطة ووضوح، حريصًا على أن لا تأتي تصاويره هذه كما لو أنها توثيق لما يحيط به من مزروعات ونخيل وقمح وخيول، وكأنها إغراق في الواقع وامتثال مسلوب له، بل جاءت تلك التصاوير: "متواكبة مع مهمة الشعر بوصفه فنًّا جماليًّا يهدف إلى التشويق والإمتاع" (الدراسة صفحة 5). في تلك القصائد حظيت "يثرب" بمساحة خاصة كونها كانت، وصولًا إلى بلاد الشام، من أكثر مدن ذلك الزمان زراعة للنخل. وبحسب المصادر فقد زرع أهل يثرب (المدينة المنوّرة) النخل بالطريقة نفسها التي زرعه بها الأنباط "سككًا في بساتين، تتخلله السواني والسواقي لتسقيه". ومن الشعراء الذين مدحوا "جنّة يثرب" بشر بن أبي خازم: "والمانِحُ المِئةَ الهِجانَ بِأَسرِها/ تُزْجى مَطافِلُها كَجنّةِ يَثْرِبِ". وفي سياق فخره بقومه، يتغنى المخضرم حسان بن ثابت (شاعر رسول الله ﷺ) بيثرب قائلًا: "بيثرب قد شيّدوا في النخيل/ حصونًا ودُجِّنَ فيها النَّعَم". ويظهر، واضحًا، في البيت، اتّكاء حسّان على المعتيّن من مشهدية بصرية، راسمًا من خلالها، بريشةِ فنّانٍ مبدعٍ، صورةً باتعةً للحصون جميعها المحضونة من أشجار النخيل، وللفخار الناجم عن هذا المجد، فإذا به يأخذ، بحروف شعريّته، بؤرة التلقي وعدسة الرؤية نحو ما يريد؛ فلا يعود الموضوع كثرة نخيل يثرب ووفرته فقط، بل أيضًا، وأيضًا، الإيحاء بقوّة قومه، واستعدادهم للذّوْد عن نخلهم وحصونهم وأبناء قبيلتهم. أمّا الشاعر علقمة فقد أخذنا بفحولته وجزالة عباراته وقوة تصويره إلى تفاصيل صورة مركّبة جمعت بين ذنب النّاقة وكثْرة عروقه وغزارةِ شعره، وبين عناقيد نخل سميحة المرطبة: "كأنَّ بِحاذِيها إذا ما تشذَّرَتْ/ عَثَاكيلُ عِذْقٍ من سُمَيْحةِ مُرْطِبِ".
أما اليمامة في نجدٍ فقد جال الشعراء وصالوا بخصب تربتها وسُمرة حنطتها وكثرة زرعها، وها هو امرؤ القيس الملك الضلّيل يصوّر العِرْض (وادي اليمامة) قائلًا: "وَحَدِّثْ بِأنْ زالتْ بِلَيْلٍ حُمولُهُم/ كَنَخْلٍ من الأعْراضِ غيْرِ مُنَبَّقِ". بدوره أدلى الأعشى بدلوهِ في وصف وادي اليمامة مختارًا، هذه المرّة، زاوية اللون لتحقق صُوَرُهُ تأثيرها وغنى تفاصيلها ولنرى النخيل بأبهى حُلَلِهِ: "ألَمْ ترَ أنَّ العَرْضَ أصبَحَ بَطْنُها/ نخيلًا وزرعًا نابتًا وفَصَافِصا". لا يتوقف الأمر عند من ذكرناهم أعلاه، فها هو لبيد بن ربيعة يتغنى بغزارة ما ينتجه نخل هَجَر (البحرين)، يفيض عن حاجة أهلها فيبيعونه، أو يوزعونه كرمًا وعطاءً، وها هم شعراء آخرون يصورون خيرات حِمْيَر ومأْرب، حتى حراثة الأرض حظيت بمن يصوّرها من شعراء ذلك الزمان، كما فعل الشاعر لقيط بن يعمر الأيادي في سياق تحذيره قومه من أطماع كسرى: "وأنتم تحرثون الأرضَ عن سَفَهٍ/ في كلِّ مُعْتَمَلٍ تبغونَ مُزدرعا". أمّا فأس الزراعة فقد التفت إليه الشاعر أبو خراش الهذلي مصوّرًا الفأس كما لو أنه السيف القاطع: "في ذات ريْدٍ كَذَلْقِ الفأْسِ مُشْرِفَةٍ/ طريقُها سَربٌ بالناسِ دَعْبوبُ". المعاول التي كان يستخدمها أهل زمانهم في قطف ثمار الزيتون (جدّ الزيتون) وجدت لها عند الشاعر بدر بن عامر الهذلي مساحة: "فَتَرَكْنَني حين رأينَ نواجِذي/ في الرّوْقِ مِثْلَ معاولِ الزّيتونِ". مناجلهم كانت تسمى معاضِد (يُعضد بها الشجر)، وقد رأى الشاعر ابن مقبل أنها تستحق التصوير الشعري البليغ: "تَخَرَّمُ خَفّانينَ، والليلُ كانِعٌ/ وَكَشْحًا وآلاتٍ، تُغاوِلُ مِعْضَدا". وكما لو أن شعراء ذلك الزمان التقطوا أهمية أدوات الزراعة مدركين أن العملية الزراعية دورة متكاملة إذا اشتكى منها جزء، أو لم يُتقَنْ استخدامه، انهارت باقي المنظومة مثل حجارة الدومينو. في هذا السياق وجد المنقار (آلة تشبه الفأس، مصنوعة من الحديد، كانوا يعتمدون عليها في حفر التربة ونقرها)، من ينشده شعرًا حين استخدمه الشاعر أبو زبيد الطائي مشبهًا الأسد به: "كأن عيْنيهِ في وَقَبيْنِ من حجرٍ/ قِيضَا اقتياضًا بِأَطْرافِ المَناقيرِ". ثمّة آلة أخرى اسمها البكرة يبدو أن عملها يشبه عمل الطواحين، أو النواعير التي ترفع الماء من النهر إلى البر، التقط الشاعر عتيبة بن مرداس أهميتها، وفتنتْه طريقة عملها، ونبّهت حواسه، واستفزّت قدرات التصوير في حروفه: "وتُصْبِحُ، من غِبِّ السُّرى، وَكَأنَّها/ دَموكٌ من الشّيْزى، جَرَتْ فوْقَ مِحْوَرِ". وهناك آلة أخرى اسمها "المنجنون" وربما هي الساقية (الدولاب الذي يُستسقى عليه) لا البكرة (وربما للبكرة وظائف قريبة منها لم يتسنّ لي تبيّنها)، وهذه يقول المُتَلَمِّس الضُّبَعي فيها: "هَلُمَّ إليْها قد أُثيرت زُروعُه/ أو عادت عليها المنْجنون تُكَدَّسُ". الشاعر المخبل السعدي راق له أن يوجّه عدسة تصويره نحو أنماط الزراعة في ذلك الزمان وفنونها وتفاصيلها حيث يقول: "تَئِقٌ يُقَسِّمُ زارِعٌ أنهارَهُ/ بِالمَرِّ يُقَسِّمُهُنَّ بينَ دِبارِ".

زراعة الثقافة تصنع ثقافة الزراعة 


أما السُّقاةُ فهم بدورهم جزء من المنظومة التي لا بد أن تستقيم جميعها، ويؤدي كل واحد من أفرادها عمله على أحسن وجه لكي تزهر الأرض وتتفتح أتْلام زرعها وتبتسم خيرات وعودها، وتقديرًا لهم ولكدّهم وكدْحهم خصّهم لبيد بن ربيعة ببعض شعره قائلًا: "فتداركَ الإشراقُ باقي نفسِهِ/ مُتجَرِّدًا كَالمائِحِ العُريانِ". وظيفة مائية أخرى ابتكرها العرب في نواحي جزيرتهم هي نضح الماء بحركات سريعة على جذوع النخيل لريّها وتلطيف حرارة الشمس فوق ارتجافاتها، وأمّا الذين كانوا يفعلون ذلك فقد حملوا اسم النضّاحين. النضّاحون بسرعة حركاتهم وأهمية بركاتهم أبهروا أبا ذؤيب الهذلي فصدح بصورة مدهشة لعيونهم: "هَبَطنَ بَطنَ رُهاطٍ وَاِعتَصَبنَ كَما/ يَسقي الجُذوعَ خِلالَ الدَّوْرِ نَضّاحُ". ومن الصور البليغة التي تترك أثرًا شافيًا في آفاق التلقّي، تلك التي أبدع امرؤ القيس تفاصيلها وهو يصوّر المزارع العربي ينتهج طريقة "التلاع" بوصفها واحدة من طرق السقاية حيث يجرّ المزارعون الماء إلى الرياض والزروع من خلال إنشاء جداول باتجاه البساتين لريّها، ويبلغ الإبهار أعالي الجمال حين يشبّه صاحب "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ/ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ"، ألوان البُسُط الزاهية بألوان الزهور في الرياض: "كأن الوَلايا نُشِّرَتْ في تِلاعِهِ/ وأعْلاقَ تُجّارٍ إذا اليومُ أظْهرا". ويبدو أن تلاع تسيير مياه الزراعة في جداول وقنوات كانت شائعة قبل ألفي عام في بلادنا العربية، وخصوصًا في شبه جزيرتنا، فها هو الشاعر المفضّل الضبّي يورد بعض تفاصيل هذه التقنية الزراعية في شعره: "فَوقفتُ في دارِ الجميعِ وقد/ جالتْ شؤونُ النّاسِ بالدَّمْعِ... كَعُرُوضِ فيّاضٍ على فَلَجٍ/ تجْري جداولُهُ على الزَّرْعِ". أمّا حياض تخزين الماء اللازم للزراعة تحسبًا لانحباس المطر فقد خصّها بشْر بن أبي خازم بصورة في بيت شعر له: "مَنازِلُ في حيٍّ عَفَتْ في ملعبٍ/ وَنُؤْيٌ كَحَوْضِ الجِرْبَةِ المُتَهَدِّمِ". في مدح المزارعات النبطيّات اللاتي شاركن الرجال أعمال الزراعة بمختلف تفاصيلها، أنشد الشاعر خدّاش بن زهير العامري قائلًا: "كأنّكُمْ نَبَطِيَّاتٌ بِمَزْرَعَةٍ/ قُشْرُ الأنُوفِ دَرَادِيرٌ مَآديرُ... ترى صُدُورَهم سُمْرًا مُحَشَّرَةً/ وَفي أَسَافِلِهم نَشْرٌ وَتَشْمِيرُ". ورغم أن العامري استشهد بالمزارعات النبطيّات في سياق هجائه أحدهم، لكن ذلك لا يمنع إقراره بالجهد المضني الذي كنّ يبذلنه لتصبح أرض أنباطهم أكثر خضرة، ومستقبل أبنائهم أكثر إشراقًا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.