هل تسير الحياة من دون مال؟ أخمّن أنه سؤال أحمق، خاصة في عصرنا الحالي، فهو ضرورة حياتية قصوى في الحد الأدنى للعيش قبل حياة الرفاهية. هو شأن شخصي وشأن عام وشأن عالمي، وهو هدف يتجهز الإنسان من أجل الحصول عليه منذ طفولته الأولى، يكبر وينمو حتى يصبح قادرًا على تحمّل مسؤولية حياته، وبالتالي كسب ما يصون هذه الحياة المتطلبة باستمرار. ليس أكثر من المال ما هو قادر على تغيير شكل الحياة ومسارها، فهو في أبسط تعبير يقال في حقه: إنه لا يجلب السعادة، لكن غيابه يجلب التعاسة والمعاناة.
وما أوسع خزانة الأمثال الشعبية التي تراكمت، وما زالت في ازدياد، حول المال لدى كل الشعوب. بل إن هذه الأمثال تحمل في معظمها منظومة قيم وثقافة كل مجموعة بشرية. بل تضمر فلسفات وآراء متنوعة ونظريات وأيديولوجيا وعقائد حول الحياة والكرامة والشهامة والدنيا والآخرة وفي عصرنا الحالي، ويمكن القول منذ مئات السنين نُظّم المال على شكل أسواق وأسهم ترسم السياسات وترسمها السياسات أيضًا.
البورصة، هذه الكلمة التي لا تكاد نشرة أخبار تخلو منها، بل غالبًا ما يتم إلحاق النشرات بواحدة خاصة بالبورصة، أو أسواق المال العالمية. حتى إنها دخلت في صلب اهتمام الأفراد في مختلف أنحاء العالم، ولم يعد أمرًا استثنائيًا أن يجرّب كثيرون حظوظهم في هذا المجال الذي يحلم بعضهم بتكوين ثروة من خلاله.
هذا الفضاء "الرمزي"، حيث تجري عملية تداول الأسهم والسلع والسندات فيه، هل هو حديث أم قديم؟ لقد أصبحت البورصات مؤسسات عالمية تلعب دورًا رئيسيًا في الاقتصاد. تاريخها هو تاريخ الابتكار والمالية وظهور الرأسمالية العالمية. لقد أصبحت اليوم تمثل أكثر بكثير من مجرد مكان للتبادل: فهي مقياس لعافية الاقتصاد العالمي ووسيلة للأفراد والمؤسسات للمشاركة في نمو الاقتصاد.
يُقال إن تاريخ البورصة قديم، إنما أول إرهاصاتها بما يشبه البورصة الحالية يعود إلى أوائل القرن الخامس عشر، إذ ظهرت هياكل تشبه بشكل كبير البورصة التي نعرفها حاليًا في أوروبا، لكنها كانت مجرد أسواق لاتفاقيات مباشرة. وفي القرن السادس عشر، حوالي عام 1540، ظهرت نواة بورصة في بلجيكا في مبنى لعائلة "فان دير بورسه"، والذي أعطى الاسم للبورصة ومشتقاتها في اللغات الأوروبية الأخرى، حيث كان يتجمع التجار وأصحاب المال للاتفاق على الأعمال.
وإذا كان أول إنشاء للبورصة في العالم في عام 1611 في هولندا (بورصة أمستردام)، فقد كانت هناك بعض الشركات كشركة "الهند الشرقية الهولندية" التي انطلقت بورصة أمستردام منها، تقوم بإصدار أسهم في مقابل توزيع أرباح مأخوذة من عائدات رحلات سفنهم. كان يتم تداول الأسهم أولًا في السوق السوداء، في الشارع، ثم في المقاهي. بذلك شهدت أمستردام ميلاد أول سوق للأوراق المالية، كما نعرفه اليوم.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف البورصة عن التطور في أوروبا، وأجزاء أخرى من العالم، من باريس إلى لندن مرورًا بنيويورك إلى طوكيو إلى شنغهاي، إلى أماكن أخرى من أصقاع الأرض، حتى صار اليوم معظم دول العالم لديه بورصاته الخاصة.
في أميركا توجد هيئة تسمى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC)، تلعب دور "حارس" أو شرطي للأسواق المالية. سلطة هيئة الأوراق المالية والبورصات لا تقتصر على الإشراف فحسب، إنما يمكن لهذه المنظمة حظر الوصول إلى بعض المنتجات المالية، أو تعديل شروط التداول، أو طلب ضمانات مالية إضافية، وتأثيرها يتجاوز بكثير الحدود الأميركية. تستمد الهيئة سلطتها من تبعيتها مباشرة إلى الكونغرس الأميركي وإلى البيت الأبيض، ويقوم الرئيس الأميركي بتعيين خمسة مفوضين لمدة خمس سنوات، بمن فيهم رئيس الهيئة، وتتمتع بوضع وكالة اتحادية مستقلة، مما يمنحها استقلالية ملحوظة في قراراتها. تضمن هذه البنية استمرار الرقابة على الأسواق بغض النظر عن التغييرات السياسية في واشنطن.
هذا النهج الذي تسير وفقه الهيئة يعدّ فارقًا أساسيًا بينها وبين البورصات الأخرى، ففي حين يركز المنظمون الماليون الآخرون على سوقهم المحلية، تفكر هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بطريقة "عالمية" بمجرد أن يُمسّ أي منتج مالي المستثمرين الأميركيين، ما يعزّز من الهيمنة الأميركية وسطوتها على العالم.
| |
| في الولايات المتحدة هيئة تسمى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC)، تلعب دور "حارس" أو شرطي للأسواق المالية |
ما الذي تسببه الحروب في أسواق الأسهم؟
يعدّ الخبراء أسواق الأسهم فئة من الأصول الخاسرة في أوقات الحرب عادةً، إذ يؤدي عدم اليقين السائد واضطراب أوجه النشاط التجاري، في المتوسط، إلى انخفاض الأسعار، بغض النظر عما إذا كانت دولة ما متورطة مباشرة في الحرب أو كانت ببساطة تجري علاقات تجارية مع بعض المناطق المتأثرة. كلما تأثر سوق الأسهم مباشرة بالحرب وكان يبدو أن فرص انتصار الدولة المعنية ضعيفة، كلما كان تأثير الصراع على البورصة أكثر سلبية. هذا لا يعني أن الجميع خاسرون، ففي الحروب تزدهر صناعات معينة فتزداد قيمة أسهمها، على سبيل المثال، تميل أعمال المجموعات النشطة في صناعة الأسلحة إلى الازدهار في وقت الحرب. لكن هناك أسهمًا أخرى يمكنها الصمود أكثر، كتلك التابعة للمواد الغذائية والأدوية والاتصالات، وغيرها من المواد الحيوية التي لا يمكن تأجيلها.
مع تطور أسواق البورصة، وتطور تقنيات التواصل وانفتاح العالم بعضه على بعض، ومع سرعة وصول الخبر وتوافر المعلومات وتعدّد المنصات، إضافة إلى تنامي حاجات الأفراد والميل في أي عصر إلى أن يكون لديهم مدخرات أو تحسين ظروف عيشهم، خاصة أن حياة الرفاهية حلم تتطلع إليه غالبية الناس، صار الاستثمار في البورصة مزدهرًا ومتاحًا، على الرغم مما ينطوي عليه من أخطار، وقلّة المعرفة والخبرة أو المقدرة على فهم الأدوات التي تدير لعبة الأسهم، لكن هذا المجال من النشاط "الغاوي"، يمكن تشبيهه بالمقامرة، أو الورطة التي ما إن ينزلق المرء إليها حتى يعتريه ما يشبه الإدمان، ما ينجم عنه كثير من الاضطرابات النفسية والسلوكية، على وجه الخصوص عند الهبوط في قيم الأسهم، أو فرض التقييدات على المستثمرين بموجب اللوائح الناظمة لبعض البورصات، خاصة الأميركية، هذه المشكلات أو الظواهر دفعت بالدارسين إلى ابتكار فرع من فروع علم النفس، وهو "علم نفس المستثمر"، وهو يهتم بشكل أساسي بتعليم الفرد تجنب الفخاخ العاطفية عند اتخاذ القرارات المالية، فالأسواق المالية غالبًا ما تكون غير قابلة للتنبؤ، ويمكن أن تؤدي ردّات الفعل الغريزية إلى خسائر كبيرة. الخوف أو الطمع أو الثقة المفرطة غالبًا ما تؤثر على القرارات، وأحيانًا كثيرة على حساب العقلانية.
تستكشف المالية السلوكية الروابط بين العواطف والقرارات الاقتصادية، هذا المجال يجمع بين علم النفس والاقتصاد لفهم سلوكيات الفاعلين في الأسواق المالية، ويرى أنه من خلال تعلم إدارة العواطف واعتماد استراتيجيات عقلانية، من الممكن تقليل الأخطار وتحقيق أفضل النتائج على المدى الطويل، إذ يُظهر الواقع أن قرارات الاستثمار غالبًا ما تتأثر بالتحيزات والعواطف. من خلال السيطرة على عواطفه وتجنب الفخاخ المعرفية، يمكن للمستثمر تحسين أدائه.
قد يتساءل بعضهم: ما شأن المجتمعات أو الشعوب على مستوى القاعدة في هذا الأمر، أو ما هي مكانة الأسواق المالية أو نشاط البورصة في أولويات اهتمامهم؟
في الواقع، وأمام هذا الاضطراب والحروب والنزاعات والتوترات على مستوى العالم، آخرها الحرب الحالية على إيران من قبل أميركا وإسرائيل، وتفاقم شعور الشعوب والأمم بأنها لم تعد تتحكم في مصيرها، بسبب العولمة وقوة الشركات العابرة للجنسيات والممولين والجماعات الضاغطة، تشتعل الأسئلة، وبقوة أكبر، من جديد على مستوى العالم. وأهمها سؤال: من الذي يحكم أو يقود العالم؟ هل هناك "منظمة أو مجموعة من الأشخاص لهم تأثير على جميع السياسات العالمية ويسيطرون على تصرفات قادة الدول في العديد من البلدان"؟ وما هو شكل "النظام العالمي" المرتقب، ما دام أن هذا المصطلح بات على كل لسان، ويعدّ مثل "فزاعة" بالنسبة إلى العامة، بعيدًا عن النخب المثقفة والمختصين، مصطلح باتت ترتعد له الأوصال في أصقاع الأرض في ظل هذه الفوضى والحروب والجائحات والأزمات المالية، وزيادة على هذا "التحكم الرقمي" في حياة كل فرد على وجه الأرض.
هذا كله، وغيره من الظواهر غير المفهومة، يدفع بالأفراد العاديين لأن يطرقوا أبواب مجالات باتت متوافرة في عصر الإنترنت، فمتابعة أخبار الأسواق المالية، واستخدام التطبيقات التي تسهل على الأفراد دخول ميدانها، يسهّل عليهم الانزلاق إلى وهم تحقيق أرباح عن طريق هذه الأسواق، ما يساعد في تحمّل تكاليف عيش لم يعد باستطاعة الإنسان التحرر من قيوده، وقد يشعره بمستوى مقبول من الأمان تجاه المستقبل المخيف. لذلك أصبح شراء الأسهم، أو السندات، أو الذهب، أو غيرها مما يشكّل "ملاذات آمنة" بحسب مفردات الاقتصاد.
يقول الخبراء إن الاستراتيجية الكلاسيكية في حالة الأزمات الجيوسياسية تدور في فلك بيع الأسهم، شراء السندات، شراء الذهب وانتظار ارتفاع أسعار النفط. وقد ثبت صحة هذا النموذج بعد دراسة تقلبات الاقتصاد العالمي والأسواق المالية خلال حروب الخليج، والربيع العربي، وكل النزاعات الكبرى في الشرق الأوسط خلال الخمسين سنة الماضية، كما جاء في دراسة منشورة في 17 تموز/ يوليو 2024 في موقع money vox.
لكن الحرب الحالية في إيران جعلت الأفق ضبابيًا، إذ انخفضت الأسهم والسندات والذهب جميعها في آن واحد منذ 28 شباط/ فبراير 2026 بداية الحرب على إيران. بينما حقق كل من النفط الخام والدولار الأميركي مكاسب ثابتة، إنما ما زالت أسواق النفط غير واضحة المصير.
ردّة فعل الأسواق على الحرب اقتصادية لأن المستثمرين لا يراهنون على ميزان الحرب عسكريًا، ولصالح من ستكون النتيجة، بل على تطور سعر البرميل، والتضخم، وأسعار الفائدة وغيرها من المعايير المتبعة.
تقول المقالة المذكورة أعلاه: إن عدد المستثمرين الأفراد في فرنسا الذين أجروا معاملة واحدة على الأقل على الأسهم قد ازداد بشكل ملحوظ في الربع الثاني من عام 2024، وإن نحو 800,000 فرد زيادة قاموا بشراء أو بيع أسهم يمكن تداولها على منصة مقرها في الاتحاد الأوروبي. وفي ألمانيا تقول بعض المواقع (تاغسشاو، دي تسايت على سبيل المثال)، إن ما يقارب سدس المواطنين يستثمرون في الأسواق المالية، خاصة من جيل الشباب، ما يعني أن نحو 26% من الألمان يستثمرون بشكل مباشر أو غير مباشر في الأسواق المالية.
أما في الدول العربية، فإن قسمًا كبيرًا منها واقع منذ أكثر من عقد، تحت تأثير حروب ونزاعات شبه مستدامة، أدت إلى انهيارات الدول والمجتمعات، وبالتالي فإن الاستثمار في الأسواق المالية أقصي بعيدًا من اهتمامات الأفراد، فمعظم أفراد تلك المجتمعات يعيشون سباقًا يوميًا ولهاثًا خلف لقمة العيش. ولم يعد للأمثال الشعبية التي تزخر بها الذاكرة الجمعية من حضور محبّب في الوعي العام، بل إن منظومة القيم تغيرت وتحطمت كثير من القواعد الأخلاقية أمام ضيق العيش وانغلاق الأفق على المستوى القريب، ولم يعد "المال يفتح الأبواب، لكنه يغلق القلوب"، فالمال غير متوافر، وأبواب الخيال موصدة والقلوب تحتبس جراحها وغصاتها، ولا هي مغلقة ولا مفتوحة. ومقولة "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود" صارت كالنسيج المهترئ لا تصلح لتكون غطاء يستر قلة الحيلة، فلا قروش بيضاء ولا أيام تعد بالبياض، الحياة لدى الغالبية صارت متجهمة قاتمة. أما قول بشار بن برد: إني وإن كان جمعُ المال يعجبني/ ما يعدُلُ المال عندي صحّةَ الجسد، فصار مثل النفخ في قربة مثقوبة، أو صدى صراخ في وادٍ جفت ساقيته، فلا مال ولا صحة.
لم تعد أغنية صباح "عالبساطة البساطة" التي تقول فيها: "عم يحلم قلبي برجال طفران ودرويش الحال. يعيشني بأوضة صغيرة ما فيها غير حصيرة، ولا بدّي فراطة ولا مال خلّي لغيري الفراطة"، تدغدغ مشاعر صبية حالمة أو شاب عاشق، فببساطة، تهدمت أسقف الحلم بزواج يرضي النفوس، إن لم نقل إن الزواج صار من المستحيلات.
ومع كل هذا الإظلام والظلم، يغوص أفراد هذه المجتمعات المنكوبة في لجة المصطلحات المخيفة الطلسمية، أكثرها إثارة للرعب والانتظار القاتل كمن ينتظر حكم إعدامه، أو حصول معجزة ينقطع معها الحبل، طلسم "حكومة العالم" وأين نحن منها. هل ستتعافى دولنا ونمسك في النهاية قدرًا من المال يجعلنا نعيش "بكرامتنا" من دون أن نُسام وفق المثل "معك ليرة بتسوى ليرة"، ويصير المال الذي قيل عنه: يشتري الطعام، لا الشهية، يشتري السرير لا النوم، يصير يشتري الكل معًا، السرير والنوم والطعام والشهية؟
هذا ما تحتاج إليه شعوبنا، وليس الاستثمار في الأسواق المالية التي يتلاعب بها "الأخ الأكبر" القاعد في الظل.


تحميل المقال التالي...