}

في أربعينية فقيدة فلسطين والإنسانية ليلى شهيد: سرديات نوسطالجية

استعادات في أربعينية فقيدة فلسطين والإنسانية ليلى شهيد: سرديات نوسطالجية
رحيلها أقرب إلى اليُتم الرمزي الذي يخلّفه غياب الكبار(Getty)
تمرّ أربعون يومًا على رحيل المناضلة والدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد (توفيت في 18 شباط/ فبراير 2026)، لكن حضورها سيظل نابضًا في الذاكرة الجماعية، حيث الغياب لن يكتمل، وصوتها سيظل يتردّد في محافل السياسة والثقافة والنضال والإعلام.
إحياء أربعينية الراحلة ليس مجرد طقس تأبيني عابر، بل هو لحظة استعادة مكثفة لمسار امرأة اختزلت في تجربتها معاني الالتزام الوطني والإنساني. ففي مثل هذه المناسبة، يتجدّد الحديث عن أدوارها البارزة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وعن حضورها الدبلوماسي الرفيع الذي جمع بين الصرامة الفكرية والوفاء التاريخي واللباقة الإنسانية، فكانت صوتًا مسموعًا لفلسطين في المحافل الدولية.
كما تشكل هذه الذكرى فرصة للتأمل في إرثها الثقافي والنضالي؛ إذ لم تكن فقط سفيرة لبلدها، بل كانت أيضًا جسرًا للحوار بين الشعوب، ووجهًا مثقفًا قادرًا على مخاطبة العالم بلغة العقل والوجدان معًا.
إن أربعينية ليلى شهيد، بهذا المعنى، ليست خاتمة للحزن، بل بداية لتحويل الفقد إلى ذاكرة حية، وإلى التزام متجدّد بقيم العدالة والحرية التي نذرت لها حياتها، فلم يكن رحيلها حدثًا عاديًّا، بل كان موجعًا، فقدنا فيه صوتًا ظل حاضرًا بقوة، في زمن كانت فيه فلسطين أحوج ما تكون إلى مثل هذا الصوت المجلجل، والذي يصعب تعويضه، في زمننا هذا وفي عالم تكاثر فيه الضجيج والجعجعة، وخفتت فيه حدة المواقف الصادقة خلف ادعاءات وانتهازيات متزاحمة.
تعرفتُ على المناضلة الراحلة ليلى شهيد في زمنٍ مبكر نسبيًّا، في وقت كانت فيه القضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان الجمعي، نابضة في النقاشات والمظاهرات والانتفاضات، ومؤثرة في الوعي الإنساني العام، بما تحمله من أسئلة المصير والهوية. كان ذلك التعارف الأول أقرب إلى انتماء وجداني تشكّل بهدوء، قبل أن تتبلور ملامحه في الزمن والذاكرة.
ثم توالت مراحل تعرفي على ليلى شهيد، من خلال إطلالاتها الإعلامية المضيئة في مناسبات فكرية وإعلامية ودبلوماسية، حيث كانت تخاطب جمهورًا واسعًا بلغة متزنة، كما أتيحت لي متابعة بعض البرامج التلفزيونية التي استضافتها بكامل أناقتها ونخوتها وشموخها، فكانت تقدم صورتها بوصفها صوتًا فلسطينيًّا حاضرًا وواعيًا بتعقيدات الخطاب الدولي.
أما لحظة اللقاء الأكثر قربًا وتأثيرًا في وجداني، فكانت حين تعرفت على ليلى في لقاء مباشر، شكّل بالنسبة لي حدثًا خاصًّا وكبيرًا، فكان بمثابة انتقال من التعارف عن بُعد إلى تماس إنساني مباشر، يضيف إلى تلك الصورة الذهنية ملامح جديدة من الحضور والإنصات والهيبة الهادئة، حيث حصل ذلك اللقاء الأول المباشر مع مناضلتنا، ذات مساء جميل في تسعينيات القرن الماضي، وأنا في بدايات شبابي، في لحظة بدت كأنها تتجاوز حدود الزمان العابر إلى فضاء إنساني أرحب، تم ذلك حين لبى الصديق الأستاذ محمد برادة، زوج ليلى، دعوتي لوجبة عشاء ببيتي بالرباط، فحدث أن زارني، وبرفقته المناضلة ليلى شهيد. لم يكن ذلك اللقاء عاديًّا، بل كان أقرب إلى احتفاء هادئٍ بالرمز والقضية والذاكرة، وبالانتماء المشترك لمعنى يتجاوز الأشخاص.

لم تكن فقط سفيرة لبلدها، بل كانت أيضًا جسرًا للحوار بين الشعوب (Getty)

كانت مناسبة حضورهما معًا، ليلى ومحمد، إلى جانب أصدقاء آخرين مشتركين من الكتاب والأدباء المغاربة المدعوّين، فلم تكن الكلمات وحدها حاضرة في ذلك اللقاء، بل كانت الأرواح أيضًا تتقاطع في مسار واحد، حيث امتزج حديث السياسة بحديث الثقافة، وذاب الرسمي في الإنساني، وغدا الحوار امتدادًا طبيعيًّا لدفء اللمة.
كان من بين الحضور، أيضًا، صوتٌ آخر من أصوات الالتزام النادر، إنه الكاتب المناضل الذي ظل وفيًّا لفلسطين وللقضية، قولًا وكتابة وموقفًا، حتى آخر لحظة في حياته، الروائي والناقد التشكيلي والمناضل السياسي المغربي اليهودي، الصديق إدمون عمران المليح، رحمه الله. لقد أضفى حضوره على المشهد بعدًا خاصًّا، حيث تجاورت الهويات تحت سقف واحد، وتوحدت في نصرة قضية عادلة، تتجاوز الانتماءات الضيقة نحو معانقة الأفق الإنساني الأرحب.
كانت تلك الأمسية، بما حملته من رمزية ودفء، أكثر من مجرد لقاء؛ كانت لحظة تختزن معنى التلاقي الصادق بين أشخاص جمعتهم المحبة، ووحدتهم القناعة، وألّفت بينهم فلسطين، بما تمثله من رمز للحق والذاكرة والكرامة، فكانت الأمسية فسيفساء إنسانية وثقافية تتجاور فيها الأصوات وتتآلف فيها الرؤى، كما حضر عازف العود الفكاهي وخفيف الدم الصديق أحمد الريحاني، الذي أضفى بدوره على تلك الأمسية مسحة من البهجة العفوية، بروحه المرحة ونُكَته التلقائية، وبعزفه المنفرد الذي كان ينساب كأنّه امتداد لنبض المكان، متجاوبًا مع أجواء السهرة الدافئة، كان ذلك العازف الظريف، بروحه الفكهة وخياله المتدفّق، ينسج من النكت مشاهد حية، ومن الحكايات عوالم طريفة، فكان حضوره أشبه بفسحة ضوء في زمن مثقل بالأسئلة، بما كان يبدعه من طرائف وتعابير تلقائية، فنجح في أن ينتزع ليلى شهيد من جدّية اللحظة وثقلها، ليُدخلها في نوبة من الضحك الصافي، ضحك يكاد يكون هستيريًّا في شدّته وصدقه، كأنه تمرد عابر على الألم، وكأن ليلى في تلك اللحظات النادرة، كانت تترك خلفها، ولو مؤقتًا، أعباء الخطاب السياسي ومرارة المرحلة، لتستسلم لبرهة إنسانية خفيفة، تُعيد ترتيب أنفاسها، وتمنح روحها هدنة قصيرة من وجع لا يغيب.




انكشفت لي، في تلك الأمسية، عن قرب ملامح شخصية ليلى شهيد، لا كما تُرى من بعيد في صورها الدبلوماسية والثقافية وفي إطلالاتها الإعلامية، وهي تخاطب برسائلها الفلسطينية، بل كما هي في عمقها الإنساني الصافي والصادق، فتجلت لي عن قرب، وسط ذلك الحضور الهادئ، إنسانة استثنائية ومثقفة ومناضلة كبيرة، تجمع بين رصانة الفكر ودفء الروح، وبين الوقار الذي تفرضه المسؤولية وخفّة الظل التي تمنحها العفوية الصادقة.
كانت ليلى هادئة في حديثها، متواضعة في نخوتها، مرحة في تفاعلها، حنونة في إنصاتها، مقبلة على الحياة رغم ثقل القضية التي تحملها، ورغم انشغالاتها السياسية والنضالية التي لم تكن تفارق يومياتها وسردياتها، فلم تكن القضية بالنسبة إليها عبئًا يُطفئ الروح، بل كانت جزءًا من كيانها، تنبض بها بدون أن تسلبها قدرتها على الفرح، أو تباعد بينها وبين بساطة الحياة وجمال تفاصيلها.
كما بدا جليًّا، في تلك الأمسية، أن قوة ليلى لم تكن فقط في خطابها السياسي والفكري أو في حضورها الدبلوماسي، بل أيضًا في عمق إنسانيتها، تلك التي تجعل من الالتزام موقفًا حيًّا، لا شعارًا جامدًا، وتحوّل المعاناة إلى طاقة هادئة قادرة على الاستمرار، وعلى منح الآخرين شيئًا من الأمل والطمأنينة وسط تعقيدات الواقع والمآل، بما هو مآل قضية إنسانية عادلة وجرح غائر...
كانت تلك هي المرة الأولى التي ألتقي فيها المناضلة الفذة ليلى شهيد، حيث كان صعبًا على الذاكرة أن تستوعب دفء اللحظة، بمثل ما صعب على الكلمات أن تُحيط بمشاعر الفرح والغبطة والارتياح التي غمرتني وقتها، كان في حضورها ما يبعث على الاعتزاز، وما يضفي على المكان مهابة هادئة، تشعر في حضرتها أنك تستقبل شخصية استثنائية طالعة من زمن الكبار.
فمحبتي وتقديري لفئة من الصديقات والأصدقاء من الكاتبات والكتاب، المغاربة والعرب والأجانب، كان محفزًا قويًّا يدفعني من حين لآخر إلى استضافتهم في بيتي، رغم أنني كنت حينها عازبًا، فلم تكن تلك اللقاءات مجرد مناسبات عفوية وودية وعابرة، بل كانت بالنسبة لي امتدادًا طبيعيًّا لاقتناعٍ عميق بأن الثقافة لا تكتمل إلا بالحوار والمرح، وأن العلاقات الإنسانية الصادقة قادرة على أن تخلق مساحات مشتركة تتجاوز كل الحدود والخلافات.
بل إن بعض تلك الأمسيات كانت تحمل طابعًا خاصًّا، فقد كنت أحرص على أن تتحول إلى فرص لرتق ما انقطع بين بعض كتابنا من صلات جراء خلافات عابرة، فأسعى إلى جمعهم في لقاء هادئ، بدون أن أفصح لأي طرف عن ترتيبات مسبقة أو عن حضور الطرف الآخر، في محاولة لفتح باب المصالحة وإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، بعيدًا عن أي قطيعة قد تترك أثرًا لا داعي له في وسطنا الإنساني والثقافي...

قوة ليلى لم تكن فقط في خطابها السياسي والفكري أو في حضورها الدبلوماسي، بل أيضًا في عمق إنسانيتها (Getty)

وأذكر من بين تلك الأمسيات "الصُلحية" لقاءً جمعت فيه الكاتب محمد برادة والكاتب الميلودي شغموم، بعد سوء تفاهم بسيط وقع بينهما خلال إحدى الندوات ضمن فعاليات "مهرجان الرباط"، المأسوف على توقفه. في تلك الأمسية، حضر أصدقاء وصديقات مشتركون، فلم تكن السهرة مجرد لقاء عابر، بل كانت لحظة استعادة للهدوء، ومحاولة واعية لتجاوز لحظة هشة من التوتر، مع إدراك كل واحد منا لمعنى الإيمان بأن العلاقات الإنسانية، مهما تعقدت، يمكن دائمًا أن تجد طريقها إلى الصفاء.
لن أحكي عن أحاديث ليلى في تلك الأمسية التي لا تُنسى، لقد كان حدسها الثقافي والإنساني يلتقط الإشارات الخفية قبل الكلمات، فتلمس لديها صدق الانتماء، وحرارة التقدير، ووضوح الوفاء في المواقف، فكانت، بأسلوبها الهادئ واللبق، توصي برادة خيرًا بصداقتنا، وكأنها تمنحها شهادة ضمنية بالصدق والاستمرارية.
في تلك الومضة العابرة، برزت ليلى شهيد كما هي دائمًا، إنسانة تمتلك حسًّا مرهفًا في التقاط المعاني غير المعلنة، وقدرة على تحويل ملاحظة بسيطة إلى موقف دال، يعكس عمق تجربتها وثقتها في حدسها، ويُبرز في الوقت ذاته ما كانت تحمله من تقدير للعلاقات الصادقة بين الناس. وليس ذلك بأمر غريب عن إنسانة رفيعة المقام، ومدرسة عظيمة في النضال، وفي سعة الإدراك وعمق البصيرة. فهي المرأة التي صاغت مسيرتها بين ساحات الفعل السياسي والنضالي والثقافي والجمعوي وبين منابر الدبلوماسية الدولية، لم تكن خبرتها مجرد رصيدٍ مهني أو نضالي، بل كانت تراكمًا إنسانيًّا غنيًّا، تشكّل عبر علاقات واسعة، وصداقات عابرة للثقافات، وتجارب متعددة في فضاءات مختلفة من العالم، نسجتها ليلى بحضورها وثقلها ووفائها وإخلاصها وعنفوانها.




وكانت المرة الثانية التي ألتقي فيها بالسيدة ليلى شهيد، في مدينة بروكسيل ببلجيكا، حيث كانت تشغل وقتئذ مهمة سامية، باعتبارها سفيرة لدولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي. فقد حصل أن سافرت إلى بلجيكا برًّا بسيارتي، وحين أخبرتُ الأستاذ محمد برادة بقدومي إلى بروكسيل لزيارة أحد هناك، أشار عليّ، بمحبة وترحيب، أن أبرمج زيارتَهما، هو وليلى، عند وصولي.
وهكذا كان، فما أن وطأت سيارتي شوارع المدينة، حتى هاتفتُ برادة، الذي أتى للقائي عند نقطة في أحد شوارع بروكسيل، كنا قد اتفقنا عليها سلفًا، استقبلني بتلك الألفة المعهودة فيه، والتي لا تحتاج إلى تمهيد، قبل أن أرافقه إلى بيتهما، حيث كانت ليلى في انتظارنا، بابتسامتها التي تشبه وعدًا قديمًا لا يخيب، وبحضورها الذي يختصر المسافات بين لقاءي الرباط وبروكسيل، وكأن الزمن لم يفعل شيئًا.
حرصت ليلى، منذ لحظة لقائنا، على أن يكون الاستقبال امتدادًا لروح الضيافة الفلسطينية الأصيلة، فقالت لي، بنبرةٍ دافئة: الوجبة الأولى يجب أن تكون فلسطينية، تُعدّها هي بيديها، فذلك بعضٌ من أصول الاستضافة، وبعضٌ من الوفاء لذاكرة الرباط. وكان ما كان من عشاء لم يكن طعامًا فحسب، بل كان سردًا حيًّا لحكاية وطنٍ يُتذوّق بوصفه حكاية لا تنتهي.
أما بيت ليلى، فكان أشبه بنص مفتوح على الجمال، حيث تتجاور فيه التفاصيل الصغيرة واللوحات والمزهريات والمرايا الفلسطينية لتصنع فضاءً مختلفًا من الألفة والبهاء والسكينة. بعد ذلك، امتد اكتشاف الأمكنة ليشمل فضاءً آخر من المدينة، بين مطاعمها الهادئة، كتلك المحيطة بـ"ساحة ميدي" الشهيرة، ذلك الفضاء الحيوي النابض بالحياة والتنوع الثقافي الكبير، حيث يختلط صخب العابرين بنعومة الأمسيات الأوروبية...
في لقاء بروكسيل، لم ألمس أي اختلاف بين ليلى الرباط وليلى بروكسيل؛ كانت هي ذاتها، الطيبة والابتسامة والترحيب الفلسطيني المغربي الذي لا يعرف التكلّف، وذلك الشعور العميق بالارتياح الذي تمنحه ليلى لضيوفها. لم تغيّرها المناصب، ولم تُبدّلها العواصم، بل ظلت وفية لجوهرها الإنساني، كأنها تحمل معها بيتها الفلسطيني الأول والأخير أينما حلّت وارتحلت واشتغلت.
لقد زادت تلك الاستضافة، بما حفّ بها من دفءٍ ورمزية، من شعوري بالفخر والاعتزاز، وأنا داخل بيت فلسطيني في حضرة سيدة القضية والمعنى، في قلب أوروبا، بيت لا يُختصر في جدرانه، بل يمتد ليحمل، أيضًا، معنى الهوية، وعمق الذاكرة، واتساع الانتماء. هناك، أدركتُ أن فلسطين ليست جغرافيا فحسب، بل حالة إنسانية كاملة، يمكن أن تتجلى في ابتسامة، أو في طبقٍ تقليدي، أو في لحظة استقبال صادق...
في غمرة هذه الذكريات، أتاني فجأة، بعد مرور كل هذه السنوات على آخر لقاء جمعني بليلى شهيد، ذلك الخبر الصادم، الذي لا يشبه إلا انكسارًا داخليًّا مفاجئًا، خبر رحيلها القاسي المأسوف عليه. لم يكن مجرد غياب جسد، بل كان، في عمقه، غياب جزء من كياننا العربي الرمزي، وفقدان واحدة من تلك القامات التي تمنح للمعنى امتداده، وللصوت صداه، وللقضية بعضًا من توازنها.
كان رحيلها أقرب إلى اليُتم الرمزي، ذاك الذي يخلّفه غياب الكبار. هكذا بدا، في رحيل ليلى، أن شيئًا من الضوء قد انطفأ، وأن الفراغ الذي تتركه مثل هذه القامات لا يُملأ بسهولة، إن مُلئ أصلًا.
وأمام هول الخبر، سارعنا، في المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، إلى صياغة بلاغ نعي يليق بمقام فقيدة فلسطين والإنسانية، لا بوصفها فقط مناضلة ودبلوماسية فلسطينية بارزة، بل لأنها ظلت صديقة وفية للاتحاد، ووجهًا قريبًا من وجوه الثقافة المغربية، فقد كانت ليلى شهيد صديقة كبيرة للكتاب والمثقفين المغاربة، وللمغرب الثقافي ككل، بما كان لها من أفضال بيّنة على المشهد الثقافي والفني المغربي، وبما اضطلعت به من أدوار دبلوماسية وثقافية، دعمت من خلالها حضور الثقافة المغربية، ورافقت المثقفين والمناضلين المغاربة بروحٍ منفتحة، وإيمان عميق بدور الثقافة في بناء جسور الإخاء بين الشعوب.
وفي هذا الإطار، يشهد لليلى شهيد بارتباطها بمجموعة من الكتاب والمثقفين المغاربة، ممن شكلوا محيطًا ثقافيًّا وإنسانيًّا متقاطعًا مع مسارها النضالي والثقافي والدبلوماسي، سواء عبر علاقات شخصية مباشرة أو عبر تقاطعات فكرية وثقافية ونضالية داخل الفضاء المغربي والعربي، يأتي في مقدمة هؤلاء محمد برادة، الذي جمعته بالفقيدة علاقة زوجية وإنسانية وثقافية وثيقة، كان لها أثر بالغ في انفتاحها على الوسط الثقافي المغربي وتعزيز حضورها فيه.
كما امتدت هذه التقاطعات لتشمل أسماء أخرى من رموز الثقافة والفكر والأدب المغربي، إضافة إلى حضورها في محيط ثقافي أوسع جمعها مع أصوات مغربية بارزة في الكتابة الفرنكوفونية والعربية، مثل إدمون عمران المليح والطاهر بن جلون ومحمد بنيس وعبد اللطيف اللعبي، وغيرهم، حيث تداخلت الاهتمامات الثقافية مع الهمّ الإنساني المشترك، في باريس ثم في بروكسيل، فقد لعبت ليلى دورًا مهمًّا في التعريف بالمثقفين المغاربة في الفضاء الأوروبي، وساهمت في فتح جسور التواصل بينهم وبين المؤسسات الثقافية الدولية، هي التي كانت تؤمن بأن الدفاع عن فلسطين يمر أيضًا عبر الثقافة، وعبر بناء تحالفات وجبهات إنسانية وفكرية.
لم يكن نعي ليلى شهيد مجرد واجب مؤسساتي، بل كان فعل وفاء، ومحاولة لالتقاط شيءٍ من أثرها، والاعتراف بما تركته من بصمات لا تُمحى، في الذاكرة الإنسانية، وفي القلوب التي عرفتها عن قرب، أو التقتها في لحظة صدق عابرة أو ممتدة، كما شكل رحيلها لحظة ثقيلة في ميزان الوجدان، وكانت، في الآن ذاته، فرصة نادرة استعدتُ أنا من خلالها خيوط الذاكرة، وعدتُ إلى صورها وإلى إعادة مشاهدة برامج تلفزيونية كانت قد استضافتها، وهي تعبر الزمن الفلسطيني والكوني بحضورها الهادئ والواثق، حيث استطاعت ليلى عبر خطابها المتوازن أن تقدم صورة متماسكة عن القضية وأن تسائل القيم الأوروبية مثل حقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي، ومع كل مشهد، كانت صورتها تتجدّد أمامي، لا كذكرى بعيدة، بل كحضورٍ مستمرّ، سيظل يُذكّرنا بأن بعض الأشخاص لا يغادرون تمامًا، لأنهم يتركون فينا ما يكفي من الضوء كي يظلوا قريبين.
وهكذا، لم تكن استعادتي لتلك اللحظات واللقاءات والتذكرات مجتمعة مجرد نوسطالجيا، بل كانت استحضارًا لسيرة عطرة، ووقوفًا متأملًا أمام تجربة امرأة استثنائية، جمعت بين الفعل والمعنى، وبين الحضور والأثر، رحمها الله، وأبقى ما زرعته في الذاكرة والوجدان حيًّا، كضوء لا ينطفئ.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.