}

الأوديسة وأطياف العودة الإنسانية

إسراء عرفات 31 مارس 2026
استعادات الأوديسة وأطياف العودة الإنسانية
هوميروس ينشد الإلياذة (Getty)


أثناء قراءتي لرواية "المناطيد" للكاتبة البلجيكية إيميلي نوثومب (دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، ترجمة إينانة الصالح، 2025) لفتتني عبارة أوردتها الكاتبة تقول في متنها: "هناك نظرية أدبية تقول إن كل رواية هي إما إلياذة أو أوديسة". توقّفتُ عند هذه العبارة طويلًا، واستغرقتُ في مساحات تأويلها، وقلتُ في نفسي: ربّما تقصد نوثومب في عبارتها أنّ كثيرًا من الروايات لا تخرج عن المنطق الذي تقوم عليه "الإلياذة" و"الأوديسة"، فالإلياذة في مختصرها هي رحلة حرب وصراع مع عوالم خارجية، بينما الأوديسة هي رحلة عودة إلى المكان الأصلي، والحيّز الأصلي، والانتماء الأصلي.

فَتحت آفاق تأويلي على اتّساعها، وقلتُ في نفسي: ربّما أنّ منطق "الإلياذة" و"الأوديسة" هو المنطق الذي يَحكم العملية السردية على العموم، ليس في الروايات فقط، بل في غيرها من الأعمال الفنية الأخرى؛ كالأفلام والمسلسلات والمسرحيات، فالسرد في الروايات وغيرها من الأعمال لا يخرج عن ثنائية الخارجي والداخلي، الديالوغ والمونولوغ، الاتجاه نحو العالم، أو العودة نحو الذات وما فيها من معانٍ وزوايا وتعقيدات.

وبالنظر إلى "الأوديسة" ومنطقها الكلي القائم على العودة، يُمكن القول إنّ تجلّياتها في الروايات والأعمال الفنية تَظهر بينة وواضحة، ولا تقتصر على ناحية عودة مكانية محددة، بل تتجاوز ذلك لتكون عودة إلى الذات أو المعنى أو الأفكار وغيرها من أشكال العودات الأخرى التي تحتاج النفس الإنسانية لأن ترجع إليها لتَفهمها وتتأمّلها وتتبيّنها فتتخفّف منها، حيث يمنحها الفهم والتأمّل مزيدًا من الخفة، لتغدو بثقل "كائنٍ لا تُحتَمل خفته" بتعبير كونديرا.


لعلّ أبرز تجليات هذه العودة تَظهر في عتبة نصية يَفتتح بها المترجم المغربي سعيد بنكراد ترجمة كتاب أمبرتو إيكو المعنون بـ"اعترافات روائي ناشئ" (المركز الثقافي العربي، 2014)، إذ يعود في الإهداء العام للكتاب إلى جدته وحكايتها، ويقول: "إلى روح جدتي، لقد أدركت بالحكاية وحدها سرّ الكون".

فعودة بنكراد في عتبته النصية إلى حكاية جدته باعتبارها الوسيلة الأساسية لإدراك سرّ الكون تُحيل إلى عودة أخرى أكثر جذرية وأصالة وهي العودة إلى المخيلة الإنسانية كملهِم أوّل وعظيم، فتلك المخيلة هي التي تبتدعُ الحكاية من الصفر، وتبتكر فكرتها التي هي بمثابة طينتها الأولى، ثمّ تمسك طينتها وتشكّلها كما تشاء، تخلقُ منها المكان والزمان والشخوص والأحداث، ثمّ تبدأ بتحريك هذه الطينة كما تشاء، تبنيها وتسردها كما تريد.

كأنّ بنكراد يَريدُ أن يقول بأنّ العودة إلى حكاية الجدات (تعبير مجازي عن كلّ ما ألّفته المخيلة الإنسانية من مسرح ورواية وأفلام) تَجعلنا كبشر نفهم سرّ الكون، لأنّها تجعلُ منا آلهة صغارًا لأكوان حكاياتنا الخاصة التي نخلقها نحنُ بأنفسنا، فروح الجدة هي ذلك الإلهام الأبدي الذي يسكن في قلب كلّ مخيّلة إنسانية ويقودها نحو ابتكار وخلق حكايتها الخاصة.

تَظهر تجليات هذه العودة كذلك في فيلم Nowhere (لا مكان، 2023) الذي يأتي ليروي قصة هروب امرأة من ديستوبيا لمدينة فاسدة، يَحكمها نظام سياسي ديكتاتوري قمعي تُعاني دولته من ندرة شديدة في الموارد والحاجات الغذائية الأساسية، وهو الأمر الذي يدفعه إلى فرض نظام صارم لتوفير موارد الدولة التي يحكمها، فيقوم أولًا بالتخلّص من كبار السنّ وقتلهم، ثمّ يستتبِع ذلك بالتخلّص من الأطفال والنساء الحوامل وقتلهم.

تُمثّل رحلة هروب بطلة الفيلم ميا - وهي امرأة حامل قام النظام بقتل طفلتها الأولى والتخلّص منها- عودة إلى معنى الأمومة الكامن فيها، فهي تُخطط مع زوجها للهرب في حاوية كبيرة لنقل البضائع تَسلكْ طريقها برًّا، ثمّ تُوضع على سفينة لنقلها إلى خارج البلاد، لكن تقع أحداث شغب في الحاوية الأولى التي تدخلها مع زوجها، وتؤدي إلى انفصالهما عن بعضهما، حيثُ يدخل زوجها إلى حاوية أخرى غير تلكَ التي تُوجد فيها هيَ وعشرات الأطفال والنساء الحوامل.

لا تنفصل ميا عن زوجها فقط، بل عن محيطها الآدمي كلّه، فبعد أن يكتشف حرس الحدود وجود أشخاص في الحاوية، يقومون بالهجوم عليها وقتل من عليها، وتنجو هي فقط، ثمّ تهبّ عاصفة هوجاء تُلقي  بالحاوية في البحر، فتستفيق ميا على حقيقة وجودها وحيدة في هذا الوضع.

يَكشف الفيلم عن تفاصيل الانتحار التي كانت ميا تُخطّط لها في ذلك الوضع، عبر قطع وريدها بأداة حادة كانت تحملها، لولا استفاقتها على صوت طِفلتها وهي تتحرّك في بطنها وتركل بأقدامها داخلها، تظهر ميا في ذلك المشهد كما لو كانت تستجيب لنداء غريزة الأمومة داخلها، الذي جاء لينبّهها بأنّ عليها البقاء حية من أجل طفلتها.

يأخذنا الفيلم في رِحلة تفصيلية طويلة مع ميا، ويوضح لنا فيها الآليات والأدوات التي تستخدمها للحفاظ على حياتها وحياة طفلتها التي تلدها في ظروف مستحيلة، ويأتي ليحيل إلى العودة إلى غريزة الأمومة باعتبارها عاملًا أوحد ووحيدًا للبقاء، وكأنّ الأمومة في كلّ أمّ لها نداء خفي يهمس في أذنها: أنا وأطفالي شيء واحد، فبقائي يعني بقاءهم، وموتي يعني موتهم.

شكل آخر من أشكال العودة يظهر في حلقة "وحيدًا في المنزل" من المسلسل السوري "الفصول الأربعة"، فالحلقة تبدأ مع استفاقة نجيب وحيدًا في منزله بعد سفر زوجته ماجدة وولديه إلى بيروت واضطرارهم للمكوث فيها بسبب تراكم الثلوج على الطرقات، فاستفاقته على تلك الحالة تخلق داخله إحساسًا حنينيًا نوستالوجيًا إلى زوجته ماجدة التي يضع صورتها بجانب سريره، فيذهب نحو الحديث إليها بحميمية وبوح استثنائي في مونولوج داخلي يمتد على طول الحلقة.

يستحضر نجيب ماجدة في جميع تفاصيل يومه ويُحدّثها عن مكنونات داخله؛ يستذكر جوانب تقصيره معها، ويُشركها في استذكار القضايا الكبرى (فلسطين والمقهورين في الأرض)، ويستحضر أمامها صورته كعاشق محاصر بشكلِ تربيته وبيئته المحافظة التي تجعله كتومًا، وتمنعه من أن يبوح لها بمشاعره.

تحكي الحلقة عن عودة نجيب إلى ماجدة في لحظة الوحدة كما لو كانت عودة إلى لحظة عُري إنساني خالص، لا يُمكِن لآي آدم أرضي أن يَصِلها إلا بعد أن يُزيل عنه ورقات التوت التي تحجب عورات داخله (ضعفه، نقصه، تقصيره)، ويَرتضي أن يمتثل أمام حوائه/ زوجته بكامِل أحوال هشاشته الإنسانية.

كما أنّ هناك تجليًا آخر للعودة يظهر في قصة "أُعانِد من أجل الحبّ" من المجموعة القصصية "ضجيج الجسد" للكاتبة السورية هيفاء بيطار (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2006)، وفيها تعود بطلة القصة إلى إيمانها الطفولي الأوّل لتعتنقه من جديد، وتقف أمام تمثال السيدة مريم العذراء في الكنيسة التي كانت ترتادها وهي طفلة، لتناجيها بأن تُعطي الرجل الذي تحبّه عمرًا جديدًا لتحبّه فيه.

تَخلق المرأة حوارًا متخيلًا مع تمثال السيدة، وتبوح لها بصفتها كعاشقة، تتعلّق بعينيها وتستعيد حالة إيمانية فريدة عَلِقت بها من أيام الطفولة، تقول البطلة في نهاية القصة: "انقطع الحوار بيننا. تحوّلت لكيان شفّاف يعبرني شعاع حب العذراء فأراه يتلألأ في داخلي كذرات من غبار مضيء. كانت رائحة البخور تتكاثف وتعطيني إحساسًا جديدًا بالطهارة. لم يعد غبار العالم عالقًا بي، لستُ سوى وعاء من نور يحتضن حبًّا أكبر مني".

إذًا، فإنّ تجلّيات "الأوديسة" التي تظهر في مختلف الروايات والأعمال الفنية تأتي لتذكّر بما أورده أحد النقاد عن علاقة الأدب بالأسطورة، فقد رأى الناقد الكندي نورثروب فراي بأنّ الأساطير "تُشكّل أنماطًا أولية ما تزال قائمة، تتكّرر باستمرار في الأعمال الأدبية، تمنحها مادتها، وتُملي عليها بنيتها".

وتبعًا لذلك، يُمكن القول إنّ عودة الأديب أو الفنان إلى الأسطورة كمادة خام للاستلهام الكلي أو الجزئي، الظاهر أو المضمر، هو أكبر تمثيل على العودة الأوديسية كفعل إبداعي مليء بأشكال الابتكار والتخييل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.