في نهاية عام 1995 زارني شابَّان صارا صديقين، أحمد رشاد كمالي وعمرو إبراهيم. أهدياني العدد الأول من "أيام مصرية" بتاريخ 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995. ليست مجلة إلا بغلافها المختلف عن صفحاتها الثماني عشرة، غير الملونة. عمل صغير شكلًا، يأسر النفس ويوقعها في غرامه. مشروع طموح، يحمل حماسة أحمد كمالي الحالم بإنعاش الذاكرة وترميمها، باستخدام الجمال النائم في بطون الصحف والمجلات، بما فيه من أمجاد وكوارث وطرائف ومفارقات. إصدار مطبوعة خاصة بالتاريخ "ظل حلمًا ولتحقيقه رأيت أن أبدأ بشيء صغير علَّه يصير كبيرًا ذات يوم"، كما قال في افتتاحية العدد الأول، فجذب انتباه الفنان التشكيلي حلمي التوني، أحد أسطوات صناعة الكتب، فتطوَّع بالعمل مستشارًا فنيًّا من العدد الثاني.
امتدت حماسة حلمي التوني، بعد رحيله، إلى الفنان محمد عطية فتطوَّع أيضًا، وانضم إلى مشروع بلغ 66 عددًا، آخرها عنوانه "نجيب محفوظ والتاريخ". جوانب من تفاصيل الحياة في مصر حين ولد محفوظ. بانوراما لملامح عام 1911. وبين العددين الأول والحالي (2026) نضج الحلم، وطرح ثمارًا جانبية منها كتاب عن جهاز الشرطة المصرية في أكثر من مائة عام (1900 ـ 2002)، وكتاب "الإذاعة المصرية... شاهدة على العصر" خلال سبعين عامًا (1934 ـ 2004). وربما توجد كتب أخرى بخل بها عليَّ أحمد كمالي. أما أعداد "أيام مصرية" فأتمنى أن تتحمس لنشرها، في مجلد واحد، مؤسسة مصرية ترعى جانبًا ثقافيًّا وتراثيًّا صحافيًّا مهمًّا ومُلهمًا.
في العدد الأول صورة نادرة لشجرة أسرة محمد علي. بضعة أبناء وبنت واحدة هي نازلي. لا أعرف عنها إلا ما سجله نوبار باشا في مذكراته، عن جلوسها على حافة فراش أخيها المريض إبراهيم باشا. كانت نازلي "المعروفة بتاريخها الدامي والشهواني" تتخفى وراء ستارة حين يدخلون، وعندما ترغب في الخروج "كنا ننبطح على الأرض وأعيننا تنظر إليها بينما تمرُّ هي وراء الستارة السوداء التي كان الأغاوات يحملونها مفرودة دائمًا". يذكر نوبار أن عباس حلمي الأول "تلقى الأوامر بقتل عمته نازلي هانم بسبب جريمة قتل اُرتكبت بتحريض منها للتخلص من عشيق لها". وقضى عباس ليلة مع محمد علي، ليعدل عن القرار. يذكر أيضًا أن عباس "طعنه أربعة من مماليكه في أثناء نومه، ويقال إن نازلي أغرت اثنين منهم بجسدها ليلة (10 أو 11 يونية 1854)".
نازلي شخصية درامية بامتياز لا ينتبه إليها كتّاب الدراما.
لمحمد علي أبناء لم يتركوا ولدًا. طوسون، الأقرب إلى قلب الباشا، أنجب ابنًا واحدًا هو الوالي عباس الذي أنجب ابنه الوحيد إلهامي. وبعض أشقاء طوسون لهم عشرة أو عشرون ابنًا وحفيدًا. شجرة العائلة العلوية زاخرة، تزدحم بمن أسقطتهم ذاكرة تحفظ حضور ذوي النفوذ الروحي، أمثال الأمير يوسف كمال والأميرة فاطمة إسماعيل. كما تُثقل هذه الذاكرة أسماء ذوي السلطة من الحكام، وعددهم عشرة من المؤسس حتى فاروق الأول والأخير. أما ابنه أحمد فؤاد الذي يصرُّ على منح نفسه لقب الملك، ويوافقه في هذا الهوى سذَّج ومغرضون، فليس ملكًا. الملك يصبح كذلك حين يحلف اليمين الدستورية أمام ممثلي الشعب. بعد تنازل الملك إدوارد الثامن عن الملك، عام 1936، حمل لقب الأمير. الطريف في أسرة محمد علي أن الأول عُزل بسبب جنون الشيخوخة، والأخير أخرجته ثورة استعاد فيها الجيش حكم البلاد، بعد نحو 24 قرنًا من الاحتلال الأجنبي المتصل.
في العدد الأول من "أيام مصرية" تفاصيل أطول وزارة بين عام 1895 و1908، برئاسة مصطفى فهمي، أبو "صفية" التي حملت لقب "أم المصريين"، بعد صعود زوجها الزعيم سعد زغلول باندلاع الثورة الشعبية، عام 1919. تولى عباس حلمي الثاني الحكم في كانون الثاني/ يناير 1892، واستطاع عزل مصطفى فهمي، صديق الإنكليز، من رئاسة الوزارة. وفي 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1895 عاد مصطفى فهمي رئيسًا للوزراء ووزيرًا للداخلية. وفي الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1895، احتفل بعقد قران ابنته صفية على سعد بك زغلول، "تحت ظل الحضرة الفخيمة الخديو" كما جاء في الدعوة الرسمية للحفل.
في العدد الخاص بسنة ميلاد نجيب محفوظ يبدو التاريخ كأنه يعيد نفسه. الجديد الحالي طبعة غير مزيدة غير منقَّحة. في 1911 كان التعليم للقادرين. أرادت سلطة الاحتلال البريطاني بقاء الشعب في ظلام الأمية؛ فيجهل حقوقه، ولا ينهض للمطالبة بالاستقلال والحرية. ما أسهل قيادة الأمة الجاهلة. رأى الاحتلال أن نشر التعليم يخلق طبقة جديدة مستعدة للقيادة. في ذلك العام أثيرت قضية مجانية التعليم، وانتقدت الصحافة إهمال الحكومة. مجلة "الهلال" طالبت الحكومة أن تسنَّ "قانونًا يقضي بجعل التعليم إلزاميًّا"، وألا تحتجَّ بعجزها عن توفير التعليم المجاني. إن "الحكومة بإبطال المجانية من مدارسها قد أساءت إلى الأمة، لأنها حالت بين الفقراء وأسباب الارتقاء، فمنعت عن الوطن جندًا من أرباب العقول ينبع من أكواخ الفلاحين... لا يحول بينهم وبين العلم غير الفقر".
في كتابه "مصر الحديثة" قال المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر إن غياب التخطيط عقبة أمام تقدم التعليم، وأشاد بالإدارة المستنيرة لناظر المعارف سعد زغلول، "ومستشاره السيد دنلوب"، إذ "جرى التخلي عن الأساليب القديمة في مصر، والتي كانت تقوم على شحن الذاكرة بدون تدريب العقل".
وفي كتابه عن كرومر يذكر المؤرخ البريطاني روجر أوين أن كرومر رفض الوقوع في فخ التوسع في تعليم الذين لا يدخلون ضمن النخبة، ليتفادى "الفائض" من متعلمين قد "يتسببون في الهياج السياسي. وكان انحياز كرومر لهذه الفكرة واضحًا حتى إنه رأى أن التعليم المصري يخرج من يثيرون المتاعب". واستهواه النموذج البريطاني في الهند لتخريج "هنود يتمتعون بخصائص الهوية الأوروبية وقيمها الأخلاقية التي تعد متطلبًا أساسيًّا للإدارة". كان الإنفاق على التعليم، عام 1902، أقل من واحد في المائة من الموازنة. ويعلق أوين: "فلا عجب أن نجد المصريين على اختلاف مواقعهم يتحدون في الهجوم على سياسة كرومر التعليمية، فذهبوا إلى أن فرصة التعليم ليست متاحة إلا لعدد محدود من أبناء الأثرياء، وأن التعليم يتم باللغة الإنكليزية دون الاهتمام بالتاريخ والثقافة الوطنية". كان كرومر يحتجُّ بعدم وجود التمويل الكافي.
للتحايل على الإهمال الحكومي للتعليم نشط أفراد ومؤسسات وجمعيات أهلية خيرية في إنشاء كتاتيب ومدارس ابتدائية وثانوية، بعضها يختص بالتعليم الفني الزراعي والصناعي والتجاري. كما ابتكر الحزب الوطني بزعامة محمد فريد حلًا لتعليم الفقراء، عن طريق مدارس الشعب أو المدارس الليلية، بتمويل أهلي، وبجهود طلاب المدارس العليا. وعد الزعيم محمد فريد بالعمل على "تعميم هذه المدارس والجمعيات في جميع أقسام المحروسة، وإننا لا نعدم في كل قسم منها من يقوم بالإنفاق".
قضية التعليم ذات شجون، أخذتني من عدد نجيب محفوظ وسنة ميلاده. فيها صار الشاعر حافظ إبراهيم رئيسًا للقسم الأدبي في المكتبة الخديوية (الكتبخانة). وعلقت مجلة "الزهور" على الفرح بهذا المنصب لشاعر النيل، "من خدمة دولة الشعر إلى دولة الإدارة"، بأن الحكومة "ضمَّت إلى مكتبتها الجامدة مكتبة حية".
في عام 1911 صدرت "لائحة التياترات" المختصة بتنظيم عمل المسارح. تُقدَّم إلى نظارة الداخلية "طلبات الترخيص على الأورنيك"، وتشمل بيانات صاحب المسرح ومديره، وعدد المقاعد، إضافة إلى "قوة المحرك الميكانيكي إذا كان في المحل محرك من هذا القبيل". وكان في كل مسرح مكان "لضابط من ضباط البوليس يراقب التمثيل وغيره من المناظر والصور التي تعرض فيه، وأن يحكم في كل مخالفة"، وللبوليس سلطة تصل إلى إغلاق المحل.
من سلطة الرقابة إلى سلطة الزمن وقسوته في انتقاء ما يبقى، نُشر إعلان عن رواية صدرت عام 1911، عنوانها "الميت الحي"، وهي الحلقة الأولى من سلسلة الروايات العصرية لترقية فن التمثيل العربي في مصر، تأليف أمين الكتبخانة الخديوية محمد لبيب. لا أظنُّ أحدًا الآن يذكر عنوان الرواية أو المؤلف. كما نشر إعلان عن الطبعة الحادية عشرة لكتاب نشرته وزارة المعارف العمومية (التربية والتعليم الآن) على نفقتها لتدريسه بالمدارس الابتدائية، عنوانه "كتاب التحلية والترغيب في التربية والتهذيب" تأليف حضرة سيد أفندي محمد، أحد مدرسي اللغة العربية بمدرسة الناصرية سابقًا.
عُمر "أيام مصرية" تخطَّى ثلاثين سنة تختصر مراحل وتحولات. كما توفي حلمي التوني وعمرو إبراهيم رحمهما الله. والتحية لمحمد عطية ومحمود بكري. أما أحمد كمالي فيستحق جائزة على تقديمه وجبة مفيدة وممتعة تثبت أن هذا التاريخ ليس مجرد ماضٍ، إنه يُستعاد في مطبوعة تفاجئنا بشبابها كلما صدر منها عدد جديد.


تحميل المقال التالي...