}

سنية صالح: شاعرة طافت أمومتها على القصائد

ميسون شقير ميسون شقير 1 أبريل 2026

أنا المرأة ذات الأعوام المسننة
أنزف كجندي بُتر رأسه
وأنا أذهب وأجيء وراء النوافذ العالية
كأميرة تستعدّ للهرب
بعد أن أفسد الذعر فرحي وطفولتي.

بهذه الصرخة تعمّر الشاعرة السورية سنية صالح، زوجة الشاعر السوري محمد الماغوط، التي خذلها حبها له، وأطفأها شعاع اسمه الوهاج. بهذه الصرخة تعمّر لنا الشاعرة الفريدة التي رحلت قبل أن تكمل الخمسين عامًا، مليئة بالثقوب التي تركها المرض والخذلان بروحها وجسدها، وتلك التي تركتها العزلة والقسوة والأمومة على شعرها، تعمّر لنا من خرابها عالمًا شعريًا كاملًا، كما تعمّر الأمهات حياة أبنائهن في أرحامهن، وهي التي فقدت أمها مذ طفولتها، مثلما فقدت حياتها كأم وهي في منتصف القصيدة ومنتصف العمر، لتكتب سنية يتيمة القلب:
سلام على الأطفال اليتامى
يخبئون أحزانهم بين العشب
ويموتون
أنا المسافرة الأبدية.
طوال حياتي أُغذّ السير
وما تجاوزت حدود قبري.

ولربما لم تواجهنا شاعرة بالأمومة كفعل إبداعي موجع مدهش مبكٍ متحدٍ وثائر كما واجهتنا الشاعرة سنية صالح. هذه الشاعرة التي تتقن الحب كما تتقن البكاء، وتتقن التحدي كما تتقن الهشاشة، هذه الشاعرة التي لم تهرب يومًا إلا من الزيف ومن الهروب بحد ذاته، وإن هربت يومًا فقد هربت من مواجهة القصيدة إلى القصيدة نفسها كفعل خلاق كامل يتشابك مع الغابة والرحم والثورة والدهشة، مواجهةً ومُعرّيةً الخضوعَ والانكسار، متخذة من ذاتها منبعًا ومرآة ورقيبًا، ومعيدة فينا أنوثة طاعنة الوجع، مثلما هي طاعنة الإعجاز والإبداع. تقول سنية:
أيتها الغابة التي أشعلها جسدي
اقتربي.
تجاوزي ما لا يمكن تجاوزه،
اهمسي حفيفك الدفين في فمي،
في أذني،
وفي مسامي جميعها،
ارفعي غطاء عصيانك،
وأزهري
في القبة المثقبة لجسد متهاوٍ.

إن سنية صالح لم تكتب الأمومة كمجرد مسؤولية وحب ووصاية، بل كتبتها كما تبكي الأمّ حنانًا، وحاكتها كمنقذ وحيد للموت الذي يحاصر كل شيء، حاكتها بكل جرأة وعمق، كأنها تشرح جسدًا مدهشًا مليئًا بالأسرار وبالكشف، في الوقت ذاته، فسنية الأمّ هي سنية المخذولة من الحب، المخذولة من الذكورة المالحة، والمخذولة من الحياة، وهي الطفلة فاقدة الأمّ، وهي الغابة التي لا تكف عن فعل الولادة:
أيتها الغابة التي نَوَّرت في جسدي
لا تخافي
لقد خبأت روحي فيكِ
أو بين شقين قويين كالجيوش
مع أن الجيوش لا تعرفنا ولا تبالي.

أغرقي رأسك فيّ
اخترقيني
ولنكن متجاورتين
متشابكتين كثنائية القلب.

لم تتوقف سنية طيلة حياتها القصيرة كزهرة لوز مباغتة يومًا عن مخاطبة الشجرة الغابة كأمٍّ ولود، عن استحضارها كأمّ تعيش كل آلام مخاض الولادة وتخوضها صامتة وحكيمة، وفي هذا فلسفة حقيقية كانت برأيي سابقة لعصرها وسابقة للمنجز الشعري النسائي:
عاجزة عن أن أعيدكِ إلى مخيلتي أيتها الغائبة
فأيّة عبارة حُكيت للأشياء المنسية
ساعة المغيب
أيّة ورقة ضممت لحظة
البرودة
وبأيّ حوار فاجأتك الفصول
يا امرأة هائمة مع أنين الليل والمطر.

سنية صالح وابنتاها


في شعر سنية الذي تركته لنا كما تترك النساء مصاغهن لبناتهن من بعدهن، في مصاغ سنية صالح الشعري هذا تصعد المرأة/الغابة إلى سقف هذا العالم الموحش وتطل علينا بظل أخضر مجروح كجسد امرأة تحاوطه سكاكين مجتمع كامل لا يعرف الحب إلا من خلال التملك والسيطرة والقسوة:
البراري النائمةُ منذُ الولادة
يوقظها كناريٌّ ضائع
والأشجارُ المتعبةُ
ترفعُ سواعدها المائية
لطيورِ الجليد والبحيرات.
لكن المرأة التي تملك البكاء وحده
أسيرةٌ أبدًا
فامنحي عريكِ للجبال الخجولة
وارفعي مفاتنكِ
حيث السر مدفون في كنائس الشتاء.

إن كلاً من هذا الربط المذهل بين الأنوثة والشجرة كمفهوم، وهذه الشعرية المفاجئة دائمًا بغرابتها وصدقها معًا، جعل من سنية صالح شاعرة متفردة على مستوى الشعر النسائي العربي المعاصر، فهي من الشاعرات القليلات اللاتي قدّمن ذواتهن الأم من دون أية رتوش، قدّمنها صارخة صادقة مقهورة قهر كل نساء الأرض مذ استلمت الذكورة القيادة، ومتمردة تمرد كل نساء الأرض حين اكتشفن أن أنوثتهن هي أكبر القوى على هذه الأرض، ولعلنا لم نعرف أو نقرأ نصًا صاعقًا مثل ذاك الذي كتبته سنية وهي تخاطب ابنتها، فهذا ليس نصًا شعريًا فقط بل هو وصية الأنوثة للأنوثة، وصية الأم للابنة والحفيدة، وصية الشعر لنا:
كيف الهرب يا حبيبتي،
ونار قلبي تركض في الجهات كلها، في الكلام، وفي الصمت؟
من أجل أن تولدي ملايين المرات...
في العصور الأكثر غرابة.
مليون امرأة هي أمك يا صغيرتي
المسيني
كما يلمس الإله الطين
فأنتفض بشرًا.
يا غابتي الشقراء
شدّي جذعك إلى جذعي
أدخلي عظامكِ في نفق عظامي
ثم اسحبي ما تبقّى من جسدك،
واعبري...
حاذري أن تنسي أنك ذاهبة
لتصرخي
وترفضي
لا لتنحني.

كما أننا لم نسمع أمًّا شاعرة تخاطب بناتها بكل هذه الرقة، وهذا الاعتراف بكمية القوة والضعف اللذين تصنعهما الأمومة في المرأة، لدرجة أن ممدوح عدوان كتب أن "سنية صالح جعلتني أتمنى لو كنت أمًّا". نعم نحن لم نسمع شاعرة أمًّا تكتب بكل هذه اللمعة الشعرية لتقدم لنا قصيدة طافحة بالأنوثة وبالصور الحادة المسننة، التي تعتبر أن الأبناء هم فقط القادرون على مجابهة فعل الفناء:
قبل أن يدركني اليأس
اقفلي يا صغيرتي ذراعيك الخائفتين
حولي.
وارمي مفتاحهما في البحر
وأغلقي دهشة عينيك بعينيّ
كي لا ترى أصابعي
ترسم على الحراب
كي لا يفاجئك العويل.
يا ساحرتي
يا امرأة تغزل شعرها في الشمس
من أجل الحزن والسفر عبر الأنهار
من أجل الحبر الممزوج بالدماء
رفعت وجهي بريئًا
كعصفور يرتعش تحت المطر.

ولا تتعب الشاعرة الأمّ في قصيدتها من أمومتها، فالأمومة عند سنية صالح تمثل انفجارًا عاطفيًا، مثلما تمثل انفجارًا شعريًا، يشبه لحظة سقوط النيازك والشهب. الأمومة عندها تعكس ضوءًا طاغيًا وملجأً وحيدًا للاستمرار على الرغم من خيانة الحب لأحلامها، وخيانة المرض لجسدها الهزيل:

يا ابنتي/ كنت وحيدة فتجزأت
وبقيت أتجزأ
حتى خلقت شعبًا أنتِ أسطورته.
يا سليلة الريفيات
لقد أضأتك/ بأعظم الرغبات.
تخرجين من أسوار الجسد
ومعك أجيال يضيئها عبورك الصاعق
إنها الولادة فلا تخافي
أيتها الحارسة الذكية للسلالات
لقد منحتك روحي
حجم العين وشكل الهدب
الزرقة والشقرة،
ولما جاء الصباح كنتِ مكتملة.

والأمومة عند سنية هي المعادل الوحيد للعدل في حياتها، هي الاستجداء الذي لا أفق آخر يقدم لها أية أشعة أو وهج. هي ككل أمهات الأرض، تلوذ بالأمومة من فشل الحلم، ومن طعنة الفرح القاتلة:
خذيني يا صغيرتي
تأبطيني كلحم ذراعك
فلن أقوى على الفراق.

وعلى الرغم من كل هذه الأمومة الصاعقة، إلا أن سنية بقيت تكتب في الوقت نفسه عن دمى مقطوعة الرأس، دمى قادمة من طفولتها المعطوبة، من أمها التي بقيت خيالًا يلازم أحلامها مثلما يلازم شعرها، أمها التي رحلت وأخذت معها براءة سنية، وتركت لها وصية الفقد والحزن كاملة غير منقوصة.
ها هو العالم يدور
يُسحب قسرًا من أعمارنا
ليُمنح بالمجان للصوص والسفاحين
أضرِميني يا ابنتي جدّديني
لقد تعفنتُ في النسيان
فأنا مشوشة بالخسارة
أستنجد ببراءتك
بضعفك الطفولي
وأصلي بحرارة ويأس
كي يصير قلبي الضعيف
بحجم قدميك.

ففي روح سنية، وبين كل قصائدها، كانت أمها التي كان من المفترض أن تشكل أول داعم لأنوثتها، كانت أمها "حمامة مذعورة" تخفق/ ترتعش/ تطل/ تموت/ ترحل/ تبكي:
الليالي المظلمة
خلقت للألم والذكرى
بين الثياب والعطور
تبكي حمامة مذعورة
حمامة يُقال لها
أمي.

سنية صالح الموزعة بين أمها وبنتيها سلاف وشام، هي الشاعرة التي جعلتنا نقف أمام ذواتنا مكشوفي القلوب كمن يقف أمام مرآته التي يحبها ويخاف منها دومًا، ولم تفصل الوجع الأنثوي عن وجع الشعوب الفقيرة المقهورة، فلدى هذه الشعوب/شعوبنا، يصبح كل من الأم والأبناء ضحايا لكل ما ينتجه الفقر من انهزام يكسر الشخصيات ويحولها لوحوش تستقوي فقط على الأضعف في مجتمعها/المرأة والصغار:
الصغار ينتحبون على ركب الأمهات
المهانات في الغرف المعلقة كالصناديق
على حافة الظلام،
بين أقوام يغوصون حتى الركب في المجاعات،
يبصقون على الخصب وقد تنكر لهم،
يبصقون على الأسرة
أدمنوا النوم في العراء.

نعم هي سنية/ الشاعرة/ الغابة/ المرأة/ الأم التي حين نتركها ونبتعد عن قصيدتها قليلًا نكتشف أن سوطها ترك علامات من جلداته على ملامحنا، ندرك ذلك، فنفرح، وأيضًا نبكي:
ولدت مع الضوء
يا امرأة العاصفة
وإليها عُدتِ
ونسيتِ سوطك على الوجه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.